رسالة هيئة علماء المسلمين المفتوحة الي المقاومة العراقية: كلام سليم تأخر بحاجة الي الترسيخ..

حجم الخط
0

علاء اللامي

واننا نعد من يُحْجِمُ عن عملية قتالية يحصد فيها عددا من المحتلين مخافة أن يصيب فيها بريئا واحدا من أبناء هذا الشعب، لمن أرباب الجهاد الميمون، الذي يعقد الله سبحانه بناصيته الخير).. من الرسالةيتميز النقد السياسي عموما وخصوصا ذاك الموجه الي المقاومة العراقية من قبل أقلام وهيئات عراقية مناهضة للاحتلال بحساسية خاصة، منع التواصل تارة وكان مادة لسوء الفهم والتأويلات وردود الأفعال الخاطئة تارات. يمكن لنا أن نتفهم هذه الحساسية الزائدة عن المألوف في ظروف وطبيعة الصراع الدموي تخوضه فصائل تلك المقاومة ضد عدو فتاك وخبيث لا يرحم، وأيضا، وبدرجة أكبر بتقاليد متوارثة لتمجيد البندقية علي طريقة (السيف أصدق أنباء من الكتب..) وشعارات عتيقة سادت وما بادت من قبيل (لا صوت يعلو فوق صوت المعركة). ومع أن تمييز الخبيث من الطيب في هذا النوع من النقد مهمة يسيرة نسبيا، اذ لا يمكن الخلط بين نقد يصدر عن قلم مناهض للاحتلال وداع للمقاومة يحاول الحيلولة دون تصنيمها وبين آخر معاد أو مريب يصدر عن مروجي مشاريع الاحتلال السامة والمثبطين الانتهازيين الداعين الي نبذ السلاح واستبداله بصفقات سرية الهدف منها دمج المقاومة أو بعضها في مشروع التصالح مع المحتل وأقطاب مشروعه السياسي الطائفي المحليين، مع ذلك فقد دفع العديد من الوطنيين المناهضين للاحتلال ثمنا باهظا نتيجة جهرهم بالنقد البناء والضروري ضد تسلكات وأفكار وشعارات وتحالفات سادت لفترة طويلة وما زالت تسود وأدت الي ما أدت اليه من تشرذم وارتداد واقتتال وتناحر داخلي، وتولي بعض الزاعمين والزاعقين بالدفاع اللفظي والشعاراتي عن المقاومة دور الجلادين الذين راحوا يهددون ويخونون وينشرون ملفات التسقيط والتشويه في مواقع أحد الأحزاب المعروفة علي الانترنت ضد كل من تجرأ ووجه انتقادا أو ناقش تصرفا يراه خاطئا ومضرا بمعسكر مناهضة الاحتلال. ضمن سياق هذا النوع من النقد الحي والمفيد يمكن ادراج العديد من الأفكار والمضامين المهمة التي وردت في الرسالة المطولة والمفتوحة التي وجهتها هيئة علماء المسلمين في العراق خلال شهر أيلول (سبتمبر) الجاري الي فصائل المقاومة العراقية.. ونحن وان كنا نسجل أن هذه المضامين النقدية الجيدة تأخر طرحها عدة سنوات وأن بعض الأطراف والشخصيات الوطنية العراقية بكرت في طرحها منذ بداية تجربة المقاومة العراقية دون أن تستدر تعليقا ايجابيا واحدا من بعض الأطراف ولكننا نعتقد بأهميتها وبفائدتها علي طريقة المثل القائل: أنْ تصل متأخرا أفضل من أن لا تصل أبدا.

معلوم أن هذه الهيئة تعتبر من الأطراف الراسخة في مناهضتها للاحتلال ومن منطلقات حرص أغلب الناطقين باسمها أن تكون وطنية عامة وليست طائفية دينية أو فئوية. ومعلوم أيضا أن الهيئة دفعت ثمن مواقفها تلك تضحيات جسيمة من أرواح عدد من قادتها ومؤسسيها الشيوخ الشهداء وجماهيرها وأصبح لها وزن واعتبار مهمان في الشارع العراقي، العربي السني، ومن قبل عدد من الفصائل الاسلامية في المقاومة العراقية الناشطة في المناطق الشمالية الغربية ومحيط العاصمة بغداد خصوصا وكافة أنحاء البلاد عموما. غير ان هذه الصورة وذاك الاعتبار لا ينفيان وجود الهنات والأخطاء التي وقعت فيها قيادة الهيئة التي اقتربت في وقتنا الحاضر من صورة الحزب السياسي صاحب المشروع المتكامل والعلاقات والأطر وابتعدت عن الصورة التي ولدت عليها في السنة الأولي من عمر الاحتلال، ولسوف نؤجل الخوض في موضوع جواز أو عدم جواز تسييس الدين في التجارب المقاومة أو في العمليات التأسيسية لاقامة نظام حكم ديموقراطي تعددي مدني.

خاطبت الهيئة فصائل المقاومة بكلام صريح وواضح فأنصفتها ولكنها لم تسكت عن الجوهري والضروري ويمكن لنا التركيز علي المحاور المهمة التالية التي وردت في الرسالة: ـ أولت الرسالة اهتماما خاصا بمخاطر انفراد أحد الفصائل أو مجموعة منها بالتحاور مع المحتل قبل انجاز مهمة توحيد فصائل المقاومة برنامجيا وعمليا واعتبرت ذلك انجرارا الي كمين يتقن المحتل نصبه.

ـ ميزت بين أنواع البرامج التي تتبناها الفصائل الاسلامية فهناك من تتبني هدف اقامة حكم الخلافة الاسلامية العظمي وأخري تريد للعراق حكما اسلاميا، وثالثة تسعي الي تأسيس دولة مؤسسات حديثة، يكون الاسلام فيها الدين الرسمي للدولة. ورغم ان الهيئة لم تصرح بتفضيلها لأحد هذه المشاريع ولكنها قالت في موضع آخر من الرسالة ما يوحي بخيارها حيث نقرأ (لا بد أن تضعوا في عين الاعتبار حال اختياركم أي مشروع سياسي خصوصيات المنطقة، والوضع الدولي القائم، وتصور ذلك علي حقيقته وواقعه، ومراعاته علي نحو لا يضر بالدين، هو ـ في تقديرنا ـ جزء من جهادكم). ـ سجلت الرسالة وجود توتر حاليا بين فصائل المقاومة وقالت ان ذلك أمر متوقع وان علي هذه الفصائل أن تسوي خلافاتها وتتصالح وتعمل (علي احتواء أي خلاف بسرعة البرق، وان اقتضي ذلك أن تتجرعوا شيئا من المرارة، لان الهزيمة أمام المحتل بعد كل هذه التضحيات، ستكون بمنزلة السم الذي سيصيب منا جميعا مقتلا واحدا). ـ سجلت الرسالة ضرورة تنمية وتطوير نشاطات المقاومة في أجزاء معينة من العراق نفترض أنها الجنوب والفرات الأوسط وقدمت صورة لا تخلو من السلبية والاعتبارات الذاتية الخاصة لجماهير تلك المناطق وتجربتها في المقاومة قافزة دون مبررات علي نماذج الكفاح البارزة التي قدمت والمتمثلة في انتفاضتي النجف بقيادة التيار الصدري والمقاومة الباسلة في اغلب محافظات الجنوب والوسط.

ـ وجهت الرسالة لطمة شديدة الي الشعار الممثل الشرعي والوحيد الذي تتبناه بعض الفصائل، وكما أسلفنا فقد تعرض هذا الشعار الضار والذي ألحق أفدح الأذي بالعمل المقاوم الي النقد من قبل عدد من الأقلام والأطراف السياسية الوطنية ومن أبكرها التيار الوطني الديمقراطي الذي تعرض ممثلوه الي أقسي التهم والبذاءات جراء ذلك النقد وما زالوا. لقد كانت هيئة علماء المسلمين صريحة جدا بهذا الخصوص فقالت تخاطب تلك الفصائل (يجب أن تدركوا حقيقة مهمة للغاية، وهي: أنكم لستم وحدكم من يمثل الشعب العراقي، وأصحاب المشروع الجهادي فيه) واعتبرت الرسالة أن (عامة الشعب بكل طوائفه وأعراقه، من الذين لم يتواطأوا مع المحتل، ولا مع عملائه، وصبروا علي الظروف الصعبة التي تمر بالبلاد). اعتبرتهم شركاء للفصائل في العمل المقاوم الجهادي. كما سجلت الرسالة أن (المقاومة وحدها لا تستطيع أن تبني دولة، وهذا لا يقدح في كفاءتها، فهي جزء من كل، والدولة انما تقوم بالكل.. وليس كل من حمل السلاح في وجه العدو قادر علي أن يتسلم شأنا من شؤون الدولة، سياسيا كان أم عسكريا أم مدنيا). ـ تفارق الهيئة والرسالة وبشكل واضح المواقع الانعزالية والتكفيرية والطائفية الممزقة لوحدة المجتمع العراقي التي يتخذها بعض الفصائل وفي مقدمتها (تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين) حيث نقرأ في الرسالة (نوصيكم خيرا بهذا الشعب من شماله الي جنوبه، وبكل أطيافه وطوائفه، وانكم أهل لذلك، فهذا الشعب اثبت انه علي رأس الشعوب المتحضرة، وأنه الأكثر وعيا، والأنضج قيما وأخلاقا، فقد تسامي علي الجراح علي نحو مثير للاعجاب، وتجاوز ـ حتي اللحظة ـ أفخاخ تمزيقه طائفيا وعرقيا) نقرأ هذا الكلام السليم والمستنير والغير طائفي بعد ثلاثة أيام علي نشر بيان تنظيم القاعدة الموجه الي أهالي سامراء يطالبهم فيه بالاستعداد لقتال (الروافض والصليبيين) أي أنه يساوي بين أغلبية العراقيين من المسلمين الشيعة والمحتلين والي ضرورة مقاطعة هؤلاء الروافض وتحريم الاختلاط والتزاوج والبيع والشراء معهم. صحيح أن رسالة هيئة علماء المسلمين لم تقل شيئاً بخصوص الكوارث التي ألحقها تنظيم القاعدة بالمقاومة العراقية، وصحيح أن أحد زعمائها رأي تنظيم القاعدة في فترة ما جزءاً من المقاومة العراقية، لكنها ـ الهيئة ـ كما يبدو اختارت أن تميز نفسها عنهم بهذه الطريقة وان كانت برأينا غير كافية، وتحتاج الي متابعة وترسيخ حتي تطبع الهيئة وكل من ينتمي اليها بروحها.

كما أن رسالة الهيئة هذه سيكون لها تأثير ايجابي سيحد بكل تأكيد من التأثيرات الضارة للتصريحات غير الموفقة التي يطلقها بعض قياديي الهيئة لشديد الأسف كتصريحات الشيخ بشار الفيضي الذي طالب المحتل قبل بضعة أيام بالغاء وحل الأجهزة الأمنية التي شكلها ضمن حكومة المحاصصة الطائفية.. وليت الشيخ الفيضي اكتفي بذلك بل زاد عليه أنه يطالب أيضا باستعادة الأجهزة الأمنية الممقوتة جماهيريا في النظام الشمولي السابق وذوي الكفاءات فيها.. 8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية