رشيد غلام: منعي من الغناء وسام شرف أحمله وحدي في المغرب!

حجم الخط
0

الطاهر الطويل

الرباط ـ ‘القدس العربي’ ـ حين تجالس الفنان المغربي رشيد غلام، يسارع بإزالة اللبس في ما يتعلق بالصفة التي يحبذ أن يقدم نفسه بها للقراء والجمهور، ويؤكد أنه مغن وكفى. لا يميل إلى تسمية ذاته منشدا، ولا مغنيا إسلاميا، معتبرا أن الغناء والإسلام لا يتعارضان أبدا. وإذا كان يشعر بنوع من الأسى لعدم قدرته على التواصل مع جمهوره العريض في المغرب، فإنه في الوقت نفسه يعتز بالتقدير الكبير الذي تحظى به عروضه الفنية المختلفة المقدمة بمسارح عالمية كبرى في العديد من الأقطار العربية والإسلامية والغربية، حيث يشيد كبار الفنانين بكفاءته الصوتية العالية التي جعلته من المغنين المتميزين القلائل في الساحة الفنية العربية. أصدر مجموعة من الألبومات الغنائية، من بينها: إيقاع الروح، مواجيد، الليلة المحمدية، أريج الطيب في مدح الحبيب، يا جمالا، حُداء الروح، الموشحات… ‘القدس العربي’ التقته وأجرت معه الحوار التالي:* في أية خانة تضع الفن الذي تشتغل عليه؟* ما أشتغل عليه يسمى عموماً غناء. وبحكم مضمون هذا الغناء سمّاه بعض الإسلاميين إنشادا إسلاميا. والحال أن النشيد شكل من أشكال الغناء العربي، ويتميز ببساطة الكلمات وبنوع خاص من الإيقاع واللحن، مثل النشيد الوطني، نشيد الكشافة، النشيد المدرسي… الخ. لقد سموه نشيداً لحساسية عندهم مع كلمة غناء، فقد تصوروا أن هذه الكلمة ذات حمولة تتنافى مع الشرع، وهذا خطأ. ورد في الحديث النبوي الشريف: ‘أفلم يكن معكم من يضرب الدف ويغني، فإن الأنصار قوم يحبون الغناء’. ومفردة غناء في اللغة العربية تعني تجويد الكلام والتغني به ومدّ الصوت به، ويقال أحيانا أنشد، لكن في الغالب هي الكلام الملحون والمُنَغَّ ـ م.* طيب، وما ردك على من يستبعد الغناء من دائرة الإسلام؟* السياق الذي أشتغل عليه، هو أنني أريد أن أقرب بين هوّتين عظيمتين: من جهة، بين الفهم الموجود عند العامة من المسلمين والذي مفاده أن الغناء يتنافى مع الإسلام، وأنه رديف للمجون، كأن الغناء يتعارض مع الطبائع النفسية الموجودة التي خلقها الله في الناس. ولذلك، أسعى إلى أن أقرّب لعموم الناس الصورة الحقيقية بالتأكيد على أن الغناء موجود في الإسلام، كما يوجد فيه الشعر والموسيقى وجمال الكلمة والرسم والإبداع والتمثيل… وكل هذا مثبت تاريخيا ومدلل عليه بالنص المقدس وبالاجتهاد. ومن جهة ثانية بين الفهم الموجود عن فئة أخرى، وهم المشتغلون في حقل الدعوة الإسلامية ـ أو الإسلاميون إن صح التعبير ـ الذين يتصورون أنه لكي نقدم غناءً يلتزم مع الإسلام يجب أن نُبعد عنه الموسيقى، ونأتي بكلمات يَرِدُ فيه فقط اسم الجلالة أو اسم الرسول (ص) أو الكلمات التي تتحدث المفاهيم الإسلامية الكبرى: البعث، النشور، الموت، النار، الخوف، الرجاء… وهذا غير صحيح. * إذن، هل ما تقدّمه تصح تسميته غناء إسلامياً؟* أنا أعترض على هذا النعت، لأن الذين يشتغلون على تحقيق المفاهيم ما زالوا لم يعطونا معنى إسلامية الغناء كما لم يعطونا بعد مفهوم إسلامية الأدب وإسلامية الشعر وإسلامية المسرح… الخ، وإن كان هذا النعت جاء بعد التضاد الإيديولوجي أو المراغمة الإيديولوجية التي حدثت ما بين الفكر الماركسي والفكر الإسلامي المتجدد؛ فبالنظر لوجود تسميات من قبيل: الفن الماركسي، الفن البروليتاري، السينما العبثية، مسرح العبث، الأدب الوضعي… قالوا: هناك فن إسلامي وفن غير إسلامي. في نظري، الفن والغناء هو ما تقبله الطباع والنفوس السليمة ولا يتعارض مع الأهداف الكبرى للشريعة، بل يخدم المقاصد الكلية من التشريع.

أنا أقدم غناء يخاطب وجدان الإنسان، ويبعث فيه سؤال الهوية وسؤال الوجود، ويضعه في مواقف الفطرة الحقيقية، مواقف يسائل الإنسان فيها نفسه عن علاقته بالحق سبحانه وتعالى، وهو أيضا غناء يتحدث عن الحب المطلق وعن الحب العذري وعن المشاعر الإنسانية الرقيقة. أُريد من الغناء الذي أقدمه أن يجعل الإنسان على علاقة بالتجلي الجمالي الموجود في الكل، والدال على الحق، وعلى الصنعة الإلهية، وعلى الحب المحمدي، وعلى الحب بين البشر. ولا أختار لذلك قالب النشيد فقط، وإنما أختار جميع القوالب الغنائية المعروفة في الغناء العربي والغناء الغربي الكلاسيكي منه، بما في ذلك ـ مثلا ـ الشكل السمفوني والأوبرالي وشكل الدور والموشح، بمعنى أنني أختار جميع القوالب الجمالية التي توحيها الكلمة والتي أجدها تنسجم مع مضامين النص. أول شيء بالنسبة لي هو قيمة الصوت الخالص، ثم الكلمة واللحن. هذا هو الشكل الذي أشتغل عليه والذي اهتدى إليه الآن مجموعة من المبدعين الذين بدأوا يشتغلون بأفق أوسع.

من الغناء المنفلت إلى الغناء الرِّسالي* وما هي المرجعيات التي شكلت أساس تجربتك الفنية في بداياتها؟* اشتهرت في البداية بأداء الغناء بشكله المعروف، كنت أغني أم كلثوم، محمد عبد الوهاب، وديع الصافي، ناظم الغزالي وغيرهم.. منذ حداثة سني، فقد احترفت الغناء وأنا ابن 13 سنة.

المرجعيات الفكرية والروحية ابتدأت برجوعي من الغناء المنفلت ـ إن صح التعبير ـ إلى هذا الغناء الهادف أو الغناء ‘الرِّسَالِي’ (كما أسميه). تزامن ذلك مع رجوعي وانتباهي مما كنت أعيشه من حياة بلا قيمة أو هدف، أي حياة البهرجة والتهريج، إلى وعيي بحقيقة وجودي. أول مرجعية إذنْ، هو التنبيه الإلهي لهذا العبد إلى حقيقة وجوده ومعناه ووظيفته الحقيقية، مما جعلني أراجع هذه الطاقات والمواهب التي أعطاني الله إياها، لكي أوظفها التوظيف الأمثل، وأبحث عن طريق لأساهم في صناعة تاريخ لهذه الأمة في مجال أقدرني الله عليه.

ثم إن انتمائي لحركة إسلامية (العدل والإحسان) وارتباطي بالشيخ عبد السلام ياسين وتورّدي من بحره المعرفي والتربوي والفكري هو ما وضع رجلي على طريق العمل في المسار الذي أشتغل عليه حاليا.

