رغم ارتفاع سقفها مؤخرا: الحرية في الإعلام العربي.. حملٌ كاذب

حجم الخط
0

رغم ارتفاع سقفها مؤخرا: الحرية في الإعلام العربي.. حملٌ كاذب

هويدا طهرغم ارتفاع سقفها مؤخرا: الحرية في الإعلام العربي.. حملٌ كاذبقبل عهد الفضائيات العربية ـ أي قبل أكثر من عقدين ـ كانت المناقشة الإعلامية لأي قضية تتصل بأحد المحرمات الثلاثة في الثقافة العربية (الجنس والدين والسياسة) تعتبر حدثا ينتمي إلي عائلة ثلاثي آخر شهير في التراث العربي يعبر عادة عن المستحيل (الغول والعنقاء والخل الوفي)، الآن وبعد قرب إتمام ربع قرن علي غزو العرب للفضاء الإعلامي أصبح (مألوفا) أن تدور بين قنوات أو إذاعات عربية.. فتسمع هنا نقدا مباشرا للحكام.. وتلمس هناك تبرما من رجال الدين.. وتتابع هنا أو هناك تقارير جريئة عن قضايا اجتماعية حساسة تفتح ملفات لطالما ظلت مهيبة.. كملفات الجنس في حياة المراهقين (والكبار)، وملفات العادات الاجتماعية المتخلفة التي أحاطت نفسها عبر الزمن بقداسة تشبه قداسة الأناجيل والآيات المقدسة.. كتمسك الرجال بحق تعدد الزوجات، وملفات الأمراض الاجتماعية الوبائية كانتشار المخدرات بين الشباب. وغير ذلك من قضايا ظلت عقودا ـ بل قرونا ـ منطقة محرمة علي التناول العلني لها بالنقاش والنقد وإعادة النظر، وهذا ما يحسب حقيقة لظاهرة الفضائيات العربية، سواء جاءت تلك الجرأة عمدا بسابق تخطيط أم جاءت انجرافا في تيار عالمي أقوي من العرب وثقافتهم المتناقضة.. تيار عالمي من أبرز ملامحه القدرة علي هدم الأسوار المحيطة بالأسرار.. حتي في مجتمعات مغلقة شغوفة بالتكتم علي علاتها كالمجتمعات العربية، المصابة بازدواجية تجعلها تدعي في العلن تماسكا لا حدود له وفضيلة جوفاء لا جذور لها.. بينما هي وراء جدران البيوت تتخبط وتترنح في ظلمة المحرمات المعتمة والقيم المتضاربة.الآن.. وبعد مرور نحو ربع قرن علي هذه المغامرة العربية في الفضاء المكشوف ربما نحتاج إلي وقفة.. نتساءل فيها عن مصداقية ما بدا أنه سقف عال من الحرية الإعلامية في العالم العربي، هل هي حرية فاعلة فعلا أم كانت وما زالت حملا كاذبا؟ ماذا حققت لمجتمعاتها خلال السنوات الماضية؟ هل انعكست إيجابيا علي الثقافة العربية.. فحلحلت مثلا تكلسها التاريخي؟ عندما تبحث عن حرية إعلامية راسخة في التاريخ المعاصر للمقارنة معها.. فإنك تتذكر علي الفور الإعلام البريطاني والأمريكي.. ثم إعلام بعض الدول الأوروبية كفرنسا وألمانيا وغيرهما (بغض النظر الآن عما نراه من تحيز هذا الإعلام عندما يتعلق الأمر بالعالم الثالث سياسيا واقتصاديا فهذا مجال آخر)، الملاحظ في كل تلك الدول أن الحرية في إعلامها جاءت انعكاسا لحرية تطورت في المجتمع نفسه عبر السنين والثورات والنضال من أجل حرية التعبير، أي أن المجتمع نفسه تحرر أولا من الخوف فكانت حرية الإعلام أحدي نتائج هذا الظفر التاريخي لتلك الشعوب، ثم استمر (تكامل الأدوار) بينهما، فحرية الإعلام تحمي باستمرار حرية الأفراد والمؤسسات في المجتمع.. لكن حرية المجتمع نفسه تغذي حرية الإعلام، لذلك لا تجد بريطانيا أو أمريكيا مثلا يشعر بشيء من (الانبهار) لأن المؤسسات الإعلامية في بلاده تكشف فساد مسؤول ما زال في منصبه، أو تنتقد بقوة سياسة رئيس وزارة أو رئيس جمهورية أو وزير أو مؤسسة كاملة كالمخابرات أو الجيش أو غيرهم، فذلك كله (ظاهرة عادية) في مجتمعات (أنتجت لنفسها) ذلك النوع من الشفافية أو الحرية الإعلامية، فكيف هو الأمر في مجتمعاتنا؟لم تأت ظاهرة الحرية الإعلامية (النسبية) تلك كنتاج لمجتمع متحرر.. متحرر من الخوف أو من الخرافة أو من الجهل أو من القابلية للاستعباد، بل جاءته كظواهر الطبيعة غير المتوقعة.. سقطت عليه من أعلي.. بتأثير ذلك التيار العالمي الجارف أو بتأثير العقلية العربية التي رسخ في مخزونها الثقافي أن (تأتي بالحرير من البلدان البعيدة في رحلات الصيف) بينما بيئتها لا تصلح لإنتاجه، وإن صلحت.. لا تجد (حماسا) لإنتاج ذلك الحرير، ما وفرته إذن قنوات الجزيرة والعربية وأوربت وart وغيرها من بعض جرأة في مناقشة قضايا سياسية واجتماعية، ليس انعكاسا لحرية توفرت للمجتمعات العربية فأرادت لنفسها حرية إعلامية، هل تعكس القنوات ذات التمويل السعودي مثلا حرية مشهودة في السعودية؟! حريتنا الإعلامية إذن لا تشبه حريتهم، لم تأت من مجتمع صنعها لنفسه، لذلك لم تحقق خلال ربع قرن ما كان أملا لدي بعض النخب العربية في أن تقوم الفضائيات بدور تنويري ثوري، ما يدعو للتساؤل.. متي إذن تكون الحرية الإعلامية العربية (حقيقية راسخة)؟لن يكون ذلك ملموسا علي أرض الواقع إلا إذا حدث التغيير الحقيقي في المجتمع نفسه.. سياسيا وثقافيا ودينيا واجتماعيا بل واقتصاديا.. حينئذ سوف (يفرض) المجتمع الجديد إعلامه الحر.. ثم يتبادل معه الأدوار كي يحمي كل منهما الآخر، أملٌ واهم ذلك الذي يعقد علي الفضائيات العربية كي تحرك شعوبا (تتلذذ) بمشاهدة مصائبها علي شاشة التليفزيون! الأمل الوحيد هو أن تسير تلك الشعوب علي نفس درب الشعوب الأخري.. التي استطاع آباؤها المؤسسون إحداث تغيير جذري في ثقافة مجتمعاتهم.. فتركوا لأحفادهم حرية حقيقية أفرزت إعلاما بدوره جاء حقيقيا، وهذا الدرب ليس إلا درب (التمرد) علي هذا الركود الثقافي الآسن وذلك الاستبداد السياسي المعطل لقوي التحرر، لكن ذلك النوع من الثورات لا تصنعه محطات التليفزيون، بل تصنعه هزات عنيفة في المجتمع تقلب رأسه علي عقبيه.. تهدم قديمه لتبني شيئا جديدا، فهل العرب قادرون علي ذلك.. أم أنهم استمرأوا انتظار حمل الحرية الإعلامية الكاذب.. وحلا لهم استهلاك ما أنتجه غيرهم.. من الحرير؟!ريموت كنترول (1) برنامج كواليس علي قناة الجزيرة عرض تقريرا رائعا عن انتشار القنوات الموسيقية بين الفضائيات العربية، الجميل في التقرير هو أنه لم يقع في فخ التهجم التلقائي علي تلك القنوات، فقد وفرت تلك القنوات الفرصة لتأسيس (صناعة) واسعة لإنتاج أغاني الفيديوكليب، وبطبيعة الحال عندما تنفجر صناعة كهذه فإنه من المتوقع أن يغرق السوق بأغان هابطة إلي جانب القليل الجيد، لكن هذا لا يبرر الهجوم العنيف علي فكرة (إنتاج الأغاني المصورة) نفسها، لا بأس أن تصحح تلك الصناعة مسارها بعد فوضي الانفجار الأول، ستحتاج وقتا قبل أن يتضاءل هذا التخبط الذي يعبر عن نفسه في بث أغنيتين متتاليتين علي إحدي القنوات الموسيقية.. إحداهما لشاب يغني: يا حبيبي يا محمد .. والأخري لمطربة تشبه القطط تغني: أنزل من تاكسي أركب تاكسي والكل يقوللي إنتي سكسي يا حلاوة يا حلاوة !((2 نقلت الفضائيات علي الهواء مباشرة لحظات كسوف الشمس في مختلف البلدان الأسبوع الماضي، تتنقل بين القنوات العربية وغير العربية فتلاحظ فرقا في الرؤية للحدث، القنوات غير العربية (أنسنت الحدث) أي تناولته بعين إنسان يشاهد ظاهرة طبيعية مبهرة، يستمتعون بها ويسافرون في أفواج سياحية لمشاهدتها وفي نفس الوقت.. ينصبون في معاملهم أحدث ما توصلت إليه قريحتهم من وسائل تكنولوجية لدراسة الظاهرة والتنبؤ بها لقرون قادمة والنظر في كيفية تأثيرها علي حياة الناس علي الأرض، القنوات العربية ـ كلها بلا استثناء ـ راحت تتعامل مع الحدث بعقلية الصحراوي الذي يرتعب من ظواهر الطبيعة ويراها عقابا من الله، راحت الآيات القرآنية تتوالي تعليقا علي الحدث.. وما أرسلناها إلا تخويفا!(3) تصريحات إسماعيل هنية رئيس الوزراء الفلسطيني تشبه تلك التي يصرح بها كل رئيس وزارة ويعترض عليها كل معارض قبل أن يتبادلا الأدوار! بالأمس كان رئيس الوزراء الفلسطيني أحمد قريع أو الرئيس الفلسطيني محمود عباس يصرحان في غضب بأن الملف الأمني في غزة له الأولوية والمظاهر المسلحة يجب أن تنتهي من الشارع الفلسطيني وأن علي جميع الأطراف (ضبط النفس)، كانت حماس التي ينتمي إليها إسماعيل هنية تعترض.. وتتطاير تصريحات ممثليها عبر الفضائيات عن حق الشعب الفلسطيني في التسلح دفاعا عن نفسه، اليوم.. إسماعيل هنية صرح بعد حدوث شغب واقتتال بين فلسطينيين في مظاهر مسلحة بشوارع غزة فقال: علي جميع الأطراف ضبط النفس ! تتذكر تلك النكتة القديمة المتجددة حين تسمع تصريحات المعارضين بعد أن يصبحوا حكومة، بعضهم أمسك بأحدهم فقالوا له: انت معانا واللا مع التانيين .. وبعد أن يجيب طبعا بأنه معهم يقولون له.. احنا التانيين!(4) برنامج علامات استفهام علي قناة اليوم ـ ضمن شبكة أوربت ـ الذي يقدمه مفيد فوزي عرض حلقة عن (مفهوم النجاح)، مفيد فوزي شخصية قديمة جدا في الإعلام المصري.. شخصية بها شيء ما مستفز يضفي علي الأجواء المحيطة بالتليفزيون شعورا ما بالضيق! لا بأس.. راح في تلك الحلقة يذكر مقولة أحمد بهاء الدين الشخصية تسبق الموهبة مستضيفا مجموعة من الشخصيات، تنوعت بين مهندس معماري وصحافي وممثل ومعلمة سابقة عضو حاليا بمجالس المرأة وأرملة زعيم حزبي ارستقراطي، قالوا إن أسباب النجاح تدور حول الذكاء والإصرار والاستمرار في العطاء والثقافة، ربما أول ما يمكن أن يخطر ببال البعض أن النجاح مسألة نسبية علي كل حال.. فما يعتبره أحدهم نجاحا قد يراه البعض الآخر دورانا في حلقة مفرغة، ماذا يعني مثلا أن (تنجح) في تكديس الأموال؟ وتظل تدور في تلك الحلقة المفرغة المجهدة لجمع أموال ثم انفاقها في مجالات يمكن فعليا الاستغناء عنها ومع ذلك تستمر الحياة.. ماذا يعني الخضوع لتلك الرغبة سوي استلاب للذات والوقت واغتراب يسببه الخوف علي ما تم جمعه؟ بينما حاجة الإنسان المادية الحقيقية لا تتعدي المسكن والملبس والغذاء وبضعة أشياء أخري؟ هل تذكرون الشاعر بيرم التونسي الذي قال في سنوات الحكمة الأخيرة من عمره.. ملخصا ما يحتاجه الإنسان فعليا: قال إيه مراد ابن ادم قلتله طقة.. قال ايه يكفي منامه قلتله شقة.. قال ايه يعجل بموته قلتله.. زقة !كاتبة من مصر[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية