‘رعاة الريح’لإبراهيم زعرور : مزيج السرد الغرائبي والواقعي

حجم الخط
0

د. إبراهيم خليل رعاة الريح رواية جديدة لإبراهيم زعرور، بعد روايته ذئب الماء الأبيض. والرواية الصادرة عن دار فضاءات بعمان تروي محكيَّها بأسلوبٍ يتجنب التصريح تارة، ويتعمّد التلميح تارة. رواية تحكي حكاية الطفل الفلسطيني ذي الأعوام الثمانية، الذي يرْبضُ مع كلبه شير- وهو اسمٌ قيل: إنه يطلق على الأسد في زاغروس- على صخرة ناتئة مطلة على ‘العين’ التي تحمل اسْم ‘فديع’ وهو بحسب الأسطورة التي رواها المتكلم عن نشأة القرية، نقلا عن جَدّه- اسمُ الجنيّ الذي احتفر تلك العين قبل أنْ يسمع صوت الأذان، فيولي مختفيًا، تاركًا في موطئ قدمه ما يشبه الجابية، التي عُرفتْ باسم ‘الرّان’. تمتد خيوط هذه الرواية عبْر أشخاص عدة تجري لهم وقائع، وحوادث، فهم يتذكرون.. في مقدّمتهم الجد الذي يسميه (مؤمن) والصياد عطية، الذي يُعرف باسم آخر هو (طايل) وشاهين، وآخرون.. ممن يلاحظ القارئ في أسمائهم تجانسًا مُعيّنًًا، فهي من أسْماء الجوارح: صقر، باشق، شاهين.. وبتراكم الحوادث يتسع أفقُ السارد، ويتسع الفضاء الذي ترتكز عليهِ الرواية، فبدلا من أن تظلَّ الحكاية حبيسة الأجواء في القرية العزلاء، المنسسية، نراها تمتدُّ لتشمل الوطن بأسْره، وبدلا من أنْ تقتصر على مرْويّات الطفل، نجدها تستوعبُ، فيما يشبه التناصّ، حكاياتٍ أسطورية، وتاريخية، وتوراتية، مع الاتكاء على مخزون الذاكرة الشعبية، اتكاءً يضع العلاقات الاجتماعية، والإنسانية، في دائرة الضوء. تضاف إلى ذلك حكاية (صابحة) المهبولة، التي حملتْ، وهي بكـْرٌ، مما اضطرّ صايل للزواج منها ليستر عليها، ويخفي عارَها، مثلما ُيقال. وموضوع ‘ الغلة ‘ التي فقد أهل القرية نصيبهم منها بعد قيام الدولة العبرية، وإنشاء الخط الحرام الذي فصل بين قرية ‘ العيون ‘ وقرية (ميم) ربما كانت مَجدّو، وبعد المغامرة الخطرة التي قام بها الراوي نفسه بناء على طلب من الجدّ، والصياد، لإقناع الفريق الذي خلف الخط الحرام، بإرسال (حصة) الفريق الثاني الذي أصبح في المنطقة العربية من فلسطين، وبعد تكرار المغامرة، والاعتداء الذي تعرض له كل من طايل، وصقر، وشاهين، على أيدي الجنود الإسرائيليّين، بسبب وشاية عميل لهم، بعد هذا كله، ونتيجة الإحساس بالخيبة، التي شعر بها الأهالي بقيام الحفارة الإسرائيلية، في الجانب الآخر، بالحفر بحثًا عن مصادر المياه، وبعد أنْ سُرق كلُّ شيء، فوجئ الراوي، بما يشبه السيرك الذي يديرُه أغراب في موقع العين، أي: في المكان الذي اعتاد أهل القرية الاجتماع فيه. فثمة خيْمة كبيرة، وهو لا يعرف ما بداخلها، فدفعه الفضول لدخول الخيمة، لكنَّ الأغرابَ صدّوهُ عن ذلك، ومنعوه من تحقيق ما يرغب فيه، بدافع الفضول، مشترطين عليه تقليم أظافر الكلب(شير) إنْ هو أراد السماح له بالدخول، ورؤية ما في الخيمة من الغريب والعجيب. وعلى الرغم من صعوبة الموافقة على هذا الشرط، إلا أنَّ الراوي تنازل أخيرًا، وتقبَّل على مضض أن تقلم أظافر (شير) الذي يعده رفيقًا لهُ، وسندًا، لا سيّما في الأوقات الحرجة، والصعبة. وافق على ذلك طمعًا في رؤية ما في الخيْمة، ولم يقتصر الأمرُ على هذا، فبعد دخول الخيمة، التي لم يجد فيها سوى صندوق مطعم، أغلق بإحكام، تجدّد لديه الفضول أكثر من السابق، فهو يتوق لرؤية ما فيه توقا شديدًا، والأغراب يكرّرون الشروط بعد أنْ لمسوا ما لديه من استعدادٍ لتقديم التنازلات، فاشترطوا عليه، هذه المرَّة، ألا يفتح الصندوق إلا بعد أن يقتلعوا نيوبَ الكلب (شير) الأربعة. شق عليه بادئ الأمر أنْ يوافق على هذا الشرط، لكنّ طمعه في رؤية، أو معرفة، ما في الصندوق، قاده بعد تردُّدٍ، للموافقة، واقتلعت أنيابُ (شير) الذي ولّى بعد ذلك مُدْبرًا، وفتح الراوي بطلُ الحكاية- الصندوقَ، ليكتشف أنه فارغ، بلْ أفرغ منْ فؤادِ أمّ موسى.

عندئذٍ، يحاول اللحاق بالكلب (شير) الذي أصبح فريسة سهْلة، ميسورة، للكلاب الأخرى، التي راحت تنهشه في كل موضع من جسمه، دون أن يقدر على الدفاع عن نفسه، فقد أصْبح أعزل، مجرّدًا، منزوع السلاح. أليست هذه هي النهاية التي تقود إليها المفاوضات بعد التخلي عن السلاح، وعن الأوراق الأخرى التي يمكن أن تشد أزْر المفاوض؟ رواية زعرور هذه تعبّرُ بالتلميح عن موقفٍ عزاهُ إلى طفل ربما يتجاوز عمره السنوات الثماني. فهو في غير موقع من النص يذكر أنه يتذكر هذا، بمعنى أنه يستعيد ما وقع وجرى عندما كان في ذلك العمر. يقول ‘ نتعقَّب مأساة هذا الرجل (طايل) بالإشاراتِ، والرموز، على إيقاع الرؤى والأحداث.’ ص31 ويقول في موضع آخر: ‘ بعد ذلك بزمن طويل كان مفتش الجمارك يقلب في حقيبتي على نقطة الحدود بين سوريا وتركيا عندما وقع نظري – صدفة – على اسم المركز ‘ باب الهوا ‘. فارتعشتُ.. لقد استدعى إلى الذاكرة ‘ باب الريح ‘.. ‘ص69 وهو اسم مكان في قرية ‘العيون’. ويقول في موضع ثالثٍ ما يأتي: ‘ أعودُ سنتين إلى الوراء، فأرى جدّي قادمًا من الحَنْوة اسْمُ موقع في العيون- بعد ذلك بزمن طويل تذكَّرْتُ في أثناء غربتي محمود البهلول.. ‘ ص96 وهذه الإشارات تنمُّ على حقيقة فنية تتصل بتقنية السرْد، وهي اختلاف زمن القصة عن زمن الحكاية، فالراوي يستعيدُ ما جرى عندما كان في الثامنة، أو نحْوَها، تارةً بعقلية ابن الثامنة، وذاكرته، وتارة بعقلية الراوي الذي يتقمص شخصية ابن الثامنة، ويتجلى الاختلافُ بين المحكيّيْن في أنَّ الأول يتضمن سردًا للوقائع مثلما جرتْ، وانطبعت في ذاكرة الصبي، دونما تفسير، أو تعليق، أي: دون أنْ تصاحبها وجهة نظر، فهو لا يعدو أن يكون شاهدًا. فيما يصاحِبُ المحكيَّ الثاني شيءٌ من التفسير، والتعليق، غير القليل، الذي يكفي للتعبير عن وجهة نظر، مما يضع القارئ أمام نموذجيْن للراوي، أحدُهما متممٌ للآخر. ويضعُنا أمام مرحلتين من الصراع، إحداهما نتيجة للأولى. ويضعنا أيضًا أمام قارئين، أحدهما ضمْنيٌّ، يخاطبه الراوي مخاطبة القارئ العارف بدقائق المكان، الملمّ ببعض الحوادث، فلأنه قارئ مَحلّي- إذا ساغ التعبير- يعرفُ دلالات الأحداث، والأماكن: فبديع، عين الخروبة، العين الصفرة، لقطان الحمر، المطلة، الحَنْوة، الخِزْرق، الشقيف، الشيخ نصر، قرية(ميم) التي رمز بها لبلدة مجدّو فيما يُظن.. والآخرُ عاديّ (خارجيّ) لا صلة له مباشرة بالحوادث، أو بالمكان. وهذا القارئ – بلا ريب- يلتبسُ وعيه بوعي المؤلف، الذي لم يتجاوز السنوات الثماني، من خلال الاقتباسات الكثيرة، المتناثرة، في الرواية، سواءٌ من التوراة، أم من القرآن الكريم، أم من كتب التاريخ: المسعودي وغيره، أم من كتب المتصوِّفين، أم من حكايات الحيوان ‘الحَجَلةُ والثعلب’، وحكايات أبي حيان التوحيدي، وغيره مما وُضع في النصّ موْضِعَ الرموز التي تتضافر مع بعض الإشارات المفسّرة، كإشارة طايل لحكايته مع البيك، ص151 التي تطرح على القارئ موضوع التفاوت الطبقيّ، وهيمنة العشيرة.

من المسائل اللافتة في نسيج هذه الرواية لجوء الكاتب المتكرر إلى اللهجة العامية في الحوار كثيرًا، وفي السرد قليلا، مما يثقل كاهل القارئ العادي غير الضمْني- ويحول بينهن وبين فهم الكثير من المواقف، سواء أكانت سردية تتعلق بالحوادث، أم وصفية تتعلق بالمكان، أم بالشخوص. فعلى سبيل المثال هذه فقرة يروي فيها تجمع الناس وتقاطرهم من كل حدب، وصوب، لحضور فرح الصابحة وطايل الصياد، يقول: ‘ وفالح الصرعان من السنديانة جاء بديمايته(قمبازه) المقلمة، من خربوشة(خيمته)، عند العين الصفرة (اسم أحد الينابيع)، يتدلى من زناره فرد بربللو مخلّع خشب الكعب، والداموني من أم الدفوف جاء بعصاه المرصعة بالمسامير من أمّ البراغيث(اسم قطعة أرض)، والحواسّ من عين غزال مع جماعة من خربة بسابس.. لم يبق أحد ممن يردون العين – عبارة تحتمل معنيين فهم (ممن يردون العين بمواشيهم) أو( يردون العين الحاسدة)- إلا حضر’ ص126 فأسْماء القرى، والأحواض، والعبارات التي يوصف بها الأشخاصُ، ها هنا، مما ينم على دلالات مُغْرقة في المحليّة، يصعب على قارئ لا يعرف هذا المكان، وثقافته، وهويته، أنْ يستوعبها جيدًا. وذلك، في الواقع، يضع القارئ في جوٍّ غرائبي، تؤكده تلك الشخصيات الأسطورية، والتاريخية، التي تنبثق فجأة في أجواء السرد على شاكلة سيسيرا في حربه الضروس مع العبرانيّين، الذين اغتالوهُ على يديْ المرأة عائيل: ‘ شرب، وتمدد، كان متعبًا، فجاءت عائيل وغطته باللحاف، وأخذت وَتِد الخيمة، وجعلت المَيْتدة في يدها، وقارَتْ (سارت على رؤوس الأصابع)إليه، وضربت الوتد في صدغه، فنفذ منه إلى الأرض.. وهو مثقل بالنوم، ومُتعب. فمات.. ‘ وفي رواية أخرى من سفر القضاة: ‘ مدَّتْ يدها إلى الوتد، وبيمينها إلى مضْراب العملة. وضربت سيسيرا. وسحقت رأسه ‘ ص 92 ونحو ذلك ما أورده عن هزيمة صابور أبي الأكتاف، ملك الفرس، قيْصَرَ الروم، ومحاصرتِهِ في مدينته القسطنطينية، إلا أن قيصر هذا سرعان ما لجأ إلى المكيدة، التي انتهت بتدمير عاصمة الفرس، وقتل منْ فيها من الرعية. ص 41 والإحالاتُ، التي تشيرُ إلى ما امتلأت به ذاكرة الصبيّ من انفتاح على مرويات تاريخية، تتقاطعُ مع الحوادث الجارية زمَن التذكّر، أي: زمن الكتابةِ، وهو الزمن الذي يضطلع فيه الراوي الثاني بمهمّة السرد، كثيرة كثرةً تؤكد اختلاط الغرائبي والعجائبي بالواقعي، وذلك يُضفي على الخطاب مَدْلولاً رمزيًا شفافًا بعيدًا عن الاستغلاق، قريبا من الانسجام، والاتساق.*ناقد وأكاديمي من الأردن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية