إِسمعيني جيدا، أنتِ أجل أنتِ يا من استبدلتِ برحلتك الأبدية في قلبي و عيوني مقعدا ثابتا وجدارا أصما…
لطالما ادعيت أن في حضنك عشبة الحياة التي جعلت من «أوتنابشتم» رجلا خالدا إلى الأبد و لكنني لم أَدَّعِ يوما أنني الطواف الذي بامكانه العبور بك إلى أرض الخلود..
كنت امرأة مهمَلَة تعد الشاي والأكل لعجوزين فرنسيين جعلا من قرية نائية ملاذا لهما بعد عشرين عاما من العمل المشط في مركز إيواء بريطاني _و لا عجب_ فصناع الحرب باليد اليمنى هم من يوفرون باليد اليسرى الأرز المطبوخ والماء والخيام لضحايا الحرب ذاتها.
أعرف أنك لم تفتحي في كل حياتك كتابا واحدا ما عدا نشرات الحظ والطقس التي كنت تتعثرين بها صدفة. كنت تقولين أن القراءة صنيع الحمقى الذين يتلذذون باجترار الوقائع والتجارب في شكل درامي مؤثر إلى حد الإعتقاد بأفضلية كاتب عن كاتب آخر. و بما أنني كبير الحمقى كنت أسمعك أشعاري و أحدثك عن رمزية المكان في نص حداثي كالدرج والحديقة ذات السياج والمنزل ذي الأبواب الكثيرة…
و لكم وقفت أمام أنوثتك العاصفة مندهشا تماما كفاصلة يشاء لها القدر أن تعقب اسمك في حوار عاطفي مطول و في المقابل كنت في نظرك عثة النحل الأسترالي الجديدة التي حيرت بظهورها العلماء
أي شاعر فاشل أنا !!
لقد أنشد « ابن النهر ميليس» أبياتا قليلة على مسمع تاجر الجلد فآواه إليه و كتبت في حبك نصف أشعاري لكنك انفرطت كحبات عباد شمس من يديَّ و لم أستطع إقناعك بأن قلبي هو مأواك الأول والأخير..
و نسيتني كما يُنسى مغني الكورس في مسرحية غنائية مملة. فردة حذاء تآكلت على سطح منزل مهجور. حجر طائش سقط في قاع بئر… أعترف الآن أمامك أنني لم أتعلم الكثير من دهاء «منتس» بحيث لم أزين لك أمصار قلبي بما يكفي لإقناعك بالرحيل إليَّ و لكن ما كان بوسع شاعر أن يقدم لامرأة لا تزال تجهر بعشقها للونه الأسمر و ملامحه العربية حتى تزوجت بأول رجل أشقر تقدم إليها
و لا أدري إن كان بوسعك الآن أن تتفهمي معنى أن يتخلى شاعر عن كبريائه كمن يتخلى عن إحدى قدميه في حرب خاضها مرغما..
أيتها السيدة التي أصبح الآن بوسعها الإبحار على متن سفينة إفتراضية. لقد شربت كأس خيانتك حتى آخر قطرة و لم أنبس بكلمة واحدة من شأنها أن تجرح غيابك فلولا حضنك المحفوف بالموت والضياع لما صار هذا الشاعر الذي يكتب الآن شاعرا عاشقا..
رجاء الشاعر الأخير من حبيبته السابقة :
إذا مت قبلك لا تعددي مزاياي كما لو كنت أمي أو صاحبي الودود و لا ترفعي على جدارك صورا كانت قد جمعتنا ذات ألفة معا..
هكذا فقط تبررين زمنا من النسيان و الخيانة…
شاعرة تونسية
منى الرزقي