مقابل غزارة الدراسات والبحوث المَكتوبة حول الأدب وفنونه، ومحاولة الدارسين لإيجاد لغة معاصرة تُمكن القارئ على فهم رسالة الأديب وتذوق جماليات النتاج الأدبي، نجدُ إهمالاً لفن الموسيقى، ونادراً ما تُصادفُ مُؤلفاً بشأنِ الموسيقى، أي الفن الذي يعبرُ عن الإرادة مباشرة بدون الوسيط، على حد تعبير شوبنهاور.
كما رأي ألتر بارتر أنَّ كل الفنون تطمحُ بأن تكون حالة من حالات الموسيقى. لكن يبدو أنَّ الموسيقى لم تُصبحْ محوراً في مدونتنا الثقافية لذلك فمن الطبيعي عندما لا تتربى الذائقة على الموسيقى السامية أن يسودُ النوع الرديء الذي يُفسدُ الذوق، إذ ربط الفيلسوف اليوناني سٌقراط نشوء السلطة المُستبدة بتدهور الذوق الموسيقي. وعن تأثير الموسيقى على حياة الشعوب يعتقدُ المُفكر اللبناني جورج قرم أنَّ أوروبا ما كانت تجدُ سبيلها إلى الوجود، على الرغم من مشاكلها وحروبها وصراعاتها الطاحنة لولا الموسيقى التي حطمت حواجز مذهبية وقومية ودينية. إذن فإنَّ الموسيقى تُعبرُ عن الهوية الإنسانية وتهذبُ النفوس من الإحنِ، كما تُمَثِلُ قمة التَحضُر والرقي الفكري، ومن هنا نفهم لماذا يقولُ نيتشة بأنَّ الموسيقى برهنت على أن الحياةَ ليست خطأً. ويُفضلُها ألفريد دي موسيه على الشعر كما يعترفُ بأنَّ الموسيقى هي التي جعلته يؤمنُ بالله.
وما يدعو للاستغراب أنَّ الموسيقى وتنشئة الذائقة السوية لتذوقها لم تكونا ضمن اهتمامات مثقفينا ولا المشتغلين في المجال التربوي، وقلما تجدُ في طيات مُصنَفاتهم مبحثاً خاصاً بالموسيقى، صحيح تناولَ عددُ من الأدباء علاقتهم بفن الموسيقى وأبدوا إعجابهم بعبقرية الموسيقيين الكبار، غير أنَّ ذلك لا يفي بالغرض ولا يشفي الغليل. وقد يكون الكاتب العراقي الراحل نجيب المانع استثناءً في هذا المضمار لجهة شغفه الشديد بالموسيقى، وتمكنه من تفهم مفرداتها ناهيك عن ثقافته الأدبية الزاخرة، وهذا ما يلاحظه القارئ في كتابه المعنون بـ«في الموسيقى والأدب» الصادر عن دار المدى 2018 إذ يدرسُ في مؤلفه إنجازات رواد الموسيقى والأدب مُقدماً رأيه حول ما يتمتعُ به عملُ كل مبدع من الخصوصية والتَمَيُز.
خارج الحاجز
يحملُ القسمُ الأول من الكتاب عنواناً بصيغة السؤال عن إمكانية تكوين أذن عالمية، ومن ثُم يؤكدُ المؤلف قدرة الموسيقى على كسر حاجز الاختلاف اللغوي وبذلك تتحولُ إلى لغة موازية لا يتطلبُ فهمها معرفة نوتاتها، أو الخلفية الثقافية لمؤلفيها، لذا فإن الإنسان الغربي يتذوق أصوات أم كلثوم وعبدالحليم حافظ وفيروز عندما ينساق وراء تيارهم النفسي، وما يعبرُ عنه الصوت الممتزج بالموسيقى. بالطبع فإنَّ الموسيقى من المشتركات الإنسانية ويفرق مثقفنا الموسوعي بين ما يسميه المشترك الأدنى، الذي ينتشر بسرعة ويتضخمُ عددُ متابعيه مثل موسيقى الروك ومباريات كرة القدم، كون هذا النوع لا يحتاجُ إلى الإعداد والسمو بالذائقة والإدراك، بينما لا يكونُ الإقبال على ما يحتاجُ فهمه إلى رقي العقلي إلا محدوداً عليه، فإن مستمعي موتزارت أقل ممنَّ يرددون أغاني الروك. عطفاً على ذلك يطرحُ نجيبُ المانع سؤالاً حول غياب تأثير الموسيقى العربية مع أن مئات الفنانين العرب متواجدون في حواضر الغربية. ويدلفُ في قسم آخر من مُؤلفه إلى المقارنة بين غوستاف فلوبير وهو من طليعة صناع فن الرواية ويوهانس برامز الألماني الذي يصلُ مستوى إبداعه إلى مرتبة سمفونيات بيتهوفن، غير أنَّ الاثنين فلوبير وبرامز كانا شحيحي الإنتاج فإنَّ صاحب «مدام بوفاري» يقولُ إن «سلة المهملات أفضل أصدقاء الكاتب» يفترضُ نجيب المانع تخلي فلوبير عن بعض نتاجاته المهمة لأنه كان شديد الحرص على الصقل والتنقيح. كذلك برامز لم يكن كثير التأليف في مجاله، إضافة إلى ذلك فإنَّ الكاتبَ يخالفُ ما قاله فاغنر بأن الأوبرا هي كل الفنون أو نهاية الفنون العليا، مُعتبراً كلامه هوساً وهذا لا يعني عدم الاهتمام بهذا الفن، بل يبدي نجيب المانع إعجابه برحابة الأوبرا وفخامتها، مؤكدا على متابعته لأصوات أوبرالية لافتاً إلى العلاقة القائمة بين موسيقى موتسارت والروائية الفرنسية فرانسو ساغان، كما يشيرُ إلى تأثر بدر شاكر السياب بالموسيقي الفرنسي كلود ديبوسي عندما كتب ديوانه المعنون بـ«المعبد الغريق» مقتفيا موسيقى «الكاتدرائية الغريقة» بالكلمات.
صفوة الفن
إنَّ النماذج الفنية والأدبية التي يردُ ذكرها في صفحات هذا الكتاب توحي بأنَّ المؤلفَ من الذين ينضمون في صف الفن الرصين ولا يحددُ موقفه حولَ الفنانين بناءً على نسبة مُتابعيهم، وهو يُحملُ على كل من مادونا والفيس بريسلي، رغم الشعبية الكبيرة لهذين الفنانين لأنَّ أغاني الاثنين مُشبعةُ بالميوعة العاطفية ملوثة لصفاء الروح. فبرأي نجيب المانع أن وظيفة الموسيقي ليست فقط إطراب الناس ودغدغة مشاعرهم، بل الارتقاء بفكرهم وإنقاذهم من النظرة المسطحة، وهذا ما تحققه موسيقى بيتهوفن الذي يُضارعُ فنه الرصين ما ضمته مؤلفات الفلاسفة من أفكار وأطروحات عميقة، لذا يضعُ صاحب «ذكريات عمر أكلته الحروف» بيتهوفن في مرتبة أرسطو وديكارت وهيغل. موضحاً خصوصية مؤلفاته الموسيقية التي تخترق المحسوس لتصل إلى اللامحسوس ويذكرُ في سياق حديثه عن هذا العبقري ما قاله أحدُ النقاد بأنَّ بتهوفن هو أمتن عقل في التاريخ الأوروبي. غير أنَّ القارئ يلاحظُ أنَّ إعجاب نجيب المانع بموتسارت يفوق على إعجابه بأي موسيقي آخر واصفاً موسيقاه بأجمل ما أنتجته الحضارة الغربية من اليونان إلى العصر الحديث. أكثر من ذلك يضمُ الكتابُ ما يعينُ المتلقي على معرفة موسيقى فريدك شوبان وكلود ديبوسي جابرييل فوريه وتشايكوفسكي وباخ ولا يكتفي المؤلف بعرض حياة هؤلاء، بل يتوقف عند خصوصياتهم الفنية وما يتميزُ كل واحد منهم، حيثُ يقول بأنَّ قطعة باخ تبدو للوهلة الأولى ثقيلة الدم، ثم تصل إلى أقصى حد من الشفافية بخلاف ذلك تسمع بعض مقطوعات صاحب «كسارة البندق» شفيفة ولذيذة في البداية وتتحولُ إلى عزف فارغ من العاطفة. ويلتفتُ الكاتبُ إلى حالة مستويات الإدراك المتدني وتيبس الإحساس نتيجة إهمال تنمية مدارك النشء في بيئاتنا الثقافية ومحدودية المفردات التي تُطلق على المحسوسات. زدْ على كل ما سبق ذكره ترى معالجة لمسألة التراث وظاهرة الرضا في ثقافتنا مع ما يماثلها لدى الأجانب، إذ يعتقدُ جيمس جويس بأن كتبه الأربعة تحتاج حياة كاملة كي يستطيعَ الإنسانُ سبر أغوارها. ويفسرُ نجيب المانع في هذا الإطار فخر المتنبي على مستوى آخر بوصفه تعبيراً عن وجود مثالي يرسمه للقُراء، كما يخطط المربون هذا النموذج لتلاميذهم. مع كل قسم تقرأه في هذا المؤلف تتأكد أن صاحبه مثقفُ موسوعي ويمتلكُ حساً مرهفاً يستندُ في منهجه إلى أساس منطقي. ونحنُ بصدد الحديث عن دور الموسيقى وانعكاساتها على مختلف الأصعدة من الضروري أن نتساءل هل السبب وراء رداءة أنظمتنا السياسية هو فساد ذوقنا الموسيقي؟
٭ كاتب عراقي