‘آلاف زهور الإنتظار تتفتّت عبر هذه الساعة الخالدة من اللّيل.. لقد أصدر- إتحاد المخابرات- حكم الإعدام بأبطال العراق.. لذا سيجتمع الشعب هذه اللّيلة.. هنالك قرار..'(مظفر النواب- بتصرف طفيف). لا تخف – سيدي- من حبال مشانقهم ولا من عتمات زنازينهم، فالرجال الأنقياء يولدون مصادفة في الزمن الخطأ، ويرحلون كومضة في الفجر، كنقطة دم، ثم يومضون في الليل كشهاب على عتبات البحر.. الشرفاء- أمثالك- وحدهم يستطيعون أن يتحدّثوا عن أمل ممكن ينبجس من دفقات الدّم ووضوح الموت.المقاومة عندهم تعني الفعل الذي لا يقف عند حدود الكلام والنوايا، وإنّما هي فعل وجود يصرخ أمام كل العالم بأنّ الإستعمار غير مقبول وبأنّ الحرية والسيادة مبدآن لا يمكن التخلي عنهما مهما كانت سطوة – اليانكي، وخيانة- المجوس- وعماء الدول الكبرى التي كانت- بالأمس القريب- تتفرّج على قوّات المارينز وهي تستعرض عضلاتها على ضفاف دجلة والفرات. لا شيء في بغداد – اليوم- يستحق كل هذا البكاء: إستنكارات تذروها الرّياح زبدا وطواحين ريح..دبابات وقتلة مأجورون..عساكر.. جنائز تسير خببا بإتجاه المدافن.. بيوت عراقية يجتاحها النّوح..قلوب يداهمها الوجع كاسرا.ثكل ودمع ولا عزاء.. وغيوم رمادية في سماء بغداد.. هو ذا القتل- أيّها السجين العليل- على مرأى من الدنيا والعرب.بغداد لم تصب بقشعريرة ولا بإندهاش. إنّها’تأكل’بنيها. ماذا تعني كلمات أو مفردات: منكوب أو مفجوع أو مدمّى أو منكسر؟ لا شيء.. سوى الفراغ الذي كان رفاقك ممن سبقوك إلى منصة الإستشهاد يملؤونه فيما مضى.يتسع بك ويضاء بالبهاء الإنساني والغنى الروحي الحزين جراء فساد العالم وخرابه. منذ رحيل رفاقك الأفذاذ- يا أيّها الأسير الشامخ- وأنا أحاول مجاهدا تطويع اللغة، ووضعها في سياقها الموازي للصدمة.. للحدث الجلل.. إننّي مواجه بهذا الإستعصاء، بهذا الشلل الداخلي لقول الكلمات الموازية، أو المقاربة لرحيل القمر والدخول في المحاق..ولكن الدّمع ينهمر نزيفا كلّما هبّت نسمة من الفرات. من يستحق هذا- الحكم الجائر- ليس أنت- يا طارق العزيز- وإنّما الذين حوّلوا العراق إلى مدافن ومداخن.. نهبوا الأرض وهتكوا العَرض.. وقطفوا رؤوس أبطال عتاة ما هادنوا الدّهر يوما.. الآن بعد أن نالت منك المواجع حد النخاع، أعيد النظر في مفاهيم كثيرة، ربما كانت بالأمس قناعات راسخة، الآن يبدو المشهد العراقي كأنّه مهزلة وجودية مفرغة من أي معنى سوى الدّم والدموع. هي ذي بغداد إذن. هي ذي عاصمة الرشيد وقد حاصرها الليل. عاصمة غدر بها الزمان. وللعراقي أن يدفع الثمن دما ودموعا. ولنا نحن- الواقفون على شفا الهاوية- أن نسمّي ذلك- بطولة- ! كي ندرأ الوجع ونتخفّف من تأنيب الضمير.. بل علينا أن ‘نبتهج’بالنظام العالمي الجديد صانع المعجزات. وكافر كلّ من يردّد قول المسيح ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان. الزّمان الغض، المضاء بشموس النصر والتحدي. الزمان المفعم بإشراقات الآتي الجليل، ما قبل إدراك الخديعة، بغتة الصدمة وضربة الجلاّد.. هذا الزمن الجميل. الزمن المرتجى. لم يحن بعد.. قليلا من الصّبر يا شرفاء العراق.. أيّها السائر على درب الإستشهاد: الكون الحزين يرثي رفاق دربك من أبطال العراق. يرثي صدام حسين.. وطه ياسين رمضان.. وبرزان التكريتي.. وكل الذين سلكوا درب الشهادة بشموخ وعانقوا حبل المشنقة دون وجل ولا إرتجاف.. وها أنّي أراهم جميعا وهم في رحاب الله بمنأى عن عالم الغبار والقتلة. والسؤال الذي يحزّ شغاف القلب: هل ما زال الحمام العراقي يعبّر بهديله عن رغبته في اختطافك إلى الفضاءات النقية لتكون واحدا من – قبيلته- ، بعيدا عن الأرض الموبوءة بالإنسان الذي تحوّل إلى وحش ينتشي بنهش الجثث، قاتل للحمام والبشر، معيدا سيرة أجداده القدامى منذ قابيل وهابيل حتى الآن؟! ها أنّي أراك ترنو ببصرك من خلف القضبان إلى بغداد الصابرة..بغداد التي عجزت سنابك خيل الغزاة عن تدنيس ترابها.. بغداد التي لا زالت تفتح أحضانها لكل شرفاء التاريخ ومناصري القضايا العادلة وتختزل- بصبرها الجميل- هموم الدنيا لتصير كل القضايا.. ما تناقضت وكل الأوطان، تلوّح، لا لتكون أميرة أو رمزا، بل ضجيجا يزعج الضمائر.. يربك القلوب الباردة.. شرارة خاطفة عسى العميان يبصرون، وقصيدة لا يقوى على فك رموزها شعراء الحداثة. يا سجين الحرية: الحرية شجرة لا تتغذّى بغير الدّماء..إمرأة ميثولوجية تسكن الرّيح، وتعوي مع ذئاب الفيافي.. قمر في بلاد ليس فيها ليال مقمرة ولا أصدقاء..أحلام ثوار سقطت أوهامهم في خريف العمر..- بيوت عراقية- تنوح في السر ليلا على أمجاد من سكنوها! رجف يستبدّ بالأرض قبيل إنبلاج الصباح.. ولكن..الحرية أمنية مشتهاة..هكذا قيل، ولكنّها أيضا مكلفة، هكذا أردت- يا طارق- أن تقول، لكن يقال أنّ هناك من لمسها بيده في لحظة إشراق. محمد المحسن- (عضو بإتحاد الكتاب التونسيين) Email: [email protected]