كانا لا يملكان ثمن أضحية العيد عند أدائهما فريضة الحج، وفي أثناء بحثهما عن مخرج يرضي الله أو يرضيهما، وجدا حاجّاً شيخاً كبيراً يقف وبجواره أضحيته منتظراً معونة من أحد يقوم بالذبح بدلاً عنه، اقترب أحدهما منه متبرعاً للقيام بالمهمة، فأمسك بالأضحية و وجّه وجهه تلقاء السماء هامساً: يا رب تقبّلها مني، فما كان من رفيقه إلا أن أسرع إلى صاحب الأضحية مبلّغا: إنه يقدّمها لله عنه لا عنك، فابتسم الشيخ الكبير بكل ثقة قائلاً: بس ربك بيعرف مين اللي دفع المصاري!
لعل حكومتنا لا تتوانى عن تذكرينا دوماً بأننا ظل خطاها وغمد سيفها، ولا تفتأ تجتهد بالتأكيد على ذلك في المحافل الدولية و’القعدات’ المحلية، وأظنها لا تغفل عن تقديس واجبنا، على اعتبار أن ‘الحال واحد’، فهي الشعب وربما يكون الشعب هي، والأمر لا يختلف كثيراً عند توزيع الحقوق، فالمواطن يأخذ حقه الكامل أيضاً من الضنك والحاجة و’خربان البيت’، فهو في كل الظروف يدفع ثمن القربان لله والوطن وإن لم يقدمه بنفسه. الجميع يعلم تمام العلم أننا لا نملك دولة مستقلة ولا شبه مستقلة، وبالتالي فإن اقتصادنا تابع لمن نحن تابعون لهم سياسياً، وأن ميزانية السلطة الفلسطينية السنوية ما هي إلا حصّالة مثقوبة من جميع الأطراف، فإسرائيل تضع فيها تحصيل الضرائب من جهة والدول المانحة تضع مساعداتها من جهة أخرى، وصدقات الدول العربية من جهة ثالثة، والقروض الدولية تمد يدها من جل الجهات، فإذا ما اشتكى منها ثقب تداعت له الحصالة كاملة بالانسداد عنا يقال إن الحديث عن الهم يقلل من أثره على النفس، وبما أن حكومتنا أعزها الله وإياكم لا تترك همٍ ينعقد على قلبها في هذا الصدد إلا وأعلنته لنا من باب التفريغ العاطفي، فإننا سنجرب أن نتبادل معها الدور لمرة واحدة.. وهذا ليس وعداً- السواد الأعظم من المواطنين يتجه إلى القطاع الحكومي طلباً للوظيفة الحكومية، فلا تجارة حرة ولا صناعة متمكنة ولا سياحة مزدهرة ولا قطاع خاص جذّاب، مما يعني أن ما يزيد عن نصف الشعب يضع نفسه في خدمة مؤسسات الدولة المتعددة، فمما يدعو للعجب أن أول ما يتبادر إلى ذهن دولتنا هو أن تلوح بقطع الرواتب عن موظفيها فحسب في حال تردي الوضع المتردي دائماً!- الأزمة الاقتصادية طلت برأسها منذ عام 2006، مع ذلك فإن الحكومة ومع مطلع كل شهر تنذر بمجيء الأزمة وكأنها المرة الأولى والفتاكة، فهل يعني ذلك أن الأزمة تولد مع ولادة استحقاق رواتب الموظفين وتموت بانقضاء الأمر أم أن الأزمة تأتينا بالتقسيط المريح؟- حصل ما تزيد نسبتهم عن الـ 60’ من الموظفين على قروض بنكية استهلاكية (وذلك بفضل التسهيلات البنكية!) مما يعني أن أنصاف رواتب البعض سوف تحوّل لتسديد هذه القروض فضلاً عن تسديد الديون غير البنكية فإذا ما تم تنفيذ الوعيد في شهر ما وانقطع المدد المالي الشهري فلا ملجأ من النار إلا اللظى، وذاك ما لم يحدث إلى الآن ولعله لن يحدث، إذ أظن أن الرسالة المرادة منه كافية لكل مستفسر!- ومما يثير رغبة البكاء والضحك معاً أن الأزمات المالية باتت تتناسب مع المواسم إيجاباً، فهي تحلّ قبل الأعياد وبدأ الدراسة ورمضان أيضاً، وتنقضي مع مجيئها، فيا سبحان الكريم الوهّاب، أهي كرامة للإدارة المالية أم استجابة لتضرّع المعوزين الحكوميين؟!- سلّمنا بالقضاء أن الحكومة لا يد لها ولا إصبع فيما يبتلى به موظفها من قحط شهري، ولكنني وإن استطعت أن أتفهّم دور القدر في أن لا يتجاوز متوسط دخل الفرد الفلسطيني 93 دولاراً شهرياً، فلن أستطيع على الإطلاق أن أتفهّم دور ‘العدل’ في أن يتجاوز سعر الكيلو غرام الواحد من الخبز دولاراً وخُمس الدولار تقريباً، فإن لم تقدر – هي – أن تقدم له أسباباً للانتصار في معركة بقائه فلا بد أنها تقدر على منع أنياب الغلاء الحادة من تمزيق ما تبقى لديه من جلد وعظم، وذلك أضعف التأمين – إذا جارت الظروف السياسية والاقتصادية على الجميع كان ذاك من الإنصاف، ولكن هل هذا ما يحدث أم أن الجور يختص الفئة ذاتها في كل مرة؟ سؤال عابر لا محل له من الإدانةحكومتنا أحكم من أن تضعنا أمام ألغاز لا مفاز من الوقوف عندها مطولاً، فهي على الأرجح ستكون لشعبها الصدر المتسع كي لا يبحث عن الحنان عند سواها! وهي لن توصلنا أبداً لأن نقول: رضينا بالحكومة والحكومة ما رضيت فينا!
هند دويكات