رغدة: مخزون طفولتي المرير يجعلني اشعر بضرورة الوقوف ضد الظلم
الشخص العربي الوحيد الذي جاء لبنان اثناء الحرب عن طريق البررغدة: مخزون طفولتي المرير يجعلني اشعر بضرورة الوقوف ضد الظلمبيروت ـ القدس العربي ـ من زهرة مرعي: سوف تتذكر بيروت والضاحية الجنوبية والنازحون في حديقة الصنائع بأن الممثلة رغدة كانت الشخص العربي الأول الذي قصدها عن طريق البر رغم كل ما كان يحيط بالطرقات من مخاطر. أتت رغدة الي بيروت وهي تحمل الكاميرا لتعاين حقيقة ما جري ويجري في لبنان. سبقت حتي وزراء الخارجية العرب. أمضت أياماً في الضاحية الجنوبية تصور ما خلفته آلة الدمار الاسرائيلية من وحشية في أحيائها. التقت النازحين، زارت المستشفيات، وشعرت عن قرب بأهمية الصمود الذي أحرزه الشعب اللبناني ومقاومته.مع الفنانة رغدة كان هذا الحوار قبل عودتها الي القاهرة: حملت الكاميرا وجئت الي بيروت وهي تواجه أعتي عدوان صهيوني لماذا؟ وجودي ضروري في بيروت في هذه اللحظات بالتحديد، وليس من الضروري أن آتي الي بيروت للاصطياف والتسوق. بيروت تنادينا لنكون معها في مناخ العزة والكرامة الذي عاشته وتعيشه. كما أنا هنا لتسجيل فيلم عن ما ألحقته آلة الدمار الاسرائيلية بالضاحية الجنوبية ولبنان بشكل عام. لديّ اتفاق مع بعض المحطات التلفزيونية الأوروبية لبث الفيلم الذي سجلته. تسجيل هذه المرحلة وتعريف الناس بها مهم جداً. ومن جهة أخري شعرت بأن وجودي بحد ذاته بين الناس في الشوارع علي درجة من الأهمية. ربما يكون ذلك احساساً بالمؤازرة علي المستويين النفسي والمعنوي. في اعتقادي أن الشارع اللبناني يحتاج هذه المؤازرة من الجميع. وماذا طرأ عــلي رغدة علي الصعيد النفسي والسياسي في خلال وجودها في بيروت؟ منذ دخلت الحدود اللبنانية من جهة البر شعرت بالأمان. ويمكنني القول بأني كنت تعبة جداً خلال وجودي في القاهرة. لكني أمضيت الوقت في العمل الجدي بحثاً عن تأمين الحاجات الضرورية للأطفال ومنها الأدوية والتي تم تأمين كميات منها وصلت علي متن أول طائرة مساعدات مصرية الي بيروت. فنحن منذ بدء العدوان شكلنا لجنة من السيدات والرجال وبدأنا العمل. في مواقفك هذه هل تتحركين كفنانة أم كانسانة؟ لست أتحرك كفنان وان كان الفنان يفيدني في مثل هذه المواقف. أن يكون الفنان في قلب الحدث فهذا ما يحرك أجهزة الاعلام فتكشف الكثير من الذي يدور في دائرة هذا الفنان. انه في الحقيقة موقف انتماء لهذه الأرض العربية كلها. لقد علمتني والدتي أن الحياة وقفة عز رحمها الله. في تاريخك أيضاً زيارات للعراق حين كان محاصراً وكذلك زيارات لليبيا لماذا؟ انها فرصتي لأقف وقفة عز جديدة. في يوم من الأيام كان الشعب العراقي في حال من الألم لاحساسه بالتخلي من قبل الاخوة العرب. كان هذا الشعب يجد الضيف القادم اليه منة من السماء. كذلك هو الأمر بالنسبة لبيروت ولبنان الذي قطّعت اسرائيل أوصاله. بالأمس عندما كنت أصور شاطئ الرملة البيضاء الذي أصبح أسود قال لي الشباب الذين التقيتهم هناك أنهم يشعرون بعمق مشاركتي معهم. المشاركة تقليد عربي أصيل في الفرح والحزن، وهو احساس مطلوب لأنه يعزز موقف الأخر. الي متي يعود ارتباطك الوثيق بالقضايا القومية؟ وعيت القضية الفلسطينية منذ سنة 1967وكنت حينها في عمر الطفولة. عندما وقعت الحرب تركنا منزلنا قسرا وأفترقنا أنا واخوتي وبقيت مع عائلة لا أعرفها في قرية شِلّف. هناك عانيت الكثير، في تلك المرحلة شعرت بأن طفولتي أغتصبت معنوياً. مخزون طفولتي مرير وهو الذي أدي بي الي مثل هذه المواقف والمواقع.ومن ثم تراكمت الثورة وكبرت كثيراً بمقدار تضخم الظلم اللاحق بشعوبنا. هل تمكنت من التعبير فنياً عن هذا الغضب؟ كفنانة عبرت قدر المتاح لأني لست منتجة. كان لي شرف المشاركة في أفلام منسجمة مع موقفي النفسي والانساني. أنا محظوظة لأن أول ظهور لي علي شاشة التلفزيون كان في مسلسل بعثة الشهداء وذلك سنة 1981 وهو يحكي ما يحدث اليوم علي أرض لبنان. ثم كانت لي مشاركة في ليلة سقوط غرناطة وهو مسلسل من حوار محفوظ عبد الرحمن ويتحدث عن كيفية بيع غرناطة في سوق الجواري. كما تم بيع لبنان في هذه الحرب؟ وقبله العراق، وقبلهما فلسطين والأتي ربما يكون مخيفاً أكثر. وهنا أعود للفن لأقول بأن فرصة جاءتني لم أسأل فيها عن أجر. لقد نفذت فيلم الحدود من دون عقد. كذلك فيلم التقرير . وكذلك مسرحية سالومي التي كانت ناقوس الخطر لمعاهدة كمب ديفيد. ثم قدمت فيلم ظل الشهيد وفيه كتبت مشهداً حيث الأم تضرب ابنها بقبضتها وتقول له لو حطيت ايدك بايدهم ح أحفر قبرك بايدي دون أن تنزل لي دمعة ، وهي تقصد مصافحة الصهاينة. هذا الفيلم نفذ بهدف مناهضة التطبيع. كذلك أذكر الأفلام التسجيلية الكثيرة التي شاركت بها وقد عرضت في أوروبا أكثر مما عرضت في الدول العربية. لدي بعض الأصدقاء في الغرب متحمسين لقضيتنا العربية أكثر من العرب أنفسهم ومنهم النائب جورج غالاوي. وهؤلاء يساعدوني في بث أفلامي الوثائقية في كل أوروبا وذلك علي نطاق ندوات ومحاضرات. في حين أن بعض المحطات العربية ترضي ببث هذه الأفلام لكن في توقيت ميت علي صعيد المشاهدة. اذا كـــنا جميعاً نحــــمل غضباً من موقف الحـــكام فهـــل أنت مرتاحــــة لمواقــف الشعوب؟ الشعوب العربية تدخل أحياناً في الكوما ومن ثم تستفيق منها. مع بداية الانتفاضة الأولي في فلسطين زالت هذه الكوما. الانتصارات كانت ومضات، حتي مجيء المقاومة في لبنان حيث كان الجميع مهنياً. هذه المقاومة حفرت مجري أكثر اتساعاً في الوجدان العربي. النصر يحتاج الي تراكمات، لكن المقاومة اللبنانية كانت طلقة صحوة أصابت مرماها. وما حصل في لبنان في هذه الحرب يشعر العربي لأول مرة أنه ليس من الضرورة أن يكون صاحب ترسانة من الأسلحة بعد أن أثبتت كل الترسانات بأنها عبارة عن استعراضات، وبامكانيات محدودة لدي المقاومة اللبنانية أصبنا الاسرائيليين وسياحتهم واقتصادهم واستقرارهم. ما رأيك بتحرك الفنانين في مصر حيال العدوان علي لبنان؟ لقد كان تحركاً استثنائياً فعلاً نتيجة الحدث الكبير والافرازات التي خلفها لهذا كانت الصرخة مختلفة جداً. أحي الزميل حسين فهمي لأنه تخلي عن صفته كسفير للنوايا الحسنة في الأمم المتحدة. كما كان عادل امام في الطليعة وهو قادر علي تحريك جمهور واسع خلفه. هل أنت محاصرة فنياً نتيجة مواقفك القومية؟ أعمالي تخضع للمقاطعة من بعض الدول العربية التي تحكمها كونداليزا رايس ومن سبقها من وزراء خارجية في الولايات المتحدة. هم أغبياء في ذلك لأن أكثر أعمالي سينمائية والسينما ذاكرة وليست كما المسلسل التلفزيوني، لذلك ولأن السماء تعج بالمحطات الفضائية فأفلامي موجودة والشعوب تتابعني حتي وان كانت حكوماتها تقاطعني. قاطعوني علي الأرض لكنهم لم يستطيعوا محاصرتي في السماء. وأتوقع أن تزداد المقاطعة. هل تعتقدين أن السينما سوف تؤرخ صمود المقاومة والشعب اللبناني؟ أكيد، ثورة 23 تموز (يوليو) تم تأريخها من وجهات نظر مختلفة وهي موجودة في ذاكرة الشرفاء. ما الذي ستحمله ذاكرتك من بيروت؟ ذاكرتي تحمل ما رأيته في عيون شباب المقاومة من تحد حقيقي. أمس قلت لأحدهم أن هناك من يردد بأن انزالاً للعدو سوف يحدث في الشمال وفي الجنوب. قال لي بهدوء تام ليجربوا. هذا الايمان هو الذي ثبت يقيني بأن هذه المقاومة حقيقية.2