أدري يا أخي ان كلمة ‘الصغير’ تضايقك ولك الحق كله في أن يضايقك مفهومها المحدود، كيف لا وأنت تكبرني باعوام باخلاقك وشمائلك الحميدة وسعة صدرك. فأنا يا أخي انما سمحت لنفسي باستعمال تلك الكلمة تحببا وتوددا واستشعارا مني بأنك وان اشتد ساعداك وقوي عودك فستبقى بالنسبة لي ذلك الطفل المدلل الذي أشعر بالمسؤولية تجاهه ويسعدني ان أكون دوما حاضرة عندما تضيق بك هذه الدنيا ولا تجد مكانا أدفأ من قلبي ليحمل همومك، فانني أعلم ان كاهلك قد انقضته مشاكل الحياة واشابت شعرك قسوة الايام قبل المشيب، ولكن يا اخي لا أريد لليأس أن يتسرب الى نفسك ولا أن تنظر الى السعادة من منظورها الضيق، فالسعادة ليست هي السلسلة المتصلة من المتع التي تنالها بأقل جهد، وانما هي أن تعرف كيف تنتصر على الصعاب وعندها ستشعر بلذة لا تساويها لذة، فالسعداء ذاقو طعم الفشل في حياتهم ولكنهم اتخذوا من فشلهم دافعا للنجاح. يا أخي ان الحياة كتاب مفتوح نتدارسه منا من يسقط في غيابتها ولكن الخطيئة ترفعه، ومنا من يسعى الى الكمال ولكن الفضيلة تسقطه، ذلك ان صاحب الخطيئة يعظم ذنبه في عينه ويتوب توبة هي عند الله أفضل من عبادة ناسك متهجد، ولكن صاحب الفضيلة ربما عظمت نفسه في عينه مرة فتسرب الكبر الى نفسه فيسقطها عندما أراد هو أن يرفعها مكانة عليا، وعندها تكون نفسه كقمة الجبل ترى الناس صغارا ويراها الناس صغيرة. وللحياة نواقيس تدق لتسمعنا أخبارا وحكايات، ولكن اعلم يا أخي أنك وان حان وقت كلامك فاحذر ان تجادل بليغا فيغلبك أو ان تجادل سفيها فيؤذيك، ولكن حذار أن تكون انت ذلك السفيه الذي سيتجنب قليلو الحيلة والضعفاء خصوصا أن يجادلوه حتى لا يؤذيهم، وان كنت انت البليغ فلا تجرمنك بلاغتك على الكلام عن شيء انما تتبع في الحديث عنه ظنك فان بعض الظن اثم. وللمنفلوطي حكمة جليلة حين قال:’اول العلم الصمت والثاني حسن الاستماع والثالث حفظه والرابع العمل به والخامس نشره’، وليست الشجاعة أن تتقبل الرأي الذي يعجبك ولكن الشجاعة أن تتقبل الرأي الآخر. يا أخي ابدأ بنفسك هذبها فالكل يفكر في تغيير هذا العالم، ولكن لا أحد يفكر في تغيير نفسه تعلم كيف تحبها فان أحببتها تعلم كيف تحب الناس ولا تضيع وقتك في تقييمهم، حيث أنك حين تبدأ بتقييم الناس لن تجد وقتا لتحبهم ولا تفرط في الحب والكره فقد ينقلب الصديق عدوا والعدو صديقا، ومن سوء حظك أن لا تستطيع ان تكسب صديقا، والأسوأ ان تفقده بعدما وجدته، وجميل جدا ان تجعل من عدوك صديقا عندما لا يتسع قلبك للعداوة فتجبره انت على الصداقة، وابتسامتك هي طريقك الاسرع الى قلوب الآخرين وليكن وجهك باسما وكلامك لينا تكن عند الناس أحب ممن يعطيهم الذهب، وليكن العفو عن الاساءة طريقك لتسمو بنفسك، وان في سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم تجسيدا للتسامح حين عاد لفتح مكة ورغم كل ما لقيه من المشركين من أذى وكان المسلمون حينها هم الأقدر على الانتقام الا أنه قال لهم ‘اذهبوا فانتم الطلقاء’.أخي الصغير في لحظة ما ستشعر انك وحيد في هذا العالم ولكن عليك ان تكون على يقين بأن أحدهم يشعر بانك العالم بأسره، وان أعاقتك الحجارة المتناثرة هنا وهناك خلال سيرك فاجمــعها علك تصنع منها سلما تصعد من خلاله الى ما تريد، وانظر الى حقيقة العالم من منظورك انت لا كما يخبرك الآخرون. واسلم لاختكلانا السفاريني