رسـالة مفتوحة إلى قاضي روجيه غارودي

حجم الخط
0

سيّدي القاضي:

إنّ اختيارك كقاضٍ في مسألة غارودي (غارودي الذي توفي منذُ أيام) يُعطي الإنطباع وكأَنّهم قد قدَّموا إليك قالباً من الغاتو المحشُوِّ بالأفاعي النشّابة النائمة.

قد يكونُ صيتُك اللامع هو المسؤول عن اختيارك في هذه المهمّة الشائكة. وإنّي لأتساءلُ بكلّ براءة: كيف ستستطيعُ النَّفاذ من هذه القضيّة ناصعاً في نزاهتِكَ ومنيعاً في استقامتك؟!

أعترف إليك بمنتهى الصراحة بأنّها المرّة الأولى في حياتي التي أشهد فيها مُحاكمةً دفعتني إليها شهرة غارودي المُتَّهم التي تستوجبُ قاضياً ليس كمعظم القضاة، قاضياً متَّقد الذهن واسع الثقافة والدّراية بروحيّة القوانين ووجدانيّة الإنسان. هذا النوع القليل المتميّز من القضاة لم يقعوا منه إلاّ عليك أنتَ بالذّات.

إنّ الذي كان يُثنيني عن حضور المحاكمات هو إيماني بأنّ العدالة لم يعرفها الإنسان على سطح كوكبه الأرضيّ إلاّ ما ندر.

إن العدالة كانت رَهْنَ من هم الأقوى بين أقوياء هذا العالم. إنّني لا أخاطبك دفاعاً عن غارودي، لأنّه – بكلّ تأكيد – أجدر منّي بكثير في هذا الميدان.

إنّه – كما تعلم – واحدٌ من الكبار الذين عرفوا كيف يقفون على المسرح السياسي الفكري العالمي دون توقّف طيلة هذا القرن.

سيّدي القاضي: إنّ المسألة – بكلّ بساطة – هي أن نعرف إذا كانت حرّية التعبير في فرنسا تُعتبرُ حقّاً مُكتسباً بشكل نهائيّ أو حقّاً يستدعي اكتسابُهُ النّضالَ باستمرار وبدون أيّ انقطاع؟

لقد عوَّدَتْنَا فرنسا النّظر إليها كصوتٍ للفكر الحرّ.. فهي والفكر وحدةٌ واحدةٌ لا تقبلُ الإنفصال كالعبير للزّهرة، وكالنّور للشّمس.. فكيف ينمو الفكر ويتفتّح إذا ما وضعناه في قوالب حديديّة كما كان يفعل الصينيّون القدامى بأقدام بناتهنّ؟!

لقد أقرّت فرنسا ديكارت ومونتسيكو الفصل بين الكنيسة والدولة لكي تكون هناك جماعة واحدة لا جماعات عدّة من المواطنين.

إذا أَمَرْنَا عدم المسِّ بكلّ ما دُوّن عن الأحداث كما لو أنّها كانات علوماً محكمة – علماً بأنّ العلوم ليستْ محكمة مائة بالمائة وليست أبديّة – فإنّنا سنسقط – لا محالة – في منطق الحكم الفرديّ الكيفيّ.

كيف تستطيعُ التعدّدية – في مجتمع متعدّد – أنْ تُواصل الحياة دون أنْ تهوي – في النهاية – في قبضة الحكم الكلاّنيّ الشموليّ؟

إنّنا نستطيع – كمتصوّفين عاملين ملتزمين بالحقّ – النّقاش والتحرّي بصدد أيّ موضوع حتّى ولو كان بخصوص عدد الأموات أو وجود غرف الغاز أو صحّة قرارات نورمبرغ المختومة بالشمع الأحمر والتي يجهل مضمونَهَا العالم بكامله تقريباً.. نستطيعُ أن نفعل ذلك دون أن نقصد الإساءة إلى أيٍّ كان، أو النفي للحقائق التي تثبت صحّتها، ودون أن يدفعنا ذلك إلى أن نكون خارج التاريخ، او نزعم بأنّنا أصدرنا الأحكام النهائيّة في التاريخ.

إنّ الشكّ هو دَيْدَنُ البحث وأنّ البحث هو عتبة اليقين وأنّ التاريخ بوابة مشرعة دائماً لا تعرف الانغلاق. إن التاريخ سيّدي القاضي – لا يمكن أن يوضع في زجاجة إنّه كالشمس التي يستحيل تحنيطها داخل علبةٍ من الحديد. إنّ قتل نفس بلا نفسٍ ومن غير حقّ كقتل الخليقة بكاملها فكيف إذا كان القتلى بالآلاف ومئات الآلاف والملايين؟ إنّ النفس المقتولة قتْلاً عمديّاً إجراميّاً هي ذاتها من أيّ لونٍ كانت، وفي أيّ بلدٍ كانت.

إنّ الحقيقة التاريخية هي أبعد مِنْ أنْ تكون منحصرةً باليمين واليسار والتقدّميّة أو الرجعيّة. فالمؤرخ الحقيقيّ هو نبيّ، نبوءتُهُ علمه، وبيانُهُ ينبعُ من الأحداث والأحداث وحدها من الوثائق والشهود والبراهين التي تُمَكّنُ الإنسان من الإقتراب إليها وإدراكها.

إنّ الحقيقة لا يمكن أنْ تكون واحدة ومتعدّدة في الوقت ذاته، كأن تكون رماديّة في باريس، وحمراء في موسكو أو سوداء في نيويورك. إنّ لون الحقيقة الوحيد هو كلّ ما هو مرئيّ وما هو قابل للتأكّد والتحقّق لا أكثر ولا أقلّ.

سيّدي القاضي: إنّي أتوجّه إليك كممثّل للعدالة، ممثّل مدعُوٍّ إلى بَرْأ حروقات التاريخ وجروحه مرّة أخرى من جديدٍ في الوقت الذي يضيّقون فيه على الفكر لخنقه بأبسط إجراء تنفيذيّ لقانونٍ واقفٍ له بالمرصاد.

سيّدي القاضي: إنّ الإيمان والتعبير عنه – رغم العوائق – هما جوهر الإنسان الحرّ. فالقوانين تتغيّر بتغيّر الرّجال، أمّا الذي يدوم فهو روح القوانين. إنّ القرارات الصّائبة وحدها تتعدّى الرّجال العابرين، لتقتدي بها الأجيالُ القادمة.

أنْ تُدين غارودي فهذا طبعاً سيفرح كثيراً أصحاب الإدّعاء الكُثُر.. إنَّ هذا في رأيي لنْ يُغْضب بالضرورة غارودي بالذّات، فكُلّما خسر غارودي كلّما ازداد رصيده، وهذا ما لا تراه عيون الذين لا يرون النتائج إلاّ عَبْرَ لغة الأرقام والأصفار اليمنويّة.

ولكن في حالة إدانة غارودي سينتصبُ السؤال كبُرج إيفل: هل ستخرج العدالة الفرنسيّة أسمى وأمْنَعَ وأقْوى بعد تطبيق قانون فابيس – غيسّو الشّهير؟!

لقد سأل أحد المقرّبين صديقه غارودي قائلاً: هل تعتقد انّ القاضي سيدينك؟

أجابه غارودي: إذا أدانني القاضي فإنّه سيخسر شهرته، أمّا إذا لمْ يُدِنّي فإنّه سيخسر وظيفته.

سيّدي القاضي: هل القاضي الذي غدا يُعرفُ بقاضي غارودي سيكون بإمكانه أن يدين غارودي أو لا يدينه دون ان يدين القاضي نفسه بدوره؟ ودون أنْ يلحقه شيء من قضيّة غارودي؟ تلك هي المسألة.. التي ليس مفتاح جوابها إلاّ بين عينيك ويديك.

سيّدي القاضي: تقبّلْ أخيراً جزيل احترامي وتقديري.

احمد منصور – لبنان

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية