رعايا عرايا

حجم الخط
0

شخص الكواكبي قبل قرن من الزمان داء الاستبداد السياسي في كتابه ‘طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد’ كما وصف أقبح أنواعه: استبداد الجهل على العلم واستبداد النفس على العقل، وكان يرى أن المستبد فرد عاجز لا حول ولا قوة إلا بأعوانه أعداء العدل وأنصار الجور وأن تراكم الثروات المفرطة مولد للاستبداد ومضر بأخلاق الأفراد وأن الاستبداد أصل كل فساد. يعيش رعايا الدول العربية (ذات الأنظمة الشمولية) عرايا من حقوقهم وبدء مؤخرا سقوط ورقة التوت عن الحكومات الدكتاتورية بفضل قوة انتشار الإعلام (الميديا) وتكنولوجيا الاتصالات التي كسرت احتكار المعلومة والصورة لتصل للناس، وباتت الأحداث متصلة ولم يعلم التونسي البوعزيزي أن يأسه أضرم فتيل الثورات في كل جسد الأمة العربية قبل أن يشعلها في جسده. فبعد تونس ومصر اليوم نرى القذافي (دون كيشوت) يحارب طواحين شعبه وأوهامه ما زالت تغذي جنون عظمته حتى بات ينعت شعبه بالجرذان والمهلوسين وعلي صالح بات نجم الشاشة المرئية الأول وهو ينعت المعارضة بالأيادي العابثة والمريضة والفاسدة وسورية اليوم تقف على مهب ريح الثورة بعد أربعة عقود من مصادرة الحريات العامة وتنعت المتظاهرين بالمندسين والعصابات وقانون الطوارئ فيها يصادر مستقبل الشعب السوري بمصادرة حريته ليرتهن إلى الفساد معاشا والاستبداد حالا.

هناك خطوط ديمغرافية واقتصادية وسياسية وبنيوية مشتركة بين الدول المنتفضة في مصر وتونس وليبيا واليمن وسورية والأردن وهي أنها رغم تعدد مصادر ثرواتها من نفطية لغازية وموارد بشرية فتية إلا أن اقتصادياتها مشلولة بنسب البطالة المتزايدة فيها والتي تجاوزت حد 15′ بينما بات الفساد كالسرطان يأكل بنيانها بعد أن أفضى قانون الطوارئ فيها لسلطة اللاقانون فتركزت الثروات بيد حفنة قليلة قريبة من حلقات الحكم وهكذا خلقت الايديولوجيات ذات الصبغة الاشتراكية طبقة من البرجوازية الجديدة التي أكلت الأخضر واليابس. والسلطة الأمنية في هذه الدول أنشئت لحماية الأنظمة من شعوبها بدل أن تحافظ على أمن شعوبها كما حدث في قصة الراعي الذي فقد قطيعه، فقد فكر مرة راع شديد الحرص والظن والخوف على قطيعه، أن خير وسيلة لحماية الأغنام هي الإكثار من عدد كلاب الحراسة وكان في كل مرة يزيد عدد كلاب الحراسة حتى اضطر آخر الأمر أن يُطعم نصف قطيعه لكلاب الحراسة.

مؤخرا قالت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون في لقاء تلفزيوني ‘ان كل ثورة عربية فريدة من نوعها’ وطبعا ذلك لتبرير مواقف الإدارة الأمريكية من كل ثورة بما يتناسب مع مصالحها وهذا حقها ولكن حقوق الشعوب العربية في ظل جمهوريات الخوف ما زالت في العتمة وفي العتمة تستوي كل الألوان.

يقول المثل الياباني ‘إن البصيرة بدون فعل تبقى طي الأحلام وأما إذا حصل العكس ولم يتحل العقل ببصيرة فإن ذلك يتحول إلى كابوس’ وآمل أن لا تكون الثورات العربية كابوسا جديدا على المنطقة. فنحن أمام خيارين فإما أن تجهض الثورات العربية نتيجة فقدان البصيرة وإما أننا أمام مرحلة جديدة من الديمقراطيات الناشئة التي سيكون على الدول الغربية وإسرائيل أن تتبنى معايير أعلى في التفاهم معها بعد أن تخرج الشعوب من جلباب الاستبداد. جانبي فروقه

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية