رسومات جورج داوود قرم تمثل جيلا لبنانيا لم يبق منه سوى لوحات

حجم الخط
0

بيروت/الأناضول /آية الزعيم: قد تكون لوحات الفنان اللبناني الراحل جورج داوود قرم التي خلّدت لبنان القديم وعكست خوفه على مستقبل هذا البلد، آخر ما تبقى من جيل لبناني عاصر القرن الماضي، بعدما نجح نجله وزير المال السابق جورج قرم بالمحافظة على ارثه الفني الذي تنقل فيه خلال سنوات الحرب الأهلية بين فرنسا ولبنان، فرفض المغريات المادية الكثيرة لبيعه وناضل لعرضه بغياب المتاحف الوطنية التي تحافظ على الارث الثقافي المحلي.
حلم جورج داوود قرم، المدافع الأول عن الفن التقليدي، الذي توفي عام 1971 عن 75 عاما، بانشاء معهد للفن الجميل والموسيقى، لم يتحقق خلال حياته، الا أن لوحاته وجدت طريقها الى الجمهور من خلال سلسلة معارض أقامها نجله بين باريس وبيروت في السنوات الماضية، وحط مؤخرا عدد منها، تعكس رؤياه الجمالية للمرأة والطبيعة في الجامعة الاميركية في بيروت التي تجهد في إبراز الفن اللبناني.
ويضم المعرض بعنوان: ‘الإنسانوية التصويرية اللبنانية: جورج د. قرم (1896-1971)’ حوالي 75 لوحة بعضها لم يعرض من قبل، بالاضافة الى مقالة له بالفرنسية من العام 1966 بعنوان ‘الفن والحضارة في الزمن المعاصر’، أعيد نشرها خصيصا للمعرض بالعربية والانكليزية.
ويشرح قرم الابن أن معظم لوحات والده ارتكزت على محاولة تظهير لبنان الأخضر الجميل كما جسّدت وجوه الاشخاص واجساد النساء الجميلات العاريات ولم ينس الطبيعة الجميلة المستوحاة من البلدان التي زارها كباريس، مصر وقبرص ولبنان.
واوضح في مقابلة مع وكالة ‘الأناضول’ ان لوالده رسومات غريبة الشكل تحتوي على اشكال ‘مرعبة’، كرسم لمغارة جعيتا الطبيعية اللبنانية، ‘والتي اذا دققنا النظر فيها نجد ان داخل الجدران هناك حيوانات وحشية، ولوحة اخرى لامرأة جالسة والى جانبها مارد يريد ان يأكلها’، مشيرا الى ان ‘هذه الرسومات نابعة من خوف الوالد على مستقبل لبنان اذ ان هناك سلسلة لوحات تظهر هذا الخوف’.
وعن العاريات اللواتي اخذن حيزا مهما من انتاجه الفني، قال قرم:’خلال دراسة والدي في باريس كان هناك صف اجباري لرسم النساء والرجال وهم عراة’. وأردف ممازحا، الا انه و’ بعد زواجه بات يرسم النساء مستخدما خياله بسبب معارضة الوالدة لرسم نساء عاريات، فهي كانت تمنعه حتى من عرض لوحات هؤلاء على جدران المنزل’.
ولفت الى ان والده من خلال رسمه لنساء عاريات في زمن كان محافظا نوعا ما، ‘دخل في تناقض مع التيارات الحديثة الموجودة في فن الرسم التجريدي آنذاك، على الرغم من ان هناك فنانون قد سبقوه برسم العاريات كالفنان الراحل خليل صليبي الذي رسم زوجته وهي عارية’. وقد تأثر قرم بثقافة والده كثيرا، فكان معجبا بالنساء الجميلات اللواتي كنا بطلات رسوماته، ويستعيد ذكرياته وهو مبتسم قائلا: ‘ في الخامسة من عمري كنت اذهب خلسة للغرفة التي كان يرسم بها احدى العارضات فاعتدت على فتح الباب دون ان يراني لأنظر الى النساء الجميلات…’
واضاف ‘كان يأخذني ايضا الى الجبل ومعه عدة الرسم ونتجول سويا في الجبال..معظم رسوماته الطبيعية مستوحاة من نزهاتنا مشيا على الاقدام في جبال لبنان’.
وأوضح ان فن والده ‘توسع وتميز من حيث التقنيات’، بعدما استخدم الفحم والباستيل وحتى قلم الرصاص، كما ان شغفه بالفن جعل عدة الرسم لا تفارقه ابدا، فهو كان ‘يرسم بالطريق وفي القطار والترامواي وكذلك في الحدائق العامة’.
وتحدث قرم الاصغر عن انجازات والده الفنية بفخر واعتزاز، فهو من اختير لرسم وسام الاستحقاق اللبناني الذي يمنح للمتميزين اللبنانيين، فجسده بـ ‘انسان بريء يقف امامه نمر والاخير يستعد للهجوم عليه’، ويشرح قائلا’ كان بذهن والدي ان الانسان البريء هو لبنان اما النمر فهو محيطه الوحشي’.
كيفية المحافظة على مجموعة والده خلال الحرب اللبنانية اعادت قرم لذكريات مليئة بالمعاناة وارجعته 39 عاما الى الوراء.
وقال ‘كانت معاناة حقيقية خلال الحرب اللبنانية، فكنت مؤتمن على المحافظة على مجموعة والدي، فيما كان وضع البلد سيء جداً، لذا قمت بشحن جزء منها عام 1975 أي بداية الحرب الاهلية اللبنانية الى باريس واستمرت الحرب واشتدت حتى العام 1985 فاضطررت لشحن الجزء المتبقي’.
واضاف:’ في باريس قمت بترميم كل اللوحات واستعنت بخبراء من معهد الرسومات الجميلة وتم تغليف كل لوحة للحفاظ عليها، وخلال العام 2005 قمت باعادة كامل المجموعة الى لبنان، وبدأت بتحضير معارض’.
واعتبر قرم أن لوحات والده ‘خلّدت في الذاكرة صورة لبنان القديم الذي لم يبق منه شيئا سوى رسومات’، وأضاف:’لبنان الذي جُسّد في لوحات والدي قد اختفى.. لبنان الاخضر ذات الطبيعة الجميلة..فأعمال والدي تعيدنا لمناخ لبنان الجميل سواء انسانيا او طبيعيا’.
وعن سبب عدم بيعه لمجموعة والده، رأى قرم ان المجموعة يكون لها ‘قيمة اكبر اذا لم تبعثر وبقيت مجموعة…فدائما اكرر ان هذه الاعمال بحاجة لمتحف يتسنى من خلاله للناس مشاهدتها، لذا كنت حريص دائما على ان لا ابيعها’.
وبسبب غياب المتاحف اللبنانية الرسمية، كان قرم الابن يبحث دائما عن مكان يستطيع من خلاله عرض مجموعة والده.
ويرى المسؤول عن المتحف وصالة العرض في الجامعة الأميركية في بيروت أوكتافيان إيسانو بجورج قرم ‘فنانا مثيرا للاهتمام، اذ اخذت رسوماته طابع كلاسيكي وتقليدي، كما كانت ترتكز على الشخصيات الانسانية والوجوه والطبيعة.’
وقال ايسانو لـ’الأناضول’:’ كان جورج ينتقد بقسوة الفن الحديث، ويؤمن بأن الفنان الشرقي واللبناني خصوصاً، يجب أن يحمي الفنّ الكلاسيكي’.
واوضح ان قرم لطالما ناضل من اجل انشاء معهد للفن الجميل والموسيقى ‘وبفضل جهده الدؤوب ومساهماته، بات لبنان اليوم يمتلك مؤسسات فنية مثل الأكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة، والمعهد العالي الوطني للموسيقى وغيرها من المشاريع الثقافية المخصصة لإبراز الهوية والثقافة اللبنانية’.
ومن اجمل لوحاته بنظر ايسانو تلك التي تظهر الطبيعة اللبنانية، ‘فعلى الرغم من ان قرم كان دائما يدافع عن الفن التقليدي الا انه كسر القاعدة من خلال هذه اللوحة التي امتزجت بين التقليد والتجريدـ.. فهو رسم منظر الطبيعة في مدينة بيروت مازجا بين الالوان والاشكال.’
وبحسب ايسانو، فن قرم يمثل ‘جيلا لبنانيا لم يبق منه سوى لوحات.’

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية