رصد سياسي لصراع بين رؤتين وجيلين

حجم الخط
0

بعد نص ‘رائحة المكان’ 2010، ورواية ‘صيف جليدي’ 2011، ها هو عبد الإله بلقزيز يصدر روايته الثانية ‘الحركة’ 2012 ليعلن لنا أنه كاتب/باحث لا يغمض له جفن إلا في الكتابة والبحث. كأنه مسكون بهما. إن المسألة لا تنبني على التسرع في الكتابة أو ما جاورها بقدر ما تنبني هذه الإشارة على الجهد المضني الذي يقوم به . كأنه أسر نفسه في المكتبة يقرأ ويكتب. وهي مسألة قل نظيرها في مغربنا الراهن.لذا فمن يعرف الأستاذ بلقزيز سيدمر تلك البداهة التي لصقت بالمغرب كونه لا يكتب.
نحن هنا أمام كاتب وباحث يفرض احترام الجميع له، ليس لدقة الأبحاث التي يقدمها كل سنة، وليس للكتابة الصحفية التي عودنا الإطلال عليها كل أسبوع في الصحافة العربية والوطنية، وليس للأعمال الأدبية التي فتحها، وإنما لقدرته على هندسة وقته وجهده من مجال إلى آخر. كأن كل مجال يظهر فيه بلقزيز بشكل آخر، يتغير ويتبدل بين فضاءات الكتابة كما لو كان يتنقل في المطبخ، مطبخ الكتابة.
لقد قمنا سابقا بقراءة مذكراته في بيروت أيام الغزو الإسرائيلي لها سنة 2006، ونصه الباذخ لغويا في ‘رائحة المكان’ وكذلك رواية ‘صيف جليدي’ وها نحن الآن نقدم للقراء رواية ‘الحركة’ لكن، من أي بوابة ندخل الرواية ؟ هل من إشارتها الزمنية إلى 20 فبراير؟ أم من ميدان التحرير الذي تواضعنا أن نسمي به أمكنة الاعتصام والتظاهر بالعاصمة، أم نبدأ بالشخوص والعلامات والشعارات وما إلى ذلك؟ بوابات ثلاث مفتوحة، والأخريات تنتظر منا فتحها. ‘الحركة’ اسم دال على 20 فبراير. عنوان/عتبة أولى في النص تكشف ما ينقال، وتحجب ما لا ينقال في البياضات… .
العنوان إذن كعتبة أولى يجذب قارءه، كأنه يقول له ها نحن هنا في خريطة الربيع العربي وما آلت إليه في الصور المتنقلة في الإعلام والشفهي وتقارير البوليس، وعيون الملاحظ …. 20 فبرايرإذن لحظة زمنية مؤسسة لحراك شعبي، مثل ما وقع في الأقطار العربية الأخرى.
لكن، من يحكي الحكاية ؟ من يسرد الوقائع؟ تعودنا في أغلب الروايات أن ثمة سارد يحملنا إلى عوالم الرواية، لكن في هذه الرواية لا وجود لسارد واحد، ثمة سارد/ متعدد، كأن بلقزيز يرغب في البحث على المخبوء والمستور في الحركة لذا يسلم السارد الأول الحكاية إلى سارد آخر، وهكذا إلى حدود نهايتها، في الأمر دائرية. وهندسة دقيقة للشخوص والأمكنة والأزمنة، فهو من جهة تابع الحركة منذ بداية إقلاعها
20) فبراير) إلى حدود مناقشة تنزيل الدستور الجديد عبر إعادة الانتخابات البرلمانية. زمن محدد تتمزق فيه الذوات بالوهم، مثلما تتداخل أزمنتها بين الأب والابن، بين النضال السياسي في السبعينات والآن. وبين بين يرسم الكاتب شبكة من العلائق الاجتماعية والجامعية والسياسية، كأن لكل شخص في الرواية شبكة خاصة به، كأن الكاتب يرسم شخوصه في جذاذات ليضبط مسارها والعلاقات التي تتحكم فيها سيكولوجيا، واجتماعيا، وثقافيا، وسياسيا…
ربما قد نقلب قاعدة القراءة بعودتنا إلى الجملة الأخيرة من النص الروائي ‘إن والدي أصبح أشد حماسة مني’ ص 214، كأن الحركة حماس، والحماس تحريك للعواطف والانفعالات بين حسن الشخصية الرئيسة في الرواية الذي أزمته النقاشات الأخيرة، والذي يبحث عن البحر لطردها أو وضعها على مسافة بعيدة من ملوحته، بينما الأب الذي كان معارضا لما يقوم به حسن، أضحى اليوم أكثر تعلقا بأحلام ابنه.
من الجملة السابقة تبتدئ الرواية، بمعنى أنها تعطينا الصراع والصدام ليس بين أفكار وإديولوجيات وليس بين المخزن والحركة، وليس بين الأحزاب المشاركة في الحركة، وإنما صدام بين جيلين، جيل المناضلين في السبعينات وشباب الحركة. الأول تمرد على التقليد وارتبط باليسار التقدمي، وانتعش بقراءة الفكر والإيديولوجية، بينما الثاني تكون من العالم الافتراضي.حتى ان الأولين يعتقدون أن شبيبة هذا العصر لا يرجى منها طائل.كأن هذا الصدام هو البؤرة الرئيسة ضمنيا في النص ‘لو لم يناضلوا هم (جيل الآباء) طيلة تلك السنوات، لما كنا نحن ولما كان لنا ذكر’ ص 195، لنتأمل هذه الجملة الدالة على جدلية الماضي والحاضر، وإن كان البعض لا يتفق معها خصوصا إذا ما انتبهنا إلى تلك الشبكة من العلاقات التي تبين أو توضح اندحار بعض المناضلين السابقين وارتماءهم في أحضان اليمين / المخزن، ثمة قضايا أخرى تنكشف في مرايا متعددة كما علاقة حسن بأبيه، ياسر بخاله وأبيه، ومريم بأسرتها، بمعنى أن جل الشخوص الشابة في الرواية منحدرة من أسر مناضلة، تشربت النضال، وعرفت قساوة البوليس/ المخزن حين سماعها لحكايا الآباء في تجربة الاعتقال السياسي.
نحن هنا أمام تقابل بنيوي بين الآباء والأبناء وصورتين تتداخلان وتفترقان في الطرق السيارة (الإعلام الأنترنت…) .ثمة صورة جميلة يقدمها الكاتب في المظاهرة التضامنية مع الشعب العراقي والفلسطيني، تتذكر إحدى شابات الحركة، تلك التظاهرات رفقة أمها التي تحمل صورة الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات، هي لا تعرفه لصغر سنها. صورة أخرى لأبيها الذي كان ينتقد ويسب الزعيم لكن، حين استشهاده بكى، تأ لم للفقدان كأن الفقدان هو إيقاظ الذاكرة ( ص 115 118 ) . وهي نفس الصورة تقريبا لشخصية يسارية عبرت النص الروائي، أعني شخصية يوسف الذي قضى في السجن أربع عشرة سنة، والذي حلم رفاقه ببناء ضريح له لكونه شيخ اليساريين، ومات يوسف قبل سنة من بداية الحركة، ودفن بمقبرة الشهداء، إلا أن الأصدقاء بنوا ضريحه بين الصور والذكريات (ص 50 (
ثمة صورة أخرى لأحد شباب الحركة (ياسر) الذي سمته أمه بهذا الاسم تيمنا بالزعيم الفلسطيني ياسر عرفات ـ وإن كان أبوه يرغب في تسميته بكارلوس لكن دفاتر الحالة المدنية لم تقبله ـ إلا أنه يعيش تمزقا نفسيا بين موقفه المدافع عن الحركة، وإحراجا يسببه له وضع خاله المنتمي إلى حزب يميني .
صورة أخرى بين سي أحمد وابنه حسن، الأول الذي يخاف من السياسة باحثا عن راحة دماغه، وابنه الذي ظهر على الفايسبوك كزعيم سياسي .إنه تمزق مزدوج مثل تمزقات أخرى تظهر وتختفي في مرايا أخرى من الرواية.
لقد قلنا سابقا أن عبد الإله بلقزيز برع في هندسة شخوصه والتي وإن كان يحاول إقناعنا منذ الصفحة ما قبل الأولى للرواية- أنها شخوص متخيلة كما لوكان يتهرب من أي لقاء ممكن بين هذه الشخصية المتخيلة والواقع. رغم القول / التمهيد فإن الرواية تنبني على الواقع والتخييلي. كأن هذا الأخير هو عمارة للثاني وكأن الثاني لا يستقيم إلا بترسيمة تخييلية للأول. لكن، شخوص الرواية شخوص اجتماعية وليست إديولوجية بتعبير ‘جورج لوكاتش’ لذا حرص الكاتب على بيان ذلك أكثر من مرة بتحديد مهنة الأب ولو بتلك المهنة الوضيعة لأب توفيق (الإسكافي)، إذن فهو يقيم هذه الشبكة بملح الحب والغرام، خصوصا بين العلاقات السابقة في اليسار المغربي أو في الظلال التي خلفته (علاقة أمجد بنبيلة) بالإضافة إلى نشدان هذا المنفلت للعلاقات الإنسانية، في زمن لم يعد فيه لهذه الكلمة معنى .
ثمة الشخوص المدشنة للحركة كحسن أمجد ياسر وليد مريم إيمان نبيلة توفيق وآخرين يظهرون ويختفون على طول الرواية، كل شاب يقدم صورته بنفسه أو بصوت سارد آخر وهم كلهم ينتمون إلى عائلات متوسطة باستثناء توفيق ،كأن الكاتب يحاول وضع صورة اجتماعية لحركة 20 فبراير كأنها حركة بدون قيادة تقليدية، وبدون عقيدة حزبية، إنهم خارج هذا كله. خليط من الشعارات التي فجرتها الجموع المحتشدة في شوارع العاصمة من الاحتجاج، ضد الفساد والاستبداد والمطالبة بالإصلاحات الدستورية (ملكية برلمانية)، أو الثورة على المخزن كما وقع في تونس ومصر وليبيا.تختلف طموحات الشباب وأطروحاتهم، كما يقاس احتجاجهم وتمردهم بما تناقلته وسائل الإعلام المطالبة بالإصلاحات الدستورية (ملكية برلمانية)، أو الثورة على المخزن كما وقع في تونس ومصر وليبيا. تختلف طموحات الشباب وأطروحاتهم كما يقاس احتجاجهم وتمردهم بما تناقلته وسائل الإعلام العربية والدولية، ولعل محاكمة قناة الجزيرة ص 208 209 أو مناقشة الأحزاب السياسية التي ذكرها بتفصيل لخير دليل على ذلك . يمكن للقارئ المتتبع للحياة السياسية بالمغرب أن يجد لها ما يقابلها على مستوى الواقع’ جماعة الإقساط والبر ‘ حزب الطريق ،وحزب التحالف ،وحزب المقدمة، وحزب التحرير، والحزب التقدمي، وحزب الخواص ،وحزب الأمس واليوم، وحزب الفصول الأربعة…
من هنا ربما وصل الكاتب إلى مشكلة بين إعلانه أسماء الأحزاب بوضوح أو التلويح إليها كإشارة لوضوحها.
إن النقاش الذي خاضته الحركة بين شبيبتها المناضلة في ذاكرة / تنسيقية معينة وعلى الفايس بوك حول موقف تلك الأحزاب بين رافض لها أو متحفظ عليها، أو في وضع مسافة بين الحركة وتلك الأحزاب هو ما جعل لشبيبة اليوم دورا سياسيا ذي معنى لكن ،بالمقابل ثمة موقف تجاه حصاد الحركة، المستفيدين من هذا الحراك الثوري الذي ترسخ في زمنه في المدن المغربية . هل فشلت الحركة ؟ هل ضاع كل شيء؟ هل استيقظ الشباب من الأوهام والأحلام التي صورت ووجهت حركتهم؟ أم أن الأمر يفيد الصدام الصامت بين المخزن والمطبلين له وبين شباب الحركة. هنا ستتفجر تلك الشبكات العلائقية بين الشخوص (المقابلة الصحافية مع أمجد والمضاعفات التي خلفتها عند رفاقه) والموقف الأخير لحسن الذي يعلن أنه أصبح واقعيا أكثر مما كان في السابق، كأن الفصل بين الواقعي الرومانسي / الطوباوي هو البؤرة التاوية الظاهرة في النص ككل.
من الصعب لقارئ هذه الرواية ان يضبط جميع شخوصها، وأن يسير وفق بوصلة أحادية. ربما لأن تلك البوصلة شتات النور والمواقف والمواقع من المعتدل الناضج إلى المتطرف، إلى المتهورإلى الانتهازي إلى .. إلى ..إلى…
إن الرواية تضع حركة 20 فبراير في سكانير تخييلي محكم كأن قراءتها هي السير وفق الاحتجاج الذي رسمته لنفسها بل، ووفق المآل الذي حصلت عليه. هي رواية تجذب قارءها المغربي لقراءتها ليس لأن مصر وتونس وليبيا أنتجوا ساعات الثورة روايات وأفلاما سنمائية ومسلسلات تلفزيونية، بل في ذلك الإيقاع الذي رسمته لنفسها بين لحظتين، لحظة السبعينيات من القرن الماضي ولحظة ‘الشعب يريد إسقاط الفساد’. يتفاعل القارئ بين هذا وذاك في إيقاع مدوخ يليق معه النظر إلى العالم أو بالأحرى التأمل في الذات المنكسرة بين الرومانسي والواقعي، بين الحلم والوهم، هذا التمزق الذي تشيده الرواية لشخوصها هو تمزق الأنا الجمعية، هذا المسكوت عنه الذي نحجبه ونعلنه ننشره ونعريه.
تلك هي المدارات التي تدور فيها الرواية والتي أبدع فيها عبد الإله بلقزيز بكثير من الحيل. المسألة ليست سهلة. المسألة تتطلب صبرا مضاعفا لكتابتها. هذا ما يفيد متابعة الكاتب لنشيد الاحتجاج كل يوم أحد بالبيضاء والرباط كأن الرواية سكنته، كأن الوحم أسره في متابعة نقاشات الحركة وأوجاعها بل وتمزقات أوهامها.

*عبد الإله بلقزيز، منتدى المعارف، بيروت، 2012

كاتب وباحث من المغرب
[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية