رش الماء ورش النار

حجم الخط
0

محمد كريشان ‘من يرشني بالماء أرشه بالنار’ هكذا يقول المثل المتداول في المشرق العربي عن حمية وقوة الرد على أي تجاوز من أي كان. هو الرديف تقريبا لما ورد في معلقة عمرو بن كلثوم ‘ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلين’. ثنائية الماء والنار هذه قفزت إلى الذهن بقوة في تقييم موقف إيران من رش بالماء بين الشباب في حديقة عامة في طهران الجمعة الماضية وموقفها من رش متواصل بالنار في ساحات وشوارع سورية المختلفة منذ زهاء الستة أشهر.

ما جرى أن السلطات الإيرانية ردت بكل صرامة وحزم على لهو قامت به مجموعة من الشباب تراشقوا بالماء من رشاشات بلاستيكية فجرى اعتقالهم. اعتبرت هذه السلطات ما حدث ‘أمرا خير أخلاقي’ بل إن قائد شرطة الآداب أكد أن الأمن والقضاء سيتحركان ‘بقوة’ لمنع ‘تكرار ذلك. وفيما رأت الأجهزة الأمنية في الحادثة ‘تحديا لقواعد المجتمع’ لم تتردد شخصيات قضائية في وصف حالة مماثلة جرت الشهر الماضي بأنها باختصار شديد ‘حرام’. ربما لم يكن المرء يطمع من نظام وصل السلطة إثر ثورة شعبية عارمة قبل أكثر من ثلاثين عاما أطاحت بأعتى الدكتاتوريات في المنطقة سوى أن يكون موقفه من رش النار في سورية شبيها أو قريبا من موقفه من رش الماء في إيران. هل هذا كثير؟! كيف يكون رش الماء بين شباب في حالة مرح طفولية ‘رجسا من عمل الشيطان’ ويكون رش حليف لمواطنيه في الشارع بالنار والتنكيل بهم تصديا ‘لمؤامرة خارجية’ على ‘قوى الممانعة’ في المنطقة؟!

هذه المفارقة التراجيدية وقع فيها أيضا حزب الله حليف طهران التاريخي. وقف مما جرى في الجارة سورية موقف الريبة والمعاداة لتحركات ناس مظلومين وثائرين على القهر والإذلال. اختار لاعتبارات سياسية محضة الوقوف مع القاتل وليس القتيل وغطى ذلك بكلام كثير غير مقنع لا يبرر ولا يشفع. في سورية، الثوار ليسوا مسلحين ولا وجود لقوات أجنبية ومع ذلك فثورتهم بالنسبة إلى حزب الله في أضعف الاحتمالات مشبوهة. أما ليبيا التي تطرح فيها المشاركة العسكرية الأجنبية في الإطاحة بالقذافي إشكالا معينا بصورة أو بأخرى، فلا يرى الحزب مانعا من أن يتوجه إليها ‘بأسمى آيات التبريك إلى الشعب الليبي المنتصر والى ثورته المظفرة قادة وثوارا بمناسبة هذا الانتصار العظيم الذي تحقق على الطاغية المستبد بعد جهاد دام وتضحيات جسام’!!. مع ذلك جيد أن شرعت طهران وحزب الله، وإن باحتشام شديد، في تعديل طفيف في المواقف وذلك بعد أن اعتبر وزير الخارجية الإيراني مطالب السوريين الثائرين ‘مشروعة’ داعيا السلطات في دمشق إلى التوصل إلى ‘حل بعيد عن العنف’ مع المعارضين، معتبرا أن العنف ‘يخدم مصالح الصهاينة’ وبعد أن بدأت جرعة حديث ‘حزب الله’ عن ضرورة الإصلاحات في سورية تتكثف قليلا بعد أن كانت تقال من قبل في سياق غمغمة سريعة بجملة اعتراضية تكاد لا تفرز ولا تفهم.

كل من إيران وحزب الله لاموا كثيرين على مواقفهم من حركة الاحتجاجات الشعبية في البحرين، وهم محقون في ذلك، إذ لا يجب التشهير والتنكر لمواقف مواطنين غاضبين من الأوضاع في بلادهم لمجرد أنهم شيعة. كان لا بد من الالتفات لمدى مشروعية مطالب الغاضبين في البحرين وليس خلفياتهم المذهبية حتى وإن بدا أن حركة الاحتجاج تدثرت بذلك الرداء. في المقابل، ما نهت عنه إيران وحليفها في البحرين ارتكبتاه بأكثر فداحة وكارثية في سورية فقد اختار الإثنان الحكام على الشعب تماما كما فعل من انتقدهم في البحرين. حدث ذلك مع أنه لا مقارنة البتة بين طبيعة النظامين وتاريخهما ولا حجم القمع والدموية ولا بين عشرات قليلة سقطت في البحرين ومئات سقطوا في سورية مع أن أي روح بشرية ولو كانت واحدة فقط لها قداستها وحرمتها. منطق الماء والنار في التعامل مع الأحداث أو منطق ‘الخيار والفقوس’ منطق غير مستقيم ولا أخلاقي حتى. إما أن تكون من حيث المبدأ والقناعات مع تحركات الشعوب وتوقها الطبيعي للكرامة والحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية ونبذ الفساد في كل مكان وإلا فلا. إذا ما شرعت في الدخول إلى سراديب الاستثناءات وفلسفة الفروقات بين هذا البلد وذاك وكل أصناف فذلكات المأدلجين فأنت حر بلا جدال ولكن على الأقل لا تلم غيرك إن شرع في ذات المنهج ولكن مع تبدل في أسماء الدول لا أكثر ولا أقل. القليل من النزاهة واحترام العقل لا تقتل!!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية