كانت في العراق مقاه في كلّ محافظة عراقية أن لم تكن في كل مدينة، وربما أكثر من مقهى خاص في خمسينيات وستينيات وسبعينيات القرن الماضي، حين كان لكل حزب أو تجمع في هذه المدينة أو تلك مقهى لتجمّعه أو لمريديه ومنه تخرج القامات الأدبية، سواء بالشعر أو الخطابة أو القصة وحتى المسرح.. لكن الحال تغير بعد بدء الحروب في العراق منذ عام 1980، حيث أصبح أغلب رواد المقاهي جنودا يساقون إلى الحروب ولتأتي هذه الحقبة الجديدة ما بعد عام 2003 لتقلل من فعل المقاهي الثقافية وأهميتها، وليندرج الرواد في أمور أخرى كالسياسة والدين، ربما في المقاهي ذاتها، وهو ما يوضح تراجع الثقافة التي تعد هذه الأماكن واحدة من علامات فعل الوعي لدى الكثير من الشباب، حيث يكون المقهى المكان الأرحب لتلاقي الأجيال بعيدا عن الرسميات فكلمة المقهى تعني الراحة والحرية.
وقد صدر العديد من الكتب عن المقاهي في العراق، لكن لا أحد كتب عن فعل الرصيف وتأثيره أيضا على الفعل الثقافي.. وهو ما انبرى له الروائي والكاتب علاء مشذوب متصديا لتوثيق الحراك الثقافي الذي شهدته مدينة كربلاء ليس لكون الرصيف هو المكان البديل عن المقهى، بل لكون الرصيف صار علامة للقاء الكثير من الأدباء والمثقفين ومن مختلف الأجيال لحصول نقاشات مختلفة سواء منها في الثقافة أو السياسة أو الدين، حتى أن الكثير من الأرصفة جذبت العديد من الشباب ليكونوا أدباء أو مفكرين أو حتى كتابا وصحافيين.
في كتاب علاء مشذوب الذي يحمل عنوان «رصيف الثقافة» الذي صدر قبل أسابيع عن دار تموز في سوريا، وبعنوان آخر فرعي هو الأكثر أهمية «الثقافة من الرسمي إلى الشعبي» الذي يعد محاولة لتسجيل جزء من ذاكرة المدينة الثقافية، لتكون شاهدا على الحاضر الثقافي، بعد أن ضاع أغلب ماضيه وسط ضجيج صنوج الحروب وجوع الحصار وتساقط كثير من فراشات الثقافة الأدبية السردية (الشعر، النثر، النقد، الفلسفة، التشكيل، الموسيقى) ولأن مدينة كربلاء المعروفة بقدسيتها إلا أن لها محمولا ثقافيا مدنيا متنوعا سواء في الأدب أو الموسيقى والمسرح فهي أيضا لم تزل كمدينة قديمة تحتفظ ببعض شواهد الماضي الممزوج بالحاضر.
التناص مع المكان هو محاولة لنقل الهامش الشفاهي ليكون مدونا وتبيان تأثيره على الوسط الثقافي.
نقل اليومي
الكتاب قد يبدو على شكل يوميات منتقاة من جلسات يومية تعقد على أحد الأرصفة القريبة، سواء تلك القريبة من مكتبة لبيع الكتب أو مقهى رواده عامة الناس فيتخذ الأدباء والمثقفون جانبا من الرصيف لعقد جلساتهم بشكل شبه يومي إن لم يكن يوميا، ولكن الوجوه تتغير.. وكما يقول مؤلفه مشذوب إن «الجلسات الثقافية انعقدت بدون تخطيط مسبق، وربما بتخطيط مسبق، إذ كنا باستمرار نبحث عن مكان حر يجمع المثقفين من أهل المدينة، سواء أكانوا من سكنتها، أو من أحيائها الذين نبت ريشهم عند ابن الفهد الحلي، أو في جمعية المصورين، أو في منتدى الأدباء للشباب، وانبثق من هذه الأماكن الثلاثة اتحاد الأدباء، ومن ثم أصبح إشعاعا لمؤسسات المجتمع المدني» إنه بمعنى آخر تمكن الكاتب بلمحة ذكية من تأطير هذه اللقاءات بشكل سردي لما يحصل في هذه اللقاءات التي تجري على الرصيف.. سواء أكانت تلك النقاشات ثقافية أم سياسية، تلك التي حبل بها الواقع العراقي وانجب واقعا سياسيا ودينيا مأزوما خلق الكثير من التعصب الفكري الذي جاء بـ«داعش» وما جاورها.
حصل الكتاب على أول حفل توقيع على الرصيف كنوع من الاحتفاء. التناص مع المكان هو محاولة لنقل الهامش الشفاهي ليكون مدونا وتبيان تأثيره على الوسط الثقافي.. الكتاب قدّم له الشاعر العراقي باسم فرات حيث يقول «(رصيف الثقافة) تدوين لما يظنه كثير من الناس هامشيّا، فحديث المقاهي لا يُحتفى به عادة مع الأسف، وبذلك تضيع نقاشات وومضات ثقافية ساخنة بسبب إيمان معظم الناس بأنها غير مجدية لتدخل حيز التدوين»، ويضيف فرات أن الكاتب علاء مشذوب «دوّن تفاصيل بعض النقاشات، ليُعطي صورة واضحة لما يمكن أن نطلق عليه ثقافة الهامش، أو المهمل، إذ أن التركيز في ثقافتنا العربية على الثقافة الرسمية حتى التي تزعم أنها معارضة للنسق، أعني بالمعارضة للثقافة الحزبية والثقافة المنضوية تحت مؤسسات الحكومة، فهي تركز على النسق ذاته، أي عدم الاهتمام بالهامشي والنظر إلى فعاليات المقاهي والأرصفة نظرة دونية، لقد خسرنا كثيرا بعدم تدوين ثقافة الرصيف». وهو ما يعطي أهمية للعنوان الثاني الذي حمله الكتاب «الثقافة من الرسمي إلى الشعبي» بمعنى الابتعاد عما هو رسمي كمركز وضوء والاهتمام بالهامش كونه صاغ الثقافة بمفهومها الواعي لأن المركز دائما هي السلطة والقلة والهامش هي الفعل والكثيرة.
لماذا الكتاب؟
هو سؤال طرحه مشذوب في مقدمته كتبرير اجتهادي مهم باعتبار أن المقاهي كانت مدارس ثقافية لشرائح عديدة، سواء الحزبية أو غير الحزبية تلتقي وتناقش ما يحصل بينها من معلومات عن طريق الصحف أو التلفزيون أو أي وسيلة أخرى، فنتج عن ذلك كما يقول «جماعات وفرق وتكتلات وانتماءات، وتنبثق منها مشاريع ثقافية لاستصدار مجلة أو جريدة أو بزوغ نسق شعري أو قصصي أو حتى إعلامي أو منتدى ثقافي». ويضيف «كانت المقاهي الرئة الثقافية للعراقيين المثقفين هي الرئة التي يستنشقون فيها آخر صيحات الأدب وصرعات الشعر ومدارس النقد وفنون القص والروي، كما يستقصون آخر الأخبار الإعلامية والفنية، ولذلك كان المشهد الثقافي يتغذى على ما تنتجه اجتماعات المقاهي للمثقفين بكل طوائفهم وانتماءاتهم»، لكنه يقول في المقدمة إنه بعد «عام 2003 اختلف المشهد الثقافي تماما، إذ لم تعد المقاهي القديمة التي اندثر أغلبها، وما بقى منها لم تعد أمكنة ثقافية مختصة بشريحة معينة من الشيوعيين أو البعثيين أو القوميين… لم يعد يُقرأ فيها المجلات والجرائد» لينتهي بطرح سؤال مهم له علاقة بالتطور الثقافي والنوعي في العراق بعد هذه الحقبة التي يعيشها العراقيون «هل انتهى زمن المقاهي الثقافية؟ هل انتهت الملاحق الثقافية في الصحف، واقتصرت على صفحة واحدة داخل الجريدة»
عمومية المواضيع المطروحة وتنوعها ومساهمة أغلب الحاضرين بالرأي وعدم التصنع بالحديث. مع بساطة الطرح. وأن الرصيف هو نزعُ المثقفين لأقنعتهم، وتنطعهم باللغة العربية الفصحى.
قسمان وأجزاء
الكتاب ضم إضافة إلى مقدمة فرات قسمين الأول حمل عنوان «الرصيف ومقاربات تاريخية» وفيه خمسة أجزاء، ثم الفصل الثاني الذي حمل عنوان «حكايات على رصيف الثقافة» وهو الأهم في تبويب العلاقة بين المتن والعنوان، وضم22 جزءا تنقّل فيها الكاتب نفسه، ومن خلال وجهة نظرة عن الأمكنة التي تواجد فيها حصريا كالأرصفة والمكتبات والمقاهي، فضلا عن النقاشات التي يتم تداولها في هذه اللقاءات من نكات واستفزازات وحوارات دينية وإلحادية وصوفية ووعود السياسيين والشعر والسرد، وحتى أسماء بعض الشخصيات المؤثرة.. والكتاب ينقل ما دار من نقاشات شفاهية ليحولها إلى متن في الكتاب محافظا، كما يعتقد على عدم ضياعها كونها إرث المدينة الثقافي والوجه الأنصع في تطوير الوعي الإنساني.
جاء الكتاب بصورة أكاديمية كون المؤلف أستاذا وأكاديميا لذا شهد خاتمة لإعلان ما توصل إليه في الكتاب منها أن رصيف الثقافة في أحد أوجهه توثيق للظاهرة الثقافية في المجتمع الكربلائي. وعمومية المواضيع المطروحة وتنوعها ومساهمة أغلب الحاضرين بالرأي وعدم التصنع بالحديث. مع بساطة الطرح. وأن الرصيف هو نزعُ المثقفين لأقنعتهم، وتنطعهم باللغة العربية الفصحى. وشمول المواضيع المطروحة على النكتة والفكاهة، فضلا عن تمتع هذه الأماكن بالحضور المتنوع من مشارب مختلفة (البسيط، المتدين، العلماني، الشيوعي، الليبرالي، اللاديني). والذي يتمتع بالتماس المباشر مع الناس والفقراء. وتسليط الضوء على الكتب الثقافية (الفكرية، الفلسفية، الروائية، النقدية) مثلما تتضمن الكثير من الجلسات الوقوف على أطلال الطفولة والماضي، إضافة إلى أن الحاضرين لا يداري الكثير منهم عقدهم الشخصية (الأسرية، العاطفية، الاجتماعية)، ومثلها طموحاتهم السياسية. فضلا إلى التوصل إلى نتيجة هي تجلي المازوشية بشكل جلي من خلال الحنين للماضي، لأيام الملكية. مع اختلاف الزمان والمكان والظروف، إلا أن الشخصية العراقية لم تفارق تناشزها، والكشف عن وجود وجود ظاهرة الإلحاد بين المثقفين.
٭ روائي عراقي