وهناك أيضا اهتمامي بالنَّفَ*س الصوفي في مجالات العرفان وأدبيات الشعر وتتبع مسار المتصوفة كيف عاشوا الحياة وكيف نظروا إلى الوجود بنظرة مغايرة لبقية الناس، وكيف تعاملوا مع الموسيقى ومع الفن عموما، هذا بحر أغترف منه منذ أكثر من عشرين سنة، ولا ينقطع بحثي وقراءاتي في هذا المجال، بل لا تنقطع تجربتي منه.

والسياج الفكري لما أشتغل عليه هو بالأساس مقاصد الشريعة الإسلامية، فأنا دارس للفكر الإسلامي بشكل عميق، ولأصول الشريعة بشكل أعمق.

أما المرجعيات الفنية فهي الميراث الفني العربي والتركي والإيراني، لأن الإيرانيين والأتراك أصحاب رصيد موسيقي عريق قبلنا، وهناك أيضا الميراث الإنساني الموجود المتمثل في الموسيقى الكلاسيكية.* المتتبع لمسارك الفني، يلاحظ أن التعامل الرسمي معك كان في البداية طبيعيا، إذ كنت تقدم عروضك الفنية بشكل عادي، قبل أن يقع تحول وتغير، فصرت ممنوعا من الغناء في المغرب، ما سبب ذلك في نظرك؟* السلطة أو ‘المخزن’ ـ كما نسميه ـ ينعت الإسلاميين بـ’الظلاميين’ وبأنهم أصحاب كهوف ويدعون إلى البدائية وبأنهم متخلفون لا يفهمون في الثقافة وفي الفن ولا يمتلكون أية رؤى مستقبلية ولا أي تفكير في كيفية المساهمة في صنع ثقافة لبلدهم، إلا ثقافة الخيام والجِمال والرمل، وبالتالي فكل من يحاول أن ينفي هذه النظرة ‘المخزنية’ لمن يسمونهم ‘ظلاميين’ يحاربونه أو يسعون لاستقطابه وتبنيه. رشيد غلام جاء من رحم الحركة الإسلامية، من وسط حركة مراغمة للنظام ومتضادة معه مائة بالمائة. ورشيد غلام يقول إن الإسلام جمال وموسيقى وفن وثقافة، وإنه حب وخير ورحمة، ونجح في توصيل هذه الرسالة إلى الناس وأيضا في الوصول إلى أصقاع العالم بكفاءة فنية شهد بها الكثير من الفنانين، وليس فقط بحمل مشروع معين.

لقد غنيت في مسارح عالمية، أولا اعترافا بكفاءتي الفنية، فحتى وإن اختلف معك المرء فكريا يقدّر اقتدارك الفني؛ ثانياً لحملي مشروعا أعي قيمته وأهدافه وعمقه الثقافي. قلما تجد فنانا مثقفا يتبنى مشروعا. وأيّ فنان لا يحمل مشروعا ثقافيا وحضاريا لأمته أعتبره مهرجا مهما سطع نجمه.

