رضا بنعيم… بعيدا عن «العشائر الفنية»!

عبد العزيز بنعبو
حجم الخط
0

الرباط – «القدس العربي»: يشتغل الفنان المسرحي المغربي رضا بنعيم حاليا في أعمال من إنجاز فرق مسرحية مستفيدة من برنامج وزارة الشباب والثقافة والتواصل ـ قطاع الثقافة ـ لدعم المشاريع الثقافية والفنية، التي سيتم تقديمها في المسارح المغربية، ابتداء من شهر أيلول/ سبتمبر.
ويختصر رضا تجربته الفنية في محطات عديدة، مسرحية بالأساس، لأن الركح هو عشقه الأول والأخير، مع بعض التنويعات، من قبيل مسلسلات ترك بصمته فيها. ويسترجع بداية ارتباطه بأبي الفنون والتمثيل فوق الخشبة سنة 1998، وهو في الخامسة عشرة من عمره.
يقول في حوار مع «القدس العربي»، إن الصدفة لعبت دورها عندما اكتشف دارا للشباب في المنطقة التي ترعرع فيها، وهي «سباتة» في العاصمة الاقتصادية الدار البيضاء، مضيفا: «منذ ذلك الحين لم أتوقف عن ممارسة المسرح». لكنه يستدرك ليعلن عن بداية مرحلة جديدة في مسيرته الفنية، وهي مرحلة دراسته في المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي في الرباط سنة 2004، مؤكدا أنها «محطة مهمة» في مساره الفني، لأنه تيقن حينها أنه اتخذ قرارا لا رجعة فيه: «سأكرس حياتي لهذا الشغف».
حديثه عن المعهد جره إلى تجربة برفقة زملائه الطلبة آنذاك، تمثلت في ورشة حرة داخل المعهد بالموازاة مع البرنامج الأكاديمي، وكانت النواة الأولى لتأسيس فرقة «مسرح داها – واسا» (وتعني بالأمازيغية هنا – الآن) تحت قيادة الفنان والمخرج المسرحي أحمد حمود. ويصفها رضا بنعيم بأنها «كانت بمثابة مختبر مسرحي يعنى بالتجريب بالدرجة الأولى والانفتاح على التجارب المسرحية العالمية الجادة». ويضيف بحسرة: «للأسف المختبر متوقف منذ سنة 2016، بسبب المسيطرين الذين اعتبروا تلك التجربة ليست مسرحا، خاصة من يعتبرون أنفسهم ذوي الاختصاص». لكنه يؤكد أن توقف التجربة «لا يعني أن اشتغالي على آلتي المسرحية قد توقف، فأنا دائم الحرص على جاهزية جسدي وصوتي وصفاء ذهني، وهي بالنسبة لي عناصر أساسية لدى الممثل لكي يكون مخلصا لإبداعه».
بعد «داها – واسا»، انخرط رضا بنعيم سنة 2023 في تجربة مسرحية أخرى جادة هي، مؤسسة «أرض الشاون للثقافات» تحت القيادة الفنية للفنان والمخرج ياسين أحجام. ويعتبر نفسه محظوظا، لأن التجربتين مكنتاه من «الاشتغال ضمن بعض التجارب المسرحية، التي تؤمن بالعمل الجاد والمتواصل على قلتها، أذكر منها على سبيل المثال مسرح أفروديت مع المخرج عبد المجيد الهواس، ومسرح الأكواريوم مع المخرجة نعيمة زيطان، ومسرح الشامات مع المخرج بوسلهام الضعيف».

تبدو بطاقة الهوية الفنية لرضا بنعيم واضحة: مسرحية مئة في المئة. وعند سؤاله عن حال المسرح معه، يجيب: «المسرح يكنّ لي حبا بقدر حبي واحترامي له، بل وأكثر من ذلك. المسرح هو شغفي الأسمى وشغلي الشاغل، هو نمط حياتي. ولأنني أعتبر المسرح كائنا مستقلا بذاته، فأنا أؤمن بأن من تهبه حياتك بهذا الشكل لن يعاملك إلا بالمثل أو أكثر». ويضيف: «حال المسرح معي جيد جدا، نكرم بعضنا بعضا، دون أن يطمع أحدنا في تملك الآخر، علاقة شخصين ناضجين يحاولان استكشاف أغوار هذا الوجود المليء بالغموض».
وحول مسألة الانتماء لفئة أو عشيرة فنية، يوضح بنعيم: «أن أكون مصنفا في خانة ما، فكرة تشعرني بالذعر والجزع، فبالنسبة لي الفن مجال للحرية، والفنان صوت حر». لكنه يستدرك قائلا: «للأسف، واقعنا الحالي يفرض مسالك أخرى تعتمد بالأساس على العلاقات المزيفة والانتماء لعشائر مسرحية ونقابية ظاهرها النهوض بالمشهد المسرحي، لكن واقعها الربح المادي الشخصي والتسلق السريع». ويتابع: «لا أعمم، لكنني أعايش أمثلة عديدة من جيلي من الفنانين والمناضلين، الذين كانوا في وقت ما يدافعون عن قضايا عامة، لكنهم استسلموا عندما وجدوا مسالك تشبع رغباتهم المادية الشخصية. لا أحب إصدار أحكام اتجاه هؤلاء، أؤمن بالحرية وهم أحرار، لكن المؤسف أن يصبحوا أسلحة ضد كل من لا يقبل الانتماء لعشائرهم. هؤلاء نماذج وليسوا فنانين، لأن الفنان الحقيقي لا يقبل بأن يكون أداة تخدم أجندات ضيقة تغني الأرصدة البنكية أكثر من إغناء المشهد الثقافي». وعن وضعية الفنان الاقتصادية، قال: «هناك تطور طفيف جدا بالنسبة لمن يعملون في التلفزيون، بحكم الزيادة النسبية في الإنتاجات مقارنة بسنوات ماضية، لكن الأمر يتطلب تنازلات عن قيم إنسانية، ورغم ذلك أحترم أصحاب هذا الاختيار، خصوصا الواعين منهم الذين يشتغلون بصدق داخل هذه الماكينة الشائكة». ويرى أن الوضع عموما «لا يتجاوز البحث عن منافذ للعيش»، مضيفا: «أنا ضد تلك الصورة النمطية التي تكرّس فكرة أن الفنان المثقف الواعي صاحب المبادئ هو دائما إنسان فقير وزاهد. بالعكس، وجب توفير ظروف اقتصادية محترمة للفنان، لكي يبدع بأريحية، وحتى لا يضطر لبيع أفكاره الخلاقة بأبخس الأثمان داخل أوسخ الأسواق».
أما بخصوص الجدل الرقمي الذي كان طرفا فيه على مواقع التواصل الاجتماعي، فيوضح: «ما دمت لم أخطئ في حق أحد فليس لدي ما أخفيه، وإن أخطأت فلا يحرجني الاعتذار. الجدل ابتدأ من تدوينة على فيسبوك، أبديت فيها رأيا بخصوص مشروع إعادة إحياء وتنشيط المواقع الأثرية في المغرب، واعتبرت أنه يجب أن يستفيد أكبر عدد ممكن من الفنانين، بدل احتكار ثلة قليلة برواتب جد مرتفعة. هذه التدوينة أزعجت أحد المستفيدين، فاختلق جدلا معتبرا أنها تستهدفه». ويروي أنه في إحدى النسخ السابقة من المشروع طُلب من الممثلين تقديم عروض إضافية مجّانا خارج العقد، ولما رفض مع زميل له، سمع أحد المسيطرين يقول: «هادو ما يعاودوش يضربو فيها الضربة»، أي لن يتم تشغيلهم مرة أخرى. «هذا كان دافعا لكتابة تدوينة أخرى مضمونها: إما أن تنبطح أو تكون خارج دائرة المستفيدين».
ويرى بنعيم أن رفض النقد من طرف بعض الفنانين، «موضوع حساس جدا ومؤثر، إذ يعتبر كثيرون نقد العمل الفني ضربا في شخص الفنان، في حين أن النقد في المجتمعات الواعية مسألة إيجابية». ويعزو ذلك إلى «انتفاخ الأنا لدى أغلب فنانينا»، مضيفا أن «الفنان الحقيقي يجعل الأنا تنصهر داخل المجموعة لإنتاج فن يخاطب الإنسان في شموليته». وبشأن تطوير المشهد الفني، يؤكد: «المشهد الفني وإعادة الاعتبار للفنان مسألة ثابتة لا تتحرك، بل في تراجع. هناك اهتمام بالكم وتجاهل للكيف». ويجزم: «من دون إرادة مؤسساتية واضحة لن نتمكن من التطوير، ولن نصل إلى الهدف ما دامت هناك نماذج عندما تعتلي مناصب القرار تنجرف وراء أهوائها الشخصية المادية التي تنتهي صلاحيتها بانتهاء الدورة الانتخابية». وعن حلمه على الخشبة أو أمام الكاميرا، يختتم رضا بنعيم: «في تلك اللحظة لا أملك الوقت للحلم أو التفكير، لا في المستقبل ولا الماضي. كل ما أدركه أن جوارحي بصدد التعبير عن نفسها في اللحظة والحين، أن أعضائي الداخلية تقوم بمهامها على أعلى مستوى، وأن ذهني صاف مهما كان ذهن الشخصية التي أتقمصها مشوشا».

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية