رغبة عارمة للولوج في مشاعر النفس المجروحة والحب الجارف

حجم الخط
0

رغبة عارمة للولوج في مشاعر النفس المجروحة والحب الجارف

فيلم التحامل والكبرياء عن رواية جين أوستن:يحيي القيسيرغبة عارمة للولوج في مشاعر النفس المجروحة والحب الجارفمن يشاهد فيلم Pride & Prejudice ـ المأخوذ عن الرواية الانكليزية الشهيرة لجين أوستن التي تحمل الاسم نفسه، يتأكد بأن صخب الحياة المعاصرة، وماديتها المفرطة، لا يمكن أبدا أن يلغيا ذلك الجزء العاطفي الشفاف في دواخلنا، والرغبة في الاستسلام لحلم رومانسي لذيذ عن تلك الأيام التي خلت، والهدوء الذي كان يكتنفها، ولعل ترجمة مقترحة لهذا العنوان تفضي الي الكبرياء والضيم في مقاربة ايجابية له، أو ربما الغرور والانتقام في مقاربة سلبية.وبالطبع فان أحداث الروية تدور في احدي مناطق الريف الانكليزي، في أواخر القرن الثامن عشر، أما تاريخ الطبعة الأولي للرواية فهي تعود الي العام 1813، وقد لاقت الكثير من الاحتفاء النقدي بها، وطبعت مرارا، اضافة الي تدريسها في معظم جامعات العالم كنموذج للأدب الانكليزي في تلك الحقبة حتي جاء أوان انجازها سينمائيا علي يد المخرج جو رايت في حلة جديدة رغم أنها أنجزت سابقا في عدة أفلام أولها في العام 1940، ومن الواضح أن الفيلم الجديد (انتاج 2005) جاء لافتا للانتباه في قوته، وتفاصيله، وأمينا لما رغبت أن تقوله أوستن أو تعبر عنه، ورغم أن فعل الصورة يظل ّغير فعل الكلمة، الا أن الفيلم السينمائي اذا وقع تحت يد قديرة ومبدعة من المخرجين مثل رايت يمكن أن يضاهي بقوته وعمقه العمل الأدبي، بل يعطيه رونقا خاصا اذ تلعب الموسيقي واللقطات المنتقاة بدقة، وأداء الممثلين وفيض مشاعرهم في تأكيد ذلك.أول ما يشد انتباه مشاهد الفيلم تلك اللقطات غير المنقطعة للكاميرا وهي تجوس في بيت آل بينيت وتنتقل من غرفة الي أخري، ومن مشهد الي آخر في تواصل مستمر للقطة ذاتها، وقد تكررت مثل هذه اللقطات أكثر من مرة في الفيلم، وهذا يدل أولا علي عناية خاصة من المخرج والمصورين في انجاز مثل هذه المشهدية السيّالة التي تدهش متابع الفيلم، وتحبس أنفاسه، وتساهم في تشويقه رغم أن الأجواء تنتمي الي القرن الثامن عشر، وحكاية الفيلم تبدو لبعض أبناء العصر السريع الايقاع مملة.حكاية عن الحب والكبرياءعنوان الرواية يلخص الحكاية كاملة، وهذا من المآخذ علي الروايات الواقعية التي تنتمي الي القرن الثامن عشر اذ يجيء العنوان مفسرا للعمل لا موحيا ورمزيا، فالكبرياء أو الاعتداد بالنفس لتفسير كلمة Pride تمثل ثيمة أساسية في الفيلم تقابلها Prejudice أو الحكم المسبق والظلم الذي يقع بسبب سوء الفهم أو التلفيق والكذب، وما بينهما هو الحب ولا شيء غيره ينقذ كل شيء من الدمار، فهنا نتعرف علي عائلة بينيت متوسطة الحال والأقرب الي الغني من الفقر، لديها خمس فتيات ينتظرن فارس الأحلام قادما علي صهوة فرس أبيض، وبالطبع فان الزواج هو المطلب الأساسي هنا، وتبدو الأم أو السيدة بينيت (الممثلة بريندا بليثين) قلقة من بقاء فتياتها عازبات رغم أنهن لم يصلن الي مرحلة العنوسة بعد، ولهذا تسعي بشتي الطرق لأن تعرفهن علي شباب أغنياء لعله يحصل النصيب ويتم الزواج، وشخصية الأم هنا تبدو كوميدية، فهي مضحكة في حركاتها وسكناتها وقلقها الذي يظهر علي وضع بناتها العازبات، وأولهن جين الكبري (روزا موند بايك) الخجولة والتي لا تجيد التعبير عن عواطفها، لكن جمالها الهادئ يشفع لها، نتعرف أيضا علي السيد بينيت، الوالد (دونالد سثرلاند) الذي يبدو غير مسكون بقلق زوجته، بل مهموما بمكتبته الضخمة وأحوال العائلة عموما، وخلال أحداث الفيلم الأولي نتعرف علي أن شابا غنيا هو شارلز بينغلي (الممثل سيمون وودز) سيزور قصره الضخم الواقع في المنطقة الريفية المتاخمة لهم، وزيارته هذه تبدو موسمية، وأنه سيقيم حفلة راقصة لأبناء البلدة، ولهذا تجد السيدة بينيت الفرصة مواتية لأن تقدم بناتها الخمسة، ولا سيما الكبري جين الي الثري شارلز لعله يعجب بها ويتزوجها، وهنا نتعرف علي الفتاة الثانية لعائلة بينيت وهي اليزابيث (كيرا نايتلي) التي تهييء نفسها أيضا لهذه الحفلة، وهي ذات جمال أخاذ، بشعر أسود وعينين ساحرتين وقوام رشيق، وروح متوثبة، انها موضع الحكاية كلها وبؤرتها الأساسية، اذ كل الأحداث تبدو فرعية ورافدة لحكايتها ولا سيما بعد أن تعرفت علي صديق شارلز الذي جاء يرافقه، وهو دارسي (ماثيو ماكفادين) الذي يبدو خجولا وغامضا، وقليل الكلام، ومنعزلا عن الجميع.أثناء الحفلة الراقصة يتعرف شارلز علي جين، ويبدو عليهما الانسجام والاعجاب المتبادل، فيما تحس اليزابيث بميل الي دارسي، لكنها تسمعه يقول لصديقه انها قابلة للاحتمال لكنها ليست جميلة كفاية لأغرم بها، وتقع هذه الكلمات موقعا صعبا علي اليزابيث التي شعرت بأن كبرياءها قد جرحت، وتكون هذه الكلمات الشرارة التي جعلتها ترغب بتحويل حياته الي جحيم انتقاما لكلامه، وتتطور الحبكة خلال الفيلم الذي زمنه ساعتان الي حبكات فرعية أو قصص رافدة لمسار الحكاية الأساسية، ذلك أن شارلز ورفيقه دارسي يرحلان عن المنطقة، وهكذا تنهار العلاقة مع جين، وتكتشف اليزابيث أن دارسي هو المسؤول عن هذا الرحيل واقناع صديقه الأثير بعدم الزواج من جين لأن عائلتها تبدو متواضعة، ولا تليق بمصاهرته اضافة الي كونه يعتقد بأن آل بينيت يطمعون في ثروته، في هذه الأثناء يأتي قريب للعائلة، كرجل دين شاب، وهو ويليام كولينز (الممثل توم هولاندر) الذي يبدو مكروها للجميع، ولكن وضعه المالي وقرابته يجعلانه يطلب يد اليزابيث زوجة، والتي بدورها ترفضه، ويساندها والدها في هذا الرفض، وتتواصل الأحداث لنتعرف علي سفر اليزابيث الي بيت أحد أقربائها، اضافة الي ما سمعته عنه من تصرفات قاسية، ولكن الرجل يظل ساكتا أغلب الوقت فهو علي حد تعبيره لا يجيد العلاقات مع الناس ولا الحديث مع النساء، ورغم أن اليزابيث تمتلئ كرها لما يبدو عليه من غرور وقسوة اضافة الي كلام الوشاة بحقه الا أن الحق سيظهر في النهاية، وتتعرف علي شخصيته الحقيقية وأخلاقه الفضلي، ويفعل سهم الحب مثل ما فعل أول مرة وأكثر، كما أن ذلك الجدال الذي دار تحت المطر وتصفية القلوب بدا له أثر السحر في ترقيق قلب اليزابيث علي دارسي الذي لم يمتلئ بالغرور يوما بل بالحب والرقة والشهامة، ذلك أنه أنقذ أيضا بماله وسطوته زواج احدي أخوات اليزابيث من الفضيحة بعد أن هربت مع ضابط، ولكن كما يحدث في نهايات القصص السعيدة فان كل المصاعب تزول، و يمتلئ الجميع بالسعادة والحبور، فها هي المثابرة السيدة بينيت تجد العرسان يتوافدون علي بيتها، وتتزوج جين من شارلز، واليزابيث من دارسي، وثالثة من ويليام كولينز، ورابعة من الضابط، ومع انتهاء الفيلم تكون الأشياء مثالية، ويعيش الجميع في ثبات ونبات ويخلفون البنين والبنات علي رأي المثل المصري.عناصر الفيلم الأخري وتقنياتهتبدو الحكاية اذن متجددة، ذلك أن مثل هذه الموضوعات مستل من الحياة الانسانية، ويعبر تعبيرا صادقا عن خبايا النفس البشرية، وهي موضوعات لا تنتمي للقرن الثامن عشر فحسب بل الي عالم اليوم رغم كل تعقيداته، والدليل علي ذلك ما تمتلئ به دور السينما من المشاهدين الذين يتفاعلون مع الأحداث، و أدوار الشخصيات، وخصوصا اذا كان الأمر يتعلق بالمشاعر ومعالجتها، ولا سيما أيضا مع وجود ممثلين علي قدر عال من الاحتراف، والتقمص لشخصيات العمل، فممثلة مثل كيرا نايتلي التي قدمت شخصية اليزابيث تبدو علي قدر كبير من الصدق في الأداء، والدخول في أعماق الشخصية التي تبعد عنها مسيرة قرنين من الزمان، وقد استطاعت حقا أن تنال النجومية عن دورها هنا، وسيظل يتذكر طلتها الساحرة، وأداءها العالي كل من شاهد الفيلم ذلك أن صورتها تنطبع في الوجدان، ولا يمكن أيضا نسيان الممثل ماثيو ماكفادين في دور دارسي العاشق الخجول والغامض، أما الدور القصير والمؤثر فكان للممثلة جودي دينش في دور الليدي كاثرين الثرية القاسية التي لا تريد لقريبها دارسي أن ينزل عن تواضعه ودمه النبيل ويتزوج اليزابيث، وعلي كل حال فقد بدا أن المخرج جو رايت قد سيطر تماما علي ادارة ممثليه، ناهيك عن التنقل المشوق لنقل جماليات الريف البريطاني، عبر اللقطات الطويلة، واختيار الأوقات المناسبة، ورغم أن قصة الفيلم معروفة بشكل مستهلك من كثرة ما وزعت الرواية وقرأتها الأجيال، الا أن المخرج قد حرص علي أن يجسد أفضل ما يمكن في الشخصيات والمشاهد بمرافقة مقاطع موسيقية تتلاءم وأجواء العمل، كما أن الحس الكوميدي عند السيدة بينيت قد ساهم أيضا في التخفيف من رتابة الحكاية، وعلي كل فان أفلاما مثل هذا الفيلم تظل عالقة في البال، ذلك أنها تحمل معها عناصر حياتها، في الوقت الذي نشاهد أفلاما حديثة تنتمي الي الحركة السريعة والقصص اليومية في حياتنا الصاخبة، وسرعان ما تتلاشي من البال مثل فقاعة.ان موضوعا مثل الحب سيظل دون شك نبعا لكن الأعمال الفنية الراقية سواء في السينما أو المسرح أو التشكيل والغناء، ذلك أنه موضوع متجدد ينسجم مع الحياة، ويطل علي أعماق النفس الانسانية، فيعيد اليها ألقها، ونبضها الدفاق.ہ كاتب أردني[email protected] 2

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية