رغم اختلافات الرؤى والمواقف… القضية الفلسطينية: الهم المشترك للمُثقفين المصريين والعرب

القضية الفلسطينية هي القضية الأم التي لا تحتمل الجدل أو الخلاف، وربما هي العامل المشترك الاستثنائي، الذي أجمع عليه أغلبية المثقفين المصريين والعرب، على اختلاف انتماءاتهم وميولهم ومحيطاتهم، لقد سجل المبدعون من الكُتاب والفنانين ـ كل في مجاله وحسب تخصصه ـ تفاصيل القضية العربية المشتركة، لتُصبح حاضرة في العقل الجمعي لكل الجماهير المناصرة للحق الفلسطيني والداعمة له بغير مواربة أو ادعاء، وقد كشف العدوان الأخير على غزة من جانب القوات الإسرائيلية المحتلة، عن مواقف الوطنيين الشرفاء من الفصائل الثقافيةة كافة، التي أعلنت تضامنها مع الشعب الفلسطيني الشقيق في غزة، وجميع المناطق المحاصرة منذ اللحظات الأولى للاحتلال.
وإزاء ما حدث من جرائم إنسانية تجاه الأطفال والشيوخ والنساء، وما تناقلته وسائل الإعلام العربية والعالمية، اجتمع المثقفون المصريون على قلب رجل واحد، لإعلان وحدة الصف الثقافي المصري العربي، وتجنب الخلاف والشقاق للوقوف في وجه العدو، وفضح ممارساته بشتى الطرق والوسائل وكل الإمكانيات المتاحة، ليتسنى كشف الحقائق، وبالفعل بدأت حملات التنديد، ونجحت السوشيال ميديا في تحقيق الهدف، بفضل الكتابات الوطنية والحلقات البرامجية في الفضائيات والإذاعات، وشكّل الرأي العام للمبدعين، خطراً حقيقياً على العدو الصهيونين الذي تظاهر في البداية بعدم الاكتراث بما يُكتب ويُنشر ويُذاع، بينما ارتعدت أوصاله في ما بعد من ردود الأفعال المؤيدة للحق الفلسطيني.

حملة تضامن

من أبرز الشخصيات التي انبرت للدفاع عن غزة وشعبها، ودفعت بكل ما لديها من ثقل فني وثقافي لتطوير حملة التضامن العادلة، المخرج السينمائي المصري علي بدرخان صاحب أشهر الأفلام السياسية، والمعروف بحماسة للقضية الفلسطينية، ومناوئته للاحتلال الإسرائيلي، الذي أكد أنه لا تفريط في حقوق الشعب الفلسطيني، وأن ما حدث في غزة من خراب ودمار وقتل للأطفال، كان حرباً غير متكافئة، وجرائم يُعاقب عليها القانون الدولي، حيث لا وجه للمنطق في المواجه بين الدبابات والمدافع الصهيونية، وحجارة الأطفال والأسلحة البدائية محدودة المدى والقوة، التي يدافع بها الشاب الفلسطيني المُقاتل عن نفسه وبيته وعرضه، كما أوضح بدرخان في العديد من الكتابات، التي نشرها على مواقع التواصل الاجتماعي، أن السجل التاريخي حافل بالانتصارات الفلسطينية التي تستدعي الاحترام والتقدير، وتعزز المسؤولية الفردية والجماعية لكل مثقف عربي، يؤمن بمبدأ العدالة، ويقر بحق الإنصاف للشعب الفلسطيني المناضل.
ومن ناحيته دأب بدرخان طوال أيام المواجهة والأزمة على جمع الوثائق والأدلة لإثبات إدانة الجانب الإسرائيلي، وبشاعة ما يرتكبه من جرائم إبادة للقضاء على الحجر والبشر في المناطق المأهولة بالسكان، بلا وازع من ضمير أو مراعاة للمواثيق الدولية، التي تحظر قتل المدنيين بلا ذنب ولا جريرة.

انتزاع الحق

وبالقوة نفسها والحماس نفسه يدافع المخرج والمنتج أحمد فؤاد درويش عن حق الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال، مُعرباً عن إيمانه بأن الحقوق لا تُمنح لكنها تُنتزع، وما يقوم به المقاتل الفلسطيني الجسور بأقل وسائل التسليح المُتاحة لديه هو محض انتزاع لحقوقه المشروعة والمسلوبة منذ سنوات، وقد عبّر درويش عن قناعاته السياسية والقومية بشأن الحقوق الفلسطينية في العديد من الأفلام التسجيلية والوثائقية التي كتبها وأنتجها وأخرجها مثل فيلمي «كرنفال» و»وجوه من القدس» ففي الأول استعرض مُعطيات الأزمة وأسبابها ونتائجها، من خلال سيناريو مُحكم للتحليل السياسي والاستراتيجي للقضية، متناولاً العنف والتوسع والعنصرية في مختلف دول العالم، وقت إنتاج الفيلم عام 1975.
وقد شملت الرؤية السينمائية ثلاثة محاور، هي تطبيق الأحداث على الصراع العربي الإسرائيلي كمحور أول، أما المحور الثاني فكان معنياً بتطبيق ما يحدث على دولة جنوب افريقيا، وما عانته في تلك الفترة من مظاهر التمييز العنصري، وتمثل الثالث في الإشارة للعدوان الأمريكي الاستعماري على شعب فيتنام في جنوب شرق آسيا. مع ملاحظة أن الفيلم تم منعه في مصر، تعتيماً على القضية وقتها، حتى لا تتم إثارة الرأي العام ضد إسرائيل آن ذاك، حيث كان التمهيد لزيارة السادات لإسرائيل وتوقيع اتفاقية كامب ديفيد. أما «وجوه من القدس» فهو فيلم سياسي جمالي يقدم معاناة الشعب الفلسطيني وتهجيره وتشريده منذ عام 1948 من خلال عرض اللوحات التشكيلية لفن الرسم الفلسطيني وفن الحفر وفن الجداريات وفن النحت، ويصور الفيلم العلاقات الجمالية المتوافرة بين الفنون التشكيلية المُختلفة، دون حوار أو صوت، فقط الموسيقى التصويرية.

مستقبل مختلف

من جانبه أكد الكاتب والقاص فهمي عبد السلام، على أن مساندة الشعب الفلسطيني في محنته، أمر لم يكن يحتمل التأخير، وأن الدعم اللوجستي واجب ضروري وحتمي لمواجهة الأزمة، فضلاً عن أن الأمن المصري ذاته مرتبط ارتباطاً وثيقاً بأمن فلسطين، وتأمين الحدود مع مصر من الجهات المُحتمل منها الخطر، ويرى عبد السلام أن للمبادرة المصرية الرسمية التي قامت بها الدولة تجاه الأشقاء في غزة، دوراً إيجابياً، حيث توفير مُستلزمات المعيشة من مأكل ومشرب وسلع تموينية وأدوية، هو من دلالات الحرص على صحة وسلامة المواطن الفلسطيني، وتأكيد أواصر الإخوة التي تكشف عنها الأزمات. وبنبرة يملؤها التفاؤل يؤكد عبد السلام أيضاً على أن مستقبل القضية الفلسطينية أصبح قاب قوسين أو أدنى من الاستشراف الإيجابي، فقد وضحت الرؤية وكشفت أحداث غزة الأخيرة عن بطولات استثنائية لشعب فلسطين المُحب للحياة، والقادر على تغيير الواقع من النقيض إلى النقيض، فإسرائيل أعلنت لأول مره ضعفها وتهافتها وخواء مؤسساتها الرسمية، لقد حدث ذلك في ما يشبه الاعتراف بالحقيقة على الملأ، وأمام العالم كله عبر عدسات المصورين في الفضائيات المحلية والدولية كافة، وهذا في حد ذاته انتصار ساحق للشعب الفلسطيني ودرس مًستفاد من الحرب، التي خبت نيرانها ليس بفضل المساعي الإقليمية والدولية فحسب، وإنما بقوة البسالة والمقاومة التي غيرت المعادلة الرياضية في حسابات القتال والمجابهة من جانب الطرف الأضعف، وهو إسرائيل.

صدمة إسرائيل

ويتحدث الشاعر والكاتب مدحت طه عن مكاسب الحرب الفلسطينية الإسرائيلية في جولتها الأخيرة، موضحاً أن الحرب لم تُحسم لصالح إسرائيل، كما كان متوقعاً، وإنما المقاومة التي فوجئت بها قوات الاحتلال أربكت الآلة العسكرية الإسرائيلية وغيرت موازين القوى بالكامل، فأحدثت صدمة لم تكن مُنتظرة أصابت العدو في مقتل، وأعطت للشعب الفلسطيني دفعة قوية للأمام، وتعد هذه نقلة نوعية في حد ذاتها على طريق الانتصار القريب الذي تحقق جزئياً وبالتدريج، رغم الفارق الشاسع في التسليح والعدة والعتاد، وهو ما غير معادلة الحرب بالكلية خلال أيام الاحتدام العصيبة على المواطن الإسرائيلي، الذي أمسى خائفاً مرتجفاً، ولجأ إلى لغة الاستغاثة والنجدة الدالة على الضعف والوهن، والمُقرة بوهم القوة الخارقة للدولة المزعومة الواقفة على رمال متحركة، بلا أي ضمانات حقيقية للحماية والاستقرار.
لقد كانت الحرب كاشفة إلى حد بعيد، فلم تستطع إسرائيل تحمل قسوة الصمود الفلسطيني، واستبسال الشباب، فقد نشرت عشرات المواقع مئات الصور لضحايا الخوف والهلع، ودبج الكُتاب والصحافيين مقالات عديدة في كبريات الصحف الإسرائيلية مثل «هآرتس» و»معاريف» وغيرهما عن أخطاء القادة الإسرائيليين، الذين ورطوا الشعب في حرب ضروس مع غزة، وخرجت مانشيتات الصفحات الأولى ساخطة وغاضبة على أصحاب القرار والمعنيين بأمر التخطيط والحرب والإعداد والتسليح، واعتُمدت لهجة السخرية من الضعف الإسرائيلي في مواجهة قذائف الكتائب الفلسطينية المُقاتلة في جميع الكتابات الصحافية لكبار الكُتاب والمُحللين السياسيين، بما يُفيد بأن إسرائيل عاشت أيام رعب حقيقية خلال المواجهات الدامية بينها وبين المقاتلين الفلسطينيين.
ويستطرد طه قائلاً: من إيجابيات الحرب أيضاً أنها وحدت الصف الفلسطيني والعربي، على الرغم من وجود صراعات في مناطق أخرى، لكنها لم تمنع الشعوب من الترقب والمتابعة، ولم تؤثر الخلافات السياسية ولا الأيديولوجيات في مقياس التفاعل والتأييد الكامل للمُقاتلين والداعمين للمقاومة، سواء من الداخل الفلسطيني أو الخارج، فالحرب تجب الخلافات والصراعات إلى أن يتحقق النصر، وترجح كفة الحق الفلسطيني في ميزان العدالة، لذلك دائماً وأبداً للحرب حسابات أخرى غير الحسابات التقليدية المعهودة والمُتبعة في أوقات السلم والاستقرار.

أكدت النقابات الفنية المصرية مُتمثلة في الاتحاد العام للنقابات الفنية على تضامن أعضاء النقابات المعنية، السينمائية والتمثيلية والموسيقية مع الشعب الفلسطيني في حربه مع إسرائيل، حيث صدرت البيانات المؤكدة على التأييد المُطلق للحق الفلسطيني في ما يتصل بالحرية والاستقلال.

موقف النقابات المصرية

وفي ضوء التفاعل مع أحداث غزة ورصد ردود أفعال المثقفين إزاء الاعتداءات الإسرائيلية الصارخة، تتحتم الإشارة إلى الموقف الوطني الذي قامت به النقابة العامة لاتحاد كُتاب مصر في هذا الخصوص، حيث أصدر علاء عبد الهادي، فور نشوب الحرب بياناً بوصفة رئيس النقابة، ندد فيه بالعدوان الغاشم على غزة، وأعلن تضامنه الكامل مع الشعب الفلسطيني، وأوضح في البيان موقفة الشخصي الداعم للقضية الفلسطينية، باعتباره رئيس الإتحاد العام للكُتاب العرب، وهو ما ترجم الرأي العام الشامل للكُتاب من أعضاء الاتحاد، الذين يمثلون القوة التأثيرية المهمة في ما يتعلق بالموقف الجمعي للمبدعين والمثقفين المصريين والعرب، تجاه أشقائهم في غزة وفلسطين.
ومن جانبها أكدت النقابات الفنية المصرية مُتمثلة في الاتحاد العام للنقابات الفنية على تضامن أعضاء النقابات المعنية، السينمائية والتمثيلية والموسيقية مع الشعب الفلسطيني في حربه مع إسرائيل، حيث صدرت البيانات المؤكدة على التأييد المُطلق للحق الفلسطيني في ما يتصل بالحرية والاستقلال. كما أعربت الجماعة الثقافية في بقية الجمعيات الأهلية، كأتيليه القاهرة، وجمعية كُتاب ونقاد السينما، وجمعية الفيلم، عن قلقها الشديد قبل احتواء الأزمة من تفاقم الأحداث، وإلحاق المزيد من الضرر بالأشقاء الفلسطينيين في غزة، وبقية المناطق المحتلة، وبناءً عليه طُرحت بعض المقترحات من جانب عدد من المثقفين، وعلى رأسهم المخرج علي بدرخان أيضاً لدراسة الطريقة المُثلى لتقديم المساعدات، وتوفير الدعم الممكن لسكان غزة، قبل البدء الرسمي من جانب الدولة في إرسال القوافل والبعثات الطبية والأدوية والمُستلزمات الضرورية الأخرى.
ومن المؤمل أن يلتفت المهرجانان السينمائيان الكبيران، مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، ومهرجان الإسكندرية لهذه الحرب، التي أثبتت جدارة المقاتل الفلسطيني العنيد في مواجهة أسلحة إسرائيل المتطورة، فيتم إهداء الدورة إلى الشهداء من الأطفال والنساء، تكريماً لهم وتوثيقاً لبطولاتهم الاستثنائية الخاصة جداً.

فقط.. المقاومة

وعن الداخل الفلسطيني وصمود المقاومة، تحدثت أسماء لاشين المديرة السابقة للفضائية الفلسطينية والمقيمة حالياً في القاهرة عن زوايا الصورة الإنسانية التي خلفتها الحرب خلال الأيام الفائتة، والمعاني المتوارية وراء الحالات والأحداث، حيث وصول المقاومة إلى ذروة تفوقها وقوتها في ردع العدو الصهيوني، الذي لم يفرق بين طفل وامرأة وشيخ من فرط جبنه وخوفه، ذلك أن الشخص الجبان هو الذي يفقد صوابه ورشده، في ساحة الحرب، فيتصور أن الموت يحيط به من كل جانب فيزداد شراسة وقسوة، وتاريخ الصراع بين الفلسطينيين والصهاينة جدير بأن يحكي روايات عن نذالة الإسرائيليين، وقطعاً هناك آلاف الصور لمئات الحالات من الانتهاك والقسوة في التعامل مع الأطفال الصغار، الذين يُعذبون ويُقتلون خلف أسوار السجون الإسرائيلية، من دون أدنى اعتبار لحق الطفولة، أو حق السجناء، وهو فعل كارثي تغض عنه المنظمات الحقوقية الدولية الطرف لأسباب عديدة، بينما تنتفض المنظمات ذاتها وتقيم الدنيا ولا تقعدها، لو تعلق الأمر بطفل أو جندي إسرائيلي، وهي ازدواجية تقوم عليها سياسات معظم المنظمات المعنية بحقوق الإنسان في أمريكا وأوروبا، والدول المتقدمة، لهذا لن يتسنى للشعب الفلسطيني الحصول على حقوقه في ظل المعايير المُختلة إلا بالمقاومة.

كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية