في السوق هناك خديعة دائمافاروق يوسفقرأت (الحصن الرقمي) لدان براون رغبة مني في التعرف على أسرار النوع الرائج من الكتب. تُرجمت الرواية الأخيرة لصاحب ‘شيفرة دافنشي’ إلى عشرات اللغات حال صدورها بالانكليزية. بل ان بعض الترجمات صدر متزامنا مع صدور الرواية بلغتها الأم وصارت تباع في أسواق المواد الغذائية والمنزلية. ولأن براون لا يملك حذلقات كويهلو يمكن الحكم بيسر على روايته ومنذ الصفحات الأولى باعتبارها عملا غير أدبي، حتى ولو بشكل سطحي. وهذا الحكم لا يتناقض مع سر الرواج في سوق الكتب الأكثر مبيعا بل يؤكده. فبراون ليس أديبا غير أنه استطاع أن يكتب رواية محكمة. فيها من أسباب التشويق الموجه إلى القراء الراغبين بقضاء الوقت من غير تفكير شاق ما يجعلهم يحبسون أنفاسهم في انتظار ما يجري. تشويق يهب فعل القراءة معنى مؤقتا، يزول ما أن يغلق القارئ الكتاب. غير أن تلك الرواية كانت بالنسبة لي نصا مملا شعرت برغبة التخلص منه مرات عديدة قبل أن أكمل قراءته. ولست هنا في مجال تقييم ذكاء الكاتب، خاصة وأن الذكاء غالبا ما يتخذ طابع الاحتيال وهو ما كان عليه حال براون. غير أن المهم لدي أني أدركت من خلال قراءة ذلك الكتاب أن تعلم صنعة الكتابة لا يمكنه أن ينتج كاتبا مبدعا، بالمعنى الذي يفترضه خيال الأدب ويقيم له وزنا. وكما اتوقع فان براون كان قد تدرب في مرحلة مبكرة من حياته على الكتابة في احدى دورات الكتابة المنتشرة في الغرب لهذا الغرض. دربته تلك أهلته للقبض على عدد من الوصفات الجاهزة. (كيف تكتب رواية؟) سؤال يشبه كثيرا الاسئلة المطبخية. حضر براون مواده وعالجها ومن ثم خلطها. المشاعر والاحاسيس كانت بالنسبة له أشبه بالملح والتوابل في الطعام. ما كان يهمه فعلا أن يكون وفيا للمقادير الثابتة: كمية الجنس والقتل والمؤامرة والمفاجآت والمطاردة والعنف والوشاية وحتى الخيانة من غير أي خطأ. مزيج يلتزم حرفيا بما هو مقرر سلفا لانتاج رواية تكون محط اهتمام العامة ممن لا يهتمون كثيرا بالأدب باعتباره نوعا رفيعا من التعبير بقدر اهتمامهم بان يكون الكتاب الذي بين أيديهم مشوقا كما هو حال الروايات البوليسية.2قادتني تجربة قراءة دان براون مباشرة إلى التفكير في حال الرسم في الوطن العربي. ولست مبالغا إذا ما قلت ان الكثير مما يُعرض باعتباره رسما حديثا هو نوع من الممارسة (الذكية) التي تقدم الصنعة على فعل الخلق وتستجيب لمقادير الوصفة الجاهزة التي تبدو أحيانا مرتجلة، غير أن قليلا من تأملها يجعلنا ندرك ما فيها من تكرار مضجر لسذاجته. (كيف تصنع لوحة؟) أتذكر أن أحد الرسامين العراقيين (هو ميت الآن) كان قد تجرأ قبل سنوات على أن يقيم دورات في أحدى قاعات البحرين للإجابة على ذلك السؤال. بالنسبة لمن يعرف الرسم جيدا فقد كان ذلك السؤال غامضا ومربكا بل ومهينا لمفهوم الرسم فعلا تخيليا سابقا لما يمكن أن تنتجه اليد. غير أنه بالنسبة لصاحبنا لم يكن إلا مناسبة للكشف عن خلطاته السحرية العجيبة الجاهزة التي تتماهى مع براعة اليد الصانعة. ربما لم يكن ذلك الرسام ذكيا بما يكفي. ذلك لانه جعل الكثيرين يطلعون على وصفاته الجاهزة. ولكن ذلك (الرسام) كان يعرف أن وصفاته لم تكن إلا