أكتب لكم من القهر، ومن الإصرار على العيش بكرامة، كفلسطيني وأسير سابق وجريح ومبعد وكاتب وأكاديمي لم تسعفه هذه الصفات حتى الآن، في أن تقيه وتقي زوجته وأطفاله من ذل الحاجة، في الحياة، وبعد الممات.
أود أن أعلم حضراتكم، بأنني كمناضل لا أَمُنُّ على الله، أو على شعبي، لأنني ناضلت وجرحت وسجنت وعانيت وأبعدت وتشردت، لكنني أحفظ لنفسي الحق في الصراخ، ولذلك أعرض أمامكم بعض الأمور الشخصية المتعلقة بي، من أجل الفهم والتفهم، ولكي يكون ما أطالب به واضحاً ومبرراً:1- في 5 حزيران 1969، وكان عمري 17 عاماً قمت بطعن ثلاثة جنود إسرائيليين أمام الحرم الإبراهيمي في الخليل بسيخ كباب صنعته في المدرسة المهنية، وأصبت برصاص الحاكم العسكري الإسرائيلي وجنوده في رقبتي وقدمي اليسرى التي لا يزال فيها حتى الآن 60 شظية من رصاص ‘الدمدم’ المتفجر، والجرح فيها بعد مضي 42 سنة لم يلتئم. وقضيت في سجون الاحتلال سبع سنوات ونصف ثم تم إبعادي من سجن بئر السبع إلى الأردن بتاريخ 29-11-1976. ومن قبيل الدعابة أطلق علي بعض زملائي من الأسرى لقب ‘عدنان السيخ’ فأقول لهم: نعم، ولكن سيخ فلسطين وليس سيخ الهند!
أما ما هو بعيد عن الدعابة، فقد تم اعتمادي كمتضرر برتبة نقيب من قبل منظمة التحرير الفلسطينية، براتب 150 دينار وبعد سنوات طويلة أصبح بعد الزيادة العام الماضي 250 دينار، في المقابل هناك العديد من الأشخاص تم اعتمادهم برتب عالية تصل إلى عميد، وبرواتب عالية جداً، وهم لم يخدشوا جندياً إسرائيلياً، ولم يقدموا للوطن، ولا يمتلكون الكفاءة التي أمتلكها، أنا وأمثالي.2- في 9-9-1998، قامت المخابرات الأردنية بترحيلي عن الأردن، بعد أن تدخلت لمنع تثبيتي في وظيفة محاضر في كلية العلوم التربوية التابعة للأونروا في عمان – المقابلين، وصادرت جواز سفري الأردني، ولم تكترث بالرسالة التي رفعها رئيس رابطة الكتاب الأردنيين السيد فخري قعوار لرئيس الوزراء آنذاك السيد فايز الطراونة للتدخل لمنع ترحيلي عن البلاد، وكل ذلك لأنني رفضت أن أبيع نفسي وأعمل مخبرا، ولأنني أؤمن بأن من يبيع نفسه مرة، يمكن أن يبيعها مرة ثانية وثالثة. وأكشف أمامكم واقعة لا يعلمها سوى القلة من الناس، وهي أنني بعد ترحيلي من الأردن، وكنت في وضع مالي صعب، قمت بشراء عربة خضار من سوق الهال في دمشق، وعملت بائع خضار في سوق التقدم في مخيم اليرموك، لمدة يوم واحد فقط، يوم واحد لأن قدمي المليئة بالشظايا، تورمت والتهبت من الوقوف ومن الحر الشديد، ما اضطرني إلى الذهاب للطبيب الذي أخبرني أن عليَّ أن أرتاح لمدة أسبوع دون أن أمشي على قدمي كي لا يسوء وضعها ويؤدي ذلك إلى بترها، وهكذا تم بتر فرحتي بأن أمر في هذه الصيرورة: كيف يتحول دكتور في الفلسفة إلى بائع خضار!3- في بلغاريا، صوفيا، يوم السبت الساعة الواحدة ظهراً الموافق 26 تموز2008 اختار ابني مارسيل عدنان جابر، وهو في الرابعةِ والعشرين من العمر، أن يُتوِّج نجاحه في السنة الرابعة والأخيرة في الجامعة، بالقفز من الطابق السادس. كان على وشك التخرج من الجامعة، لكنه فضَّل أن يخرجَ من الحياة!
استدنتُ مبلغاً من المال كي أشتري بطاقة الطائرة وأسافر من سورية إلى بلغاريا، لأودع ابني وأدفنه هناك. وقلت لنفسي الثكلى: لم يَكْفِ يا عدنان أنك فقدت ابنك وهو في عز شبابه، بل إنك دفنته في الغربة، ودفنته بالدَيْن!4- في شهر أيار 2011، فازت قصتي ‘عظام أمي’ بجائزة تقديرية في مجال ‘القصة الصحفية’ في ‘مسابقة العودة’ التي نظمها ‘مركز بديل’ (المركز الفلسطيني لمصادر حقوق المواطنة واللاجئين) في بيت لحم. لم أفرح لهذا الفوز ‘التقديري’ ونيل الدرع الذي استلمته نيابة عني في حفل التكريم في قصر الثقافة برام الله أختي سامية التي جاءت خصيصاً من الخليل، ولم يكن إحساسي بعدم الفرح نابعاً من عدم إدراك لأهمية المعنويات وأن المال ليس كل شيء، أو أنه كان لدي موقف سلبي أو تحفظ على هيئة التحكيم، بل لسبب خاص ووحيد وهو أنني كنت آمل أن أفوز بجائزة مالية تساعدني في السفر ومغادرة سورية إلى بلغاريا بعد أن ضاقت بي الدنيا لأسباب وتفاصيل لا مجال لشرحها، وبدافع إضافي للسفر وهو السعي لعلاج ابنتي دالية (11عاما) التي ولدت من دون كف في يدها اليسرى، وقد بعت أثاث وأغراض بيتي المستأجر في صحنايا وسافرت بثمنها مع استدانة مبلغ من المال، كي أستطيع أنا وأسرتي استئجار بيت في صوفيا والعيش لبضعة أشهر إلى حين إيجاد عمل، أو بزوغ بقعة ضوء في لوحة السواد!
على ضوء ما تقدم، فإنني أطلب منكم يا سيادة الرئيس الأخ أبو مازن، ويا سيادة الوزير والزميل الأخ عيسى قراقع، ويا من يهمهم الأمر ما يلي:1- توفير وظيفة لي في إحدى السفارات الفلسطينية في أوروبا أو العالم، فأنا فضلاً عن شعوري بعدم الإنصاف في قضية الرتب والرواتب التي تحدثت عنها سابقاً، أشعر بعدم الإنصاف في قضية الوظائف. فعدا عن تاريخي النضالي الذي يعرفه الكثيرون، لدي شهادة أكاديمية وكتب وأبحاث وأربع لغات (العربية، الإنجليزية، البلغارية، والعبرية) وهناك بعض العاملين في السفارات الفلسطينية في العالم لا يعرفون لا الإنجليزية ولا لغة البلد الذي يعملون فيه، وحتى لغته العربية ضحلة وركيكة، كما أن هناك العديد من العاملين في السفارات الفلسطينية لا يهمه سوى الراتب الذي يتقاضاه، أو العمل في التجارة، وقد اعتاد أن يكون موظفاً أو دبلوماسياً في سفارة، وهو لا يعنيه، بل ليس مؤهلاً لخدمة فلسطين وقضيتها وثقافتها. وما يضفي على طلبي هذا من المشروعية والإصرار على الإنصاف هو الشعارات التي يرددها العديد من المسؤولين الفلسطينيين عن ضرورة الوقوف والتضامن مع الأسرى وقضاياهم، خلف القضبان وما بعد خروجهم من السجن، فأنا أسير سابق وأطالب بأن يتم تطبيق هذه الشعارات على الأسرى، وأنا واحد منهم، في الرتب والرواتب والمناصب والوظائف، فعلاً وعلى أرض الواقع. 2- إذا لم يكن بالإمكان تعييني في وظيفة في إحدى السفارات الفلسطينية في العالم، فإنني أطالب بالإنصاف بأن يتم اعتمادي برتبة وراتب يتناسب مع مواصفاتي النضالية والعلمية والثقافية وغربتي وظروفي الاضطرارية، أسوة بالكثيرين من أمثالي، وغير أمثالي!
إنني أعلن أمامكم، أنني ومنذ سنوات، ولأسباب تتعلق بقناعات سياسية وثقافية، ولأسباب صحية وعائلية شخصية، ليس لي وضع حزبي في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين (وليس هناك من يسأل أو يبالي!) وأعتبر نفسي من ‘حزب فلسطين’ أو ممن يطلق عليهم ‘المستقلون’، مستقل عن الأحزاب والفصائل وليس مستقلاً عن فلسطين وقضيتها وهمومها.
والسؤال هو: ألا يمكن أن أنال حقي ويتم إنصافي إلا إذا كنت منضوياً حزبيا وجبهوياً وحركياً وفصائلياً ضمن الأحزاب والجبهات والحركات والفصائل الفلسطينية القائمة؟
إن الشعب الفلسطيني أكبر من فصائله، وعلم فلسطين أكبر من أعلام الفصائل، والفلسطينيون خارج المنظمات الفلسطيينة أكثر كثيراً من الفلسطينيين الأعضاء في داخل هذه المنظمات، والمجتمع المدني أكبر من مجتمع الحزبيين والمناضلين السياسيين. كيف سننتقل من إدارة الثورة إلى إدارة الدولة، وكيف سنمتلك ثقافة الدولة، وكيف سنتوجه إلى الأمم المتحدة وإلى المنابر الدولية وإلى العالم إذا لم نحسن التوجه إلى أنفسنا وشعبنا ومناضلينا وأسرانا ووطننا وشتاتنا؟!
الشهداء والأسرى والجرحى قيم وطنية، ويستحقون هم وذويهم الاحترام والرعاية والاهتمام. وأنا أسير وجريح حصل أنني لم أستشهد في 5 حزيران 1969 دفعة واحدة، لكنني منذ ذلك التاريخ وحتى هذه اللحظة أستشهد ببطء!
الشهداء والأسرى والجرحى لا يتوسلون ولا يتسولون، وأنا لا أتوسل ولا أتسول. أضع أمامكم وجعي ونزيفي وقهري ونقدي، طالباً الإنصاف والانتصار لكرامتي.
د.
عدنان جابر- أسير سابق ومبعد، يقيم الآن في بلغاريا[email protected]