فاروق يوسف
باعتباري (ناقد فنيا) وهي صفة مشكوك بأصالتها، فإنني أقف دائما في انتظار شيء ما. شيء يهب وظيفتي قيمة معنوية على الأقل. ذلك التوجس، مبعثه الشعور بان القيم الفنية لا تتبدل وفق السرعة التي نرغب فيها. هناك بطء تقليدي يخذل حواسنا المباشرة. في هذه الحالة فإن حدسنا لا يقول سوى ما يشعرنا بالخذلان. لذلك ربما أشعر أن ما يفعله الرسامون العرب لا يرتقي إلى مستوى الشعور بالمسؤولية. عاجلا أم آجلا سنكون في مواجهة السؤال الذي يقول:’بالتأكيد يرغب الكثيرون في ان يكونوا رسامين، لكن بأي معنى؟’ذلك المعنى هو الأهم. ولأن التعرف على ذلك المعنى ليس بالأمر الهين، فإننا غالبا ما ما نقع في سوء فهم عظيم لما نفعل، رسامين كنا أم نقادا. فبقدر ما تهيمن علينا فكرة تحرير النوع الفني من قيوده بعد اجادته المدرسية، بقدر ما ننخرط في فعل تدميري يُراد من خلاله التأسيس لطريقة جديدة في النظر إلى العالم. هناك من يقع ضحية الفصل بين طرفي تلك المعادلة. يكتفي بالفن، كونه دائرة مغلقة ويظل يدور بين دروب المتاهة، وهناك في الجانب الآخر من يغادر تلك الدائرة ليغلق عليه دائرة الحياة، منتشيا بتجليات فتنتها وجمالها. الرسم أشبه بالمكيدة، يهبك بالقدر الذي يكفي لغوايتك. هناك دائما متعة واقعية لا تمت إلى الحقيقة بصلة.
غالبا ما يسقط الرسامون ضحايا تلك المتعة.
خطأ نذهب فيه إلى الأقاصي. نبذل حياة كاملة ونحن لا ندري أن هناك شيئا جوهريا ينقصنا. أليس في ذلك تفسير لوجود الكثير من الهامشيين في الفن؟ يقضي الواحد منهم حياته كلها، مهموما بالفن، من صياح الديك إلى الكأس الأخيرة وهو يتموج على ساحل حديث لا ينقطع عن الفن. لا بأس بالكثير من الجمل الجاهزة. النظريات قليلة والفن كثير. هناك من يشعر العكس. الفن قليل والنظريات كثيرة. لا حيرة في الاختلاف بين الفئتين. ومع ذلك فانه سيكون صعبا علينا التمييز بين الرسام واللارسام في حالة من هذا النوع. هواية الرسم تتحول إلى غواية.
لن يكون الفرق واضحا في الوطن العربي بين الهواة وبين الغواة (الغاوين). سنقف دائما عند حدود الصنعة. ولأنني منحاز دائما إلى التحول فقد كنت أرى دائما أن الرسم في الوطن العربي قد سقط في غواية التقليد أكثر من انجراره وراء هواية التجديد. مَن يهوى الرسم يجدده. بعكس مَن يعتبره وسيلة لإغواء الآخرين، فانه يضعه على كرسي بعجلات ويمشي به في الأسواق. الرسامون العرب (باستثناء القليل منهم) يخافون على الرسم من الضلالة.’هل رأيت أحدا يرسم بالطريقة التي أرسم بها؟’يسألني أحدهم ولا يفكر بالرسامين الذين يرسمون بطريقة تختلف عن طريقته. يفكر بشبيهه المتوقع. ذلك المجهول الذي سيأتي على ذكره أحد من النقاد يوما ما على هيأة فضيحة. هناك ميل أصولي بين الرسامين إلى أن يكونوا واحديين، ولا مانع بالنسبة لهم في أن تكون تلك الواحدية نوعا من التحجر. ‘أنا متمكن’ يقول لك أحدهم، ولا يكمل جملته. إنه يقصد متمكن من الصنعة، التي هي بالنسبة له الرسم كله.
العراقي شاكر حسين آل سعيد، وهو رسام خالد لم يقل جملة من هذا النوع. بل أنني وقد كنت صديقه أتوقع منه جملة من النوع الذي يؤكد عدم تمكنه. بالفعل كان آل سعيد رساما غير متمكن. كانت خطوطه القلقة، المذعورة، والمتآكلة لا تشي بأي نوع من التكمن الواثق من نفسه. كان الرسم بالنسبة له فنا أكبر من أن نتمكن منه.
كما لو أنك تلتقي شخصا يقول لك: ‘لقد تمكنت من الحياة’لن يعد أحد احدا بالفشل مثلما تفعل تلك الجملة. غير أن العرب وقد تمكنت منهم الخرافة صاروا يعدون أنفسهم بأدوار متخيلة. ما لم تفهمه الكثرة من الرسامين العرب من سيرة الرسامين الكبار، عربا وغير عرب، أن الرسم كالعلم، كلما أبحرت فيه أكثر كلما ابتعدت عنك الشواطىء. لن تصل في وقت قريب، بل أبدا لن تصل. ذلك ما يجعلك تغذ الخطى بحثا عن الطريقة المناسبة للوصول. عليك وأنت في خضم المعاناة أن تتغير. كل موجة تحمل معها درسا هو عنوان لتغيير جوهري. ولكن متعة الرسم مشكلة حقيقية.
يرى الرسام ما يرسمه بعينيه لا بعيون الآخرين.
ستكون التجريدية مجالا رحبا لحيلة من هذا النوع. حيلة لا تعكر صفو الواقع. متعة الرسم تفارق الشبه الواقعي لتذهب بالحواس إلى اماكن اختبار جديدة. لن يعترف الرسام بأن هذا ما يعرفه، بل سيخبرنا بأن هذا هو كل ما يمكن أن نراه. يضع ايدينا على الحقيقة النهائية. كذبة يظن بسبب متعته الحقيقة انها ستلهمنا نسيان كل ما رأيناه سابقا.
وبحكم خبرتي فان كل التجريديين الذين يدعون الحقيقة المطلقة هم كاذبون. وإذا أردنا الحق فإن تورنر كان تجريديا قبلهم.
كان مونيه هو الآخر تجريديا.
ولكن الأمر لا يتعلق بالتجريدية باعتبارها صنعة.
بالنسبة للكثيرين من مدعي التجريدية فإن العالم ليس سوى أشكال تتداعى، يبرر بعضها وجود البعض الآخر. وهو كما أرى سلوك يعبر عن النفاق الاجتماعي والثقافي. فيما التجريدية في معناها الحقيقي أن ننزلق إلى عالم لامرئي. حقائقه تكمن في ما ينطوي عليه من جمال لا يزال قيد التشكل. شيء من الروح يظل محلقا في فضاء غامض مع كل ضربة فرشاة. بدءا من وليام دي كوننغ وانتهاء بـ(هارتونغ) مرورا بـ (سولاج) وسواه من عمالقة التجريد فإن هناك دفقا روحيا يمتحن صلتنا بالحياة، بصيغها المختلفة. يقول الرسام: ‘ستكون هناك أو لن تكون. هي حياة محتملة. حياة لك أو للآخرين. لست هناك في مجال الاختيار بين انفعالك وانفعال الآخرين. ستقف وحيدا دائما لتؤكد لغتك الشخصية. الرسم كالموسيقى لغة غامضة’ولكن الرسامين العرب اليوم لا يعدوننا بالغموض. التجريديون منهم واضحون أكثر من الواقعيين. هناك ملل استثنائي يحيط بفعل الرسم. ما لم يفهمه الكثيرون أن التجريد ليس الحداثة كلها. هو بعضها القليل. مظهر منها. شيء من كفاءتها الاستثنائية. في هذا الفخ العشوائي وقع رسامون صاروا يتصيدون الأشكال باعتبارها دلالات. وكان من الواجب عليهم أن يتصيدوا الألم، باعتباره محيطا إنسانيا. كان عليهم أن يروا ما لم نره في اللوحات من قبل. هل تتذكرون الاسباني غويا؟ لقد نسي لوحاته المتخمة بالترف كلها حين فر بالشقاء الإنساني بعيدا عن الابهة.
هنا بالضبط يكمن معنى الرسم. معنى أن يكون المرء رساما.
لا بأس أن نكون خرافيين. ولكن علينا كما أفهم أن نتأكد من موقع خطواتنا. وكما أرى فان الكثير من الرسم في الوطن العربي اليوم انما يقيم خارج منطقة الرسم، كما هو، وكما تحتاجه البشرية. لا أبالغ إذا ما قلت أن تسعين بالمئة من الرسم في الوطن العربي يمكن اعتباره فائضا. جزءا من المواد التالفة التي تنتجها البشرية لتتخلص منها سريعا. لن أكون سعيدا بهذه النتيجة. ولن يكون الرسامون سعداء بها. ولكننا معا نمضي ذاهلين إلى النهاية. يوما ما سنسأل أنفسنا: ‘هل حقا عشنا من أجل الرسم؟’ سؤال من هذا النوع سيعيدنا إلى البداية. يرغب الكثيرون في أن يكونوا رسامين، لكن بأي معنى؟