عبد الحميد صيام بعد غياب عشر سنوات، أعود إلى جنوب أفريقيا، البلد الذي ارتبط اسمه بأجمل صور الكفاح وانتصار الإرادة الإنسانية على سنوات الظلم والقهر والسخرة والعنصرية. البلد الذي ارتبط اسمه برومانسية تكاد تجعلة مثاليا بعيدا عن الواقع. فقد كنا نظن أن القائد العظيم نيلسون مانديلا سيعيد صياغة بلد الفصل العنصري ليصبح بلد الحب والخير والجمال والأخوة والتضامن مع المظلومين والمقهورين وضحايا الفصل العنصري في أي مكان وفي كل زمان. لكن الحلم شيء والواقع شيء آخر- الثورة توحد الأطياف حول الهدف والدولة تقسم الفئات حول المصالح أو الغنائم أو الأيديولوجيات. فها هي جنوب أفريقيا بعد 18 سنة من نهاية نظام الفصل العنصري وقيام دولة الديمقراطية المستقرة تعاني من مشاكل حقيقية مثل الفساد والجريمة ومرض نقص المناعة البشري والفقر المدقع وخاصة بين السود وانتشار مدن الصفيح وتدفق الهجرة غير الشرعية من دول القارة السمراء وخاصة من الجارة زيمبابوي، أفقر الدول الأفريقية والتي يقبض على خناقها روبرت موغابي كبير طغاة القارة على طريقة زملائه العرب الساقط منهم والهارب والمقتول، منذ الاستقلال عام 1980 وحتى الآن مع أنه بلغ من العمر الثامنة والثمانين. وصل السلطة بالانتخاب لأنه قاد حركة التحرر الوطني ضد الأقلية البيضاء في ما كان يسمى روديسيا ثم رفض أن يتخلى عن الكرسي رغم كل الضغوط المحلية والدولية. أما مانديلا فقد شكل الوجه الأكثر إشراقا لقادة النضال الأفريقي والذي رفض أن يخدم أكثر من دورة واحدة (1994-1999) ثم تفرغ للعائلة ومشاكل القارة الأفريقية. ها هو الآن مسجى في المستشفى في الرابعة والتسعين والأمة كلها تصلى إلى ربها وتحبس أنفاسها كي يلطف الله بهذا الرجل نادر الطراز وأعظم قادة القرن العشرين إن لم يكن أعظمهم على الإطلاق. تشابك الأفريقي بالعربيبدعوة من ‘مركز حل النزاعات’ في كيب تاون شاركت في لقاء حول القضايا الأفريقية المطروحة على جدول أعمال الأمم المتحدة. وقد شارك في اللقاء الذي استمر يومين كاملين خبراء متخصصون في القارة الأفريقية وعدد من الدبلوماسيين الأفارقة من الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة بمن فيهم سفراء نيجيريا ويوغندا وجنوب أفريقيا وتانزانيا والممثل الخاص للأمين العام في السودان والممثل الخاص في الصومال. وقد تم بحث المسألتين الصومالية والسودانية بكافة تفاصيلهما وتجربة الناتو في ليبيا والمواقف المتناقضة للاتحاد الأفريقي والتي انعكست على مواقف مندوبي القارة في مجلس الأمن من المسألة السورية. كما بحث المشاركون الوضع في شمال مالي ومسائل أفريقية عديدة سيتم نشرها في كتيب صادر عن المركز. بالنسبة للصومال فقد أكد السيد ماهيغا، سفير تانزانيا السابق والممثل الخاص للأمين العام، أن هناك الآن فرصة حقيقية للصومال لإعادة البناء والتقدم نحو الاستقرار وخاصة بعد تراجع سطوة تنظيم الشباب وقيام برلمان وحكومة انتقاليه معترف بها. وأكد أن زيارة السيد رجب طيب أردوغان وزوجته وابنته وأربعة وزراء لمقديشو مع نهاية شهر رمضان الماضي والتبرع بمبلغ يصل إلى 600 مليون دولار قد فتحت الباب لإعادة البناء وترميم البنى التحتية من طرق ومدارس ومستشفيات- والسيد أردوغان هو الزعيم الوحيد الذي زار مقديشيو رغم أن هناك 54 دولة أفريقية تتقاطع مع 22 دولة عربية و 57 عضوا في منظمة التعاون الإسلامي.أما عن السودان فالحديث طويل وقد قدم السفير السابق لنيجيريا إبراهيم غامبري، الممثل الخاص المشترك السابق للأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي في دارفور ، قدم صورة مفصلة عن التقدم في حل مشكلة دارفور وتراجع الصراع المسلح وإعادة توطين المهجرين واللاجئين الذين بدأوا العودة من تشاد. إلا أن مشاكل السودان ما زالت معقدة ومتشابكة في أبيي وجنوب كردفان ومع الدولة الوليدة ‘جنوب السودان’ والتي اختارت التحالف مع كل من يعادي العرب عموما والسودان خصوصا. كما أن قرار المحكمة الجنائية الدولية بخصوص الرئيس السوداني عمر البشير ما زال يشكل ‘وجع رأس’ حقيقيا للاتحاد الإفريقي. بين كيب تاون وقناة السويسأكتب من مدينة كيب تاون- أجمل مدن جنوب أفريقيا وأكثرها التصاقا بسنوات نلسون مانديلا في السجن- المدينة التي ‘مرج الله فيها البحرين يلتقيان’ المحيط الأطلسي والمحيط الهندي حيث تشاهد بأم العين كيف يمتزج التياران ببعضهما البعض عند نقطة الرأس ‘كيب بوينت’ التي يسلب جمالها القلب والعقل معا. ومما زادها جمالا وجود محمية طبيعية قريبة لطائر البلطيق الذي لا يطير ولكنه يتهادى في مشيته كأنه شيخ قبيلة أوحكيم يضع يديه وراء ظهره مفكرا في أفضل الحلول لأزمة معروضة عليه. هذه المدينة رغم تباعد المسافات بينها وبين بلادنا إلا أنها تفتح صفحة مطوية من التاريخ قد لا ينتبه لها جيل الشباب المشغول بالإعلام الاجتماعي. فقد كانت كيب تاون مدينة مهمة في التاريخ تمر منها تجارة أوروبا إلى الهند والصين وبقية العالم القديم وظلت متربعة على عرش التجارة القديمة بين أوروبا وآسيا إلى أن تم افتتاح قناة السويس عام 1869 فتعرضت المدينة إلى ضربة كادت أن تكون قاضية بعد التحول من رأس الرجاء الصالح كما سماه فاسكو دي غاما البحار البرتغالي إلى قناة السويس التي إختصرت المسافة الى أكثر من النصف. لكن الذي غاب عن ذهن الخديوي إسماعيل وهو يحتفل بافتتاح القناة أن شهية الدول الاستعمارية الكبرى وخاصة ‘فرنسا وبريطانيا’ ستتضاعف للاستيلاء على مصر وهذا ما حدث بعد 13 سنة من الافتتاح حيث أثقل الخديوي إسماعيل مصر بالديون فاضطر إلى بيع أسهم مصر في القناة لبريطانيا بأربعة ملايين جنيه إسترليني، فانتهى التنافس بين الجارتين اللدودتين لصالح بريطانيا والتي ظلت متمسكة بالقناة لمدة 74 سنة حتى بعد أن إضطرت أن تتنازل عن مصر شكليا بعد ثورة 1919 واتفاقية عام 1936 إلى أن طردها الشعب المصري بشكل مهين عام 1956 عند تأميم القناة حيث شنت الحليفتان مع قاعدتهما المتقدمة إسرائيل العدوان الثلاثي فجاءت الهزيمة السياسية قاضية للإمبراطوريتين معا وإيذانا بنهاية العصر البريطاني الفرنسي وتتويجا للعصر الأمريكي السوفييتي.جزيرة روبن والزنزانة رقم 7من يزور مدينة الكيب ولا يزور جزيرة روبن مثل الذي يزور القاهرة ولا يزور الأهرام أو باريس ولا يزور برج إيفل. جزيرة روبن كانت سجنا ومنفى حيث ارتبط اسمها بأسماء السجناء العظام الذين قادوا الصراع ضد نظام الفصل العنصري وانتهى إلى الانتصار وتفكيك ذلك النظام الكريه الذي أورث ثقافته وممارساته وأساليبه إلى تلاميذه النجباء في تل أبيب فأبدعوا وتفوقوا وأنتجوا نظاما أكثر عنصرية وعنجهية وعنفا بسبب الحماية التي تشمله من قبل الدولة العظمى. ‘في هذه الزنزانة الصغيرة رقم 7 (متران في 3) أمضى نيلسون مانديلا 18 سنة قبل نقله إلى سجن ثان ليمضي فيه 7 سنين ثم إلى سجنه الأخير في بريتوريا ليمضي فيه آخر سنتين قبل خروجه من السجن عام 1990’، قال المرشد السياحي الذي أمضى هو الآخر سبع سنوات في السجن. لقد اتخذ مانديلا قرارا في هذا المكان أن يحول السجن إلى مدرسة وجامعة. الطبيب يعلم والأستاذ يدرس والمحامي يحاضر في القانون. كما زرع مانديلا في حديقة السجن هذه الدالية وبدأ يخبئ فيها لفائف أوراق يكتبها عن أيام السجن نشرت عام 1995 تحت عنوان ‘رحلتي الطويلة من أجل الحرية’ كما جاء عنوان مذكراته في الترجمة العربية. وقبل مغادرة الجزيرة الصغيرة حرصت على أن أزور مقام الشيخ ‘سيد عبد الرحمان ماطورا’ وأفرأ على روحه الفاتحة. إنه أمير ورجل دين ماليزي قاوم الاستعمار الهولندي لآخر رمق. وبعد هزيمته قرروا ألا يقتلوه حتى لا يتحول إلى شهيد يثير مزيدا من المقاومة فقيدوه وإثنين من أتباعه ورموا بهم في هذه الجزيرة في كانون الثاني (يناير) 1667 وبسرعة تصاحب مع السكان الأصليين ونشر الإسلام في هذه البلاد وهناك الآن ما يزيد عن ثلاثة ملايين مسلم في جنوب أفريقيا. وأكبر تجمع لهم في هذه المدينة ولديهم جمعية مهمة لمناهضة الصهيونية والتضامن مع الشعب الفلسطيني. وقد أخبرني السائق ‘عبد القادر’ أن بعض المسلمين هنا في المدينة يصومون يومي الإثنين والخميس ويتبرعون بنفقات الطعام الموفرة لصالح الشعب الفسطيني. مؤتمر الحزب الحاكم والتحديات الكبرى انتهت أعمال المؤتمر العام لحزب ‘المؤتمر الوطني الأفريقي’ الذي استمر خمسة أيام بفوز الرئيس الحالي للبلاد جاكوب زوما رئيسا للحزب لغاية 2019 رغم أن الانتقادات التي تسمعها عن تورطه في قضايا فساد كبيرة، إلا أن وحدة الحزب الذي قاد البلاد في عصر الثورة وعصر الدولة معا كانت أهم من التوقف عند المسائل الخلافية على أهميتها. سألت سفير جنوب أفريقيا في الأمم المتحدة السيد باسو سانغو، والذي شارك في الحلقة الدراسية ثم انتقل إلى مدينة مانغاونغ للمشاركة في مؤتمر الحزب: هل يسير المؤتمر الوطني الأفريقي على خطى جبهة التحرير الجزائرية- يتمسك بالسلطة إلى أن يصبح عبئا على البلاد والعباد؟ ‘الوضع مختلف في جنوب أفريقيا’، بدأ السفير يوضح وجهة نظره. ‘ليس كما الجزائر. هناك المعارضة إسلامية تلقى صدى كبيرا لدى الشعب أما هنا فالمعارضة الحقيقية للحزب تأتي من’الإئتلاف الوطني’ الذي يضم الأقلية البيضاء وليس لهذا الحزب حظ في الوصول إلى السلطة. تحديات الحزب من داخله وأجنحته وغياب الزعامات الكبرى. تحديات الحزب هي كيف يوفر للشعب سبل العيش الكريم ويبقى قائدا لدولة عظيمة ذات اقتصاد هو الأكبر في كل القارة. قدر جنوب أفريقيا أن تلعب دورا رياديا في القارة الأفريقية وعلى مستوى الدول النامية. لكنها أمام تحديات كبرى جلها داخلية وهذا ما سنناقشه في المؤتمر.’ لقد راهن كثيرون على فشل تجربة جنوب أفريقيا وأن حربا أهلية ستنطلق بين السود والبيض من جهة وبين قبائل الزولو وبقية البلاد من جهة أخرى. إلا أن شخصية مانديلا وحكمته والاحترام الذي كان يحظى به من كافة فئات الشعب مكنته أن يضع جنوب أفريقيا على الطريق السليم لبناء دولة واحدة موحدة يحكمها التسامح لا الثأر، والعفو وليس النسيان، والمحبة وليس الحقد والانتقام. لكنها كأية دولة انتقلت من مرحلة التحرر الوطني إلى مرحلة بناء الدولة العصرية لا بد وأن تواجه العديد من العقبات. الوضع الآن يكاد ينذر باحتجاجات كبرى. فلا يمر يوم إلا وهناك إضراب أو مظاهرة أو إحتجاج. وقد كان لمقتل 34 من عمال المناجم المحتجين في 16 آب (أغسطس) الماضي أثر النار في الهشيم. لعل هذا المؤتمر يقف وقفة متأنية أما هذه التحديات ويجنب البلاد خطر التصدع والاحتقان فالانفجار الشعبي. أليس دفن الرأس في الرمال والادعاء أن كل شيء على ما يرام يؤدي إلى مثل هذا الانفجار كما حصل في تونس ومصر وليبيا وسوريا واليمن والبحرين وغيرها؟’ أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في نيويورك