نوعا من الطعام الفاسد لذلك قرر أن يبيع بضاعة فاسدة لمن هم على استعداد لشرائها. وفق واحدة من تلك الوصفات يقوم الفنان بصناعة سطح خشن تدخل في تأليفه مواد طبيعية عديدة (الرمل مثلا) تلصق بالصمغ على قماش اللوحة ومن ثم يقوم الفنان بتلوينها بالصبغة التي تذكر بالصحراء (هناك خيال لوني لا حصر له مشتق من البني) بعد ذلك يتم القاء بعض الوحدات التشكيلية المستلهمة من الحياة اليومية أو من التاريخ البعيد. وحدات مستلة من معانيها لتكون واجهات للإغراء من جهة ومن جهة أخرى لتلفيق هوية كاذبة. وصفة أخرى تبدأ بتقسيم سطح اللوحة إلى مربعات صغيرة ثم يبدأ الرسام بملء تلك المربعات بما يخطر على باله: وجوها وعلامات واشارات ورموزا. رسامو الوصفات الجاهزة لا يكفون عن الحديث المنمق عن الفن العربي والهوية العربية في الفن والخصوصية المحلية والتراث. وهي شعارات يُراد من خلالها التغطية على ممارسة تجارية اتخذت من الفن وسيلة لها. ربما سقط عدد من الفنانين الشباب الصادقين في فخ تلك الشعارات وصاروا يعتقدون أنهم يسدون خدمة جليلة لروح الشعب. غير أنني على يقين من أن مَن يمتلك خيالا مبدعا وحسا فنيا صادقا لا بد أن يهتدي بيسر إلى المسافة التي تفصل بين روح الفن الحقيقي وبين تلك التمارين البدائية المنافقة.3ولكن ألا نحلم في أن يكون الأدب والفن رائجين بين الناس؟ ألا ينجز دان براون وسواه من مؤلفي الكتب الأكثر مبيعا حلما قديما في أن تباع الكتب في أسواق الخضروات والفواكه؟ ألم يزج صاحبنا الرسام الذي أقام دورات لتعليم الرسم للناس العاديين في مشكلات صناعة الجمال؟ سيكون علينا ونحن نحاول الاجابة على اسئلة من هذا النوع أن نفكر بالخسائر الحقيقية مقابل الارباح الوهمية. فما نخسره من فرص في تنوير البشر والارتفاع بمستوى وعيهم وصقل حساسيتهم وتنظيف ذائقتهم الجمالية لا يعوضه ازدياد مبيعات كتب لا تعنى إلا بعصب عيون قرائها عن مشكلاتهم الحقيقية وأفكار وجودهم. ما يربحه كاتب من نوع براون أو رسام شعبي امتطى صهوة المحلية يخسره الادب والفن الحقيقيان. هناك نوع بذيء من الاستغلال يتخفى بين ثنايا محاولة تسعى الى تسويق بضاعتها تجاريا متخفية بمظاهر الأدب والفن. هناك تشويه متعمد وصارخ لفكرة العلاقة بالعمل الأدبي والفني، حين يحل مبدأ التسويق السريع محل المساءلة النقدية. فالمرء يخرج من رواية براون كما لو أنه انتهى من مشاهدة فيلم مركب من لقطات مقتطعة من افلام قديمة تغلب عليها الحركة ولا تهدف إلا إلى شد الانتباه وما من شيء آخر جديد. ما من اضافة للوعي وما من استفهام يرقى بالتفكير إلى مستوى العيش المباشر على الأقل. كذلك اللوحات التي توصف بالتراثية، فانها لا تترك أثرا في نفس من يراها ما أن يفارقها وهي لا تعده بما يمكن أن يكون عليه بعد أن يغادرها. أعمال فارغة من أي معنى يمكن أن يذكر بها. وهي أشبه بالوجبات الغذائية الجاهزة من جهة حياديتها في الطعم والنكهة. وكما أرى فإن جزءا عظيما من مشكلة الرسم في العالم العربي انما يصدر عن تلك الوصفات المسمومة التي باتت تمثل قاسما مشتركا بين عدد كبير من الرسامين وعدد كبير هو الآخر من اصحاب القاعات الفنية.’ شاعر وناقد من العراق يقيم في السويد