لذلك، قال ‘المخزن’: هذا الشخص ضد الدعاية التي ننشرها عن ‘الإسلاميين’، وقالوا أيضا: كأنه يدعو الآن لحركة ‘العدل والإحسان’، لأن الناس يحبّونه، ويقولون إذا كان هذا الشخص ابن الحركة فإذن هذا الغصن من تلك الشجرة. إن الأنظمة السياسية الشمولية لا تعتبر الفنان سوى مهرج، ولا تتصوره مثقفاً ذا مواقف حول المجتمع والحكم والسياسة الثقافية وحول الإنسان عموماً. وقد كانت العرب عندما تريد أن تزدري حديثاً ما تقول: ‘هذا حديث المغنّين’، لأن المغنين كانوا يغنّون للسلاطين وكان حديثهم مبتذلاً. فالأنظمة الشمولية على تنوعها لا يمكن أن تستمرئ فنانا ذا مواقف ومشروع ثقافي وينتمي لحركة عندها مواقف. الفنان بالنسبة لهم مجرد مهرج وديكور يؤثث ‘المشهد الفني’، ويساهم في أن يكون بوقا من أبواق النظام. الثقافة والفن وسيلة تستعملها الأنظمة الاستبدادية لتمييع الجو العام وللتفسيخ والتهريج حتى لا تعي الشعوب دورها التغييري، وحتى لا تنتبه لحقوقها المستلَبة، حقوق المواطنة المادية والمعنوية والاقتصادية. أعجب كيف يخرج آلاف المغاربة لحضور مهرجانات فنية تُصرف عليها ملايير السنتيمات، وهم لا يكادون يجدون قوت يومهم، ويصفقون على مغنٍّ جاء من الخارج ليأخذ أرزاقهم. هذا على المستوى الاقتصادي وأيضا على مستوى العدل والقسمة التي يجب أن تكون، أما على المستوى الثقافي كيف نحتفي بمهرجانات لا تصنع ثقافة ولا تساهم في أية سياسة ثقافية؟ وما الحاجة إلى تلك المهرجانات في غياب ما يلزم من مسارح وسينمات وغيرها من البنيات التحتية وأيضا في شبه انعدام لحركة ثقافية تعكس زخم المخزون الثقافي والتراثي المحلي؟

الأنظمة السياسية الشمولية لا تريد أن يوجد هناك فنان بمعنى الكلمة للفنان، فلو لم أكن مقتدرا لما حاربني النظام، كان الفشل سيدب من ذاتي. لذلك، مُنعت من الغناء في المغرب وفي كثير من الدول العربية بتوصية من المغرب. إنه في الحقيقة وسام شرف أحمله أنا وحدي في المغرب. لقد كان هناك فنانون ممنوعون، حتى آخرهم عُرِضَ عليه أن يشتغل، لكنه أراد أن يبقى يحتفي بـ’ممنوعيته’. أنا الفنان الوحيد الممنوع منعا كليا إلا ما يُبَثّ في الإنترنت وما يسمعه الناس من ألبومات.* ومع ذلك، كانت بعض السهرات التي شاركت فيها سابقاً تقدم على شاشة التلفزيون؟* هذه كانت فلتة تاريخية، لأنه ربما لم تنسّق الداخلية مع الإعلام خلال عهد الوزير الراحل إدريس البصري رحمه الله وغفر له. تصوّرْ أنني كنت متابَعاً قضائياً، فيما كانت السهرة تُبث على التلفزيون، ولم يكن يدرون أن رشيد غلام الذي يستمع له الناس هو نفسه المتابع في إحدى القضايا. سهراتي كانت تمتلئ بالجمهور، إذ كان الناس يتشوّفون لها، لحملها دائما الجديد من أعمالي.

وحصلت لي واقعة مع القناة الثانية، فلمدة أسبوع كامل كانوا يبثون الدعاية لبرنامج ‘شذى الألحان’ مع الإشارة إلى مشاركتي فيه، وفي آخر لحظة انتبه أحدهم لذلك، فأعطيت التعليمات لإلغاء الحلقة.

سهراتي العمومية كانت تُمنع في آخر لحظة بعد استيفاء الشروط، بل أكثر من ذلك أن والي الدار البيضاء كان أخذ مني عددا من الدعوات في إحدى السهرات وطلب مني دعوات إضافية، وبعد ذلك أطفأ هاتفه المحمول، لأنه لم يكن بمستطاعه أن يأمر بفتح باب المسرح. الفن أرقى من السياسة* وفي المقابل، يتم الاحتفاء بك في أكثر من بلد خارج المغرب. حدّثنا عن بعض صور هذا الاحتفاء؟* على هامش غنائي في دار الأوبرا المصرية، قال لي كبار الفنانين من مؤلفي الموسيقى ومايستروات وغيرهم: كأنك خرجت من قمقم وعدت بنا إلى الزمن الجميل، واعتبروني أملا جديدا للأغنية العربية ومن أحسن الأصوات الموجودة. وحيثما حللت وارتحلت كنت موضع احتفاء وتكريم، في قرطاج وطهران وبيروت ودمشق والجزائر وفي مسارح عالمية بكل من إيطاليا وألمانيا وفرنسا وبلجيكا وهولندا وجنيف وإسطنبول. لقد انتبه الناس إلى أن هناك فنا إنسانيا لا يُطرب الآذان إلا بقدر ما يهزّ الوجدان ويحرك في النفوس شجنا عميقا. حتى في المغرب أُكرَّم من طرف عامة الشعب، الناس يحبّونني ويقدرونني، كما أن العديد من الفنانين المغاربة يكنون لي الاحترام والتقدير الكاملين ويعبّرون عن ذلك في اللحظات التي ألتقيهم فيها. منعي من الغناء في المغرب أعتبره تشريفا وسط هذا الهرج والمرج الموجود حاليا، لأنني لم أساهم في تسويق العبث والتفاهة للناس. ولكن، حبذا لو يتنبه النظام المغربي إلى أن يدع بصيصا من النور وسط هذا الظلام، ويفسح المجال للجدية وسط هذا العبث، ويرفع المنع عني ويدعني أشتغل. فنّي ليس سياسيا بالمطلق، إنه يرتقي عن السياسة لأنه مرتبط بالسيرورة الإنسانية. وكما أقول دائما، فالفن الحقيقي يرتبط بالتربية والأخلاق والسمو والتطلعات الإنسانية الممتدة عبر التاريخ. أما السياسة فهي مقيَّدة بأوان تاريخي وزمني وبحيز جغرافي معين وبحالة تبسيطية صغيرة. فنّي ليس ممارسة نقابية ولا فعلا مطلبياً، فأنا لا أغني عن الهم اليومي، كما أنني لا أغني لأدعو لحركة معينة. أنا أنتمي لجماعة ‘العدل والإحسان’، ولكنني لا أغني لأدعو لها، فهذه الحركة أكبر من أن يُدعى لها بالفن. في غنائي دعوة للإسلام بصورته الحقيقية، والإسلام أكبر من ‘العدل والإحسان’. أنا أدعو إلى الرحمة الإلهية المبثوثة في الإنسانية. وإذا كنت تحدثت من قبل عن المنع، فأنا بجد لا أفهم كيف تمنع السلطة ورقة رابحة في المغرب مثل رشيد غلام؟ هناك فنانون كبار عندما يُستدعون لمهرجانات مغربية يستغربون منعي من الغناء، وكثير من منظمي المهرجانات يطلبونني في جلسات خاصة لكي ألتقي بهؤلاء الفنانين الذين طلبوا لقائي. مرة قال لي أحد المسؤولين: ‘لو كانت بيدي السلطة لصنعت 200 رشيد غلام أو أكثر، لأن شكلك الفني هو ما يحتاجه المغرب’. وعندما تمنع الناس من حريتهم فإنما تدعونهم ليتحزموا بالأحزمة الناسفة أو يتبنوا أفكارا هدامة ومخربة.

التصوف سلوك وليس فلكلورا ورقصا* يقام في المغرب سنويا مهرجان للموسيقى الروحية وآخر للثقافة الصوفية، ما رأيك في هاتين التظاهرتين؟* التصوف ليست فلكلورا. لا نأخذ الحضرة أو العمارة الصوفية التي هي عبارة عن تواجد لناس صادقين لنجعلها فلكلورا يتفرج عليه الناس في المسارح، ينبغي أن لا نستغل مواجيد الناس ونضعها في ‘بازارات’. ما يُنعت زوراً بأنه تصوف في المنابر الإعلامية ويقدم في المهرجانات هو نوع من البهرجة والتمييع، فالتصوف تجربة إنسانية متصلة بالسلوك والصدق وحسن السيرة في الدين، وليس رقصا ولا اصطناعا للجذب وللحال. للأسف، نجد منظمي تلك المهرجانات يستدعون شبابا ينتمون لبعض الطرق أو لا ينتمون لأية طريقة ولكنهم يزاولون ذلك ارتزاقا. أعطيك مثالا: رأيت مؤخرا عن طريق الصدفة شخصاً أقلّ ما أقول عنه أنه أبله (حتى لا أنعته بكلمة خلقية قبيحة) يغني أشعارا عن العرفان لأحد كبار الأولياء في مهرجان للموسيقى الصوفية وترقص أمامه ثلاث راقصات من الغجر الإسبان بأجساد شبه عاريات حيث يبرزن مفاتنهن وهو يغني عن الوجدان والعشق الإلهي. وقالوا: هذا نوع من التمازج بين السماع المغربي والفلامنكو الاسباني. هذا حرام. إنه نوع من العبث والضحك على الذقون.

عندما وُضع مهرجان الموسيقى الروحية في فاس لأول مرة، كان ينبني على فلسفة أن الله سبحانه وتعالى هو معبود كل الناس، مَن يعبد الضفادع في الهند، من يحج إلى العفن في السيخ، من يعبد البقر، من يعبد التثليث، كلهم يعبدون إلها واحدا، وما دام الله واحدا ـ كما يقولون ـ فلماذا نختلف حول الشرائع، لا ننزل إلى ‘حضيض’ التشريع (وأستغفر الله على هذه العبارة) حتى نقول إن الخمر حرام. لقد بنوا مهرجانهم على ما أسموه وحدة الأديان، والصحيح أن الدين عند الله الإسلام، ليس هناك أديان، هناك دين واحد. المهرجان بني على فلسفة تطبيعية تخدم هذه الأغراض. ثم تراجعوا عن تسمية مهرجان الموسيقى الروحية، لأنهم أصبحوا يدعون إليه من يقدمون ‘الجاز’ و’البلوز’ ويغنون بصدور عارية وبميوعة، فأسموه مهرجان فاس للموسيقى ‘العريقة’. ربما أصابهم نوع من الحشمة.

هناك مهرجان آخر يقام في فاس للثقافة الصوفية، والحال أن التصوف ليس ثقافة، بل هو سلوك. التصوف ليس خزانة فلكلورية نأخذ منها ما نشاء. هذا المشهد أو ذاك، أصبح للأسف وسيلة من وسائل الارتزاق والحظوة والمكانة. تجد ناسا يتحدثون عن التصوف والعرفان وعن الوجدان في مهرجان كهذا، ويختمونها بموائد الخمر ليلا، أي تصوف هذا؟ حتى في الفكر الغربي تجد بعض المستغربين يتحدثون عن فيلسوف ملحد ويقولون: ‘يقول هذا المفكر الصوفي الكبير’، حتى الإلحاد أصبحت له صوفية. غريب. في المغرب، أصبح التصوف والأمور المرتبطة بوجدان الناس خلفية يختفي وراءها مجموعة من المثقفين لكي يؤثثوا المشهد ويبقوا في الصورة وهم أبعد ما يكونون عنه. يتصورون أن التصوف مجرد كلمات قالتها السيدة رابعة العدوية أو محيي الدين بن عربي. * لننتقل إلى موضوع آخر، أود أن أسألك عن تعامل الإعلام السمعي البصري العربي معك، هل اقترحت عليك إحدى القنوات التعاقد معك لتسجيل ريبتوارك الفني في صيغة عقد احتكار أو غيره؟ * بالفعل، جاءني طلبان من جهتين لا أود تسميتهما، وهما قطبان كبيران من إعلام البترودولار يشتغلان في المجال الفني، وأعتبرهما أداتين من أدوات المسخ الثقافي المتوجه لنخر الأمة العربية ولقتل النخوة والمناعة والرجولة، وصنع عقلية التطبيع والتمييع وحب العيش والتسامح في كل ما لا يسمح به الدين. كل واحد من ذلك القطبين قدّما لي عرضين من أجل الاحتكار، يريدون أن يتبنوني بدون رسالتي، لأصبح بوقا من أبواقهم ودمية ومهرجا بالإغراءات المادية، وأنا رفضت.

ورفضت كذلك عروضا من شركات أخرى تريد إنتاج وتسويق ‘فيديو كليبات’ تحت مسمى ‘الفن الملتزم الإسلامي’ ولكن بالشكل التجاري الموجود حاليا، أي أن تأتي بمغنٍّ وسيم يغني على المصطفى الحبيب (ص)، ويفتح أزرار قميصه الثلاثة ويظهر صدره ويصوَّر معه في أماكن جميلة. ما زلت أقول: الفن له مقاييس وضوابط، وشكل ‘الفيديو كليب’ ينقص من الاحترام الواجب للفن والغناء. وهناك قنوات إسلامية اقترحت عليّ الغناء بدون إيقاعات، ورفضت لأنني أعتبر هذه الصيغة تخلفا.

في المقابل، أنا أعمل حاليا على تسجيل مجموعة أغان لي في إسطنبول، وسيكتمل المشروع قريباً بإذن الله، وأتمنى أن يجد داعما، لأن رغبتي الوحيدة هي انتشار هذا الإنتاج عبر العالم، لأنجز بعده مشاريعي الأخرى، فريبتواري الغنائي كبير، لكن التكلفة المادية التي تتطلبها الجودة باهظة جدا.

الجمهور ضحية الطوفان الإعلامي* ولكن الجودة التي تتحدث عنها هناك من يرد عليها بأن الأغاني المتداولة حاليا للعديد من الأصوات العربية هي ما يريده الجمهور العريض، انسجاما مع المقولة المصرية ‘الجمهور عايز كده’، ودليلهم في ذلك نسبة مشاهدة السهرات التلفزيونية والمهرجانات الفنية التي يقبل عليها مئات الآلاف من الجمهور؟* يا سيدي الجمهور لم يُخيَّر بين الأغاني، ولا تقدَّم له كل الأصناف الغنائية على قدم المساواة في التلفزيونات والإذاعات وغيرها، حتى يقول أنا أريد هاته أو تلك. أنا مشروعي ‘رسالي’ كما قلت آنفا، والرسالة تبدأ بتربية الذوق، في أفق صنع جيل آخر يستمع إلى الفن النظيف. فما وصل إليه الذوق العام جاء بعد عقود من التفسيخ والتمييع والفن الهابط، صنعوا فنا أنزل الأذواق إلى هذا الحضيض. ثم إن الجمهور لا يريد ذلك، وإنما هو ضحية هذا الفيضان الإعلامي. مثلا، أنا أجد نفسي ـ بدون رغبة مني ـ أحفظ كثيرا من الأغاني الساقطة جدا، لأنني أسمعها في رنات الهاتف الموجودة بجانبي، وأسمعها في التلفزيونات حين أريد البحث عن بعض القنوات، وأسمعها في الشارع، في السيارة وأنا أبحث عن بعض الموجات الإذاعية… هذا الطوفان الإعلامي يجعل الناس ضحايا سلطة الإعلام الموجودة، لاحظ معي ما يسمى مسابقات المغنين الشباب: ‘سوبر ستار’، ‘ستار أكاديمي’… يأتون بشاب لا يعرفه أحد إلا نفسه، وفي اليوم الثاني يُحضرون بنات صغيرات ويعطونهن صوره، وكلما ظهر تطلب منهم منشطة البرنامج تشجيعه بالهتاف والصراخ بشكله الغربي والأمريكي ومن المشجعات من يبكين خلال أطوار المسابقة… وفي اليوم الثالث يصبح ذلك الشاب نجما، وعندما يخرج إلى الشارع تجد الناس يتدافعون لالتقاط صور معه وطلب توقيعه الشخصي. وهو يتشكك في نفسه ولا يصدّق ما يدور حوله، ويستضيفونه في برنامج معين، ويسألونه ماذا يأكل في الفطور وكيف عاش تجربته وكأنه قدّم عملا مميزا، والحال أنه ليس على شيء، قد يكون موديلا أي شابا جميلا ولكنه بدون صوت حقيقي يصلح للغناء، وهذا ما يبحثون عنه، إنهم يصنعون الوهم، ولكنها موضة زائلة.* وكيف تفسر هذا المآل الذي وصل إليه الغناء العربي؟* لنتأمل التدحرج التاريخي للغناء العربي، في البداية اشتغل على القصيد وانطلق صوتاً جميلا وكانت الموسيقى مصاحبة، لأن قوة الصوت الآسر وروعته كانتا تشدان الناس، فكان لا يقدر على اقتحام مجال الغناء إلا الأصوات الجميلة. بعد ذلك، جاءت فترة أخرى، كان فيها نصيب للمغني ونصيب آخر للموسيقى. وعندما تراجعت الأصوات إلى الوراء، أصبح الشكل الطاغي هو الموسيقى الجميلة، بينما يبقى الصوت في الخلفية ولا يكاد يظهر. بعدها، جاءت مرحلة الإيقاع، حتى الموسيقى لم تعد موجودة بكثرة، وإنما فقط الإيقاعات وكل ما يبعث على الحركة والرقص. الآن، نعيش مرحلة أردأ، مرحلة الصورة المائعة، لا موسيقى ولا غناء، وإنما فقط الشاب الوسيم والمناظر الجميلة والصورة الخاطفة المخترقة للذهن والذاكرة هي التي تغطي على كل شيء. ما يقدم حاليا ليس غناء البتة، فالغناء هو أولا وقبل كل شيء قيمة الصوت. * وما المطلوب لمواجهة ذلك الطوفان الإعلامي، كما سميته؟* للأسف، الذين يشتغلون في الجانب الآخر، يشتغلون فقط فكريا بالندوات والمحاضرات وإصدار الكتب التي تتحدث عن ضرورة الحفاظ على مناعة الأمة. لكن الذي يخترق بيتك يفعل ذلك ليس بالمحاضرات، وإنما بالصورة السينمائية والمسلسل والموسيقى. أما عندنا، فلا يتنبهون إلى قيمة الإعلام والثقافة في صناعة الوعي العام.

هناك حالياً ما يُعرف بدول الممانعة في مقابل دول الاعتدال ودول التطبيع. دول الاعتدال والتطبيع المنبطحة للمشروع الأمريكي الغربي الصهيوني، تشتغل على جميع المجالات أهمها المجال الإعلامي. أما دول الممانعة فلا تشتغل إلا على الأشياء التي تتصورها جدية، المحاضرات، المؤتمرات، الكتب… في حين أن المشروع القومي الموجه للشباب وعموم المواطنين يؤسس بالثقافة والمسرح والسينما وبالنتاج الثقافي في جميع مجالاته. لم تُحدِث آلاف المحاضرات والبيانات والخطب في الشعوب الغربية ما أحدثه فيلم ‘الرسالة’ لمصطفى العقاد، وقس الشيء نفسه على أغنية ‘زهرة المدائن’ لفيروز في تأثيرها على الشعوب العربية. قيمة الثقافة أنها تخترقك من غير وعي منك؛ لكن النخب الواعية بهذا الصراع ـ للأسف ـ لا تعطي للثقافة قيمتها ولا تقدّرها حق قدرها.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية