رغم الخوف والجوع والقنابل التي تتساقط فوق رؤوسهم… نساء غزة وأطفالها يعلمون العرب التشبث بالحياة

حسام عبد البصير
حجم الخط
1

القاهرة ـ «القدس العربي»: تطالب حكومة الكيان المحتل مليوني فلسطيني من سكان قطاع غزة، اختيار أحد الأمرين، إما الهجرة أو القتل، وفيما العالم العربي لا يرغب في استخدام أي من أوراق الضغط التي بحوزته لوقف المذابح التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني، تظل المقاومة الأبية الوحيدة التي تقف في وجه الطغيان العبري المدعوم أمريكيا.
الهم الأكبر الذي يلازم الحكومة منذ حلول العام الجديد، هو كيف ستدبر مستحقات الدين العام، التي تتجاوز خلال العام الحالي 42 مليار دولار، وتسعى مصر لتعزيز إيراداتها الدولارية خلال السنوات الـ6 المقبلة؛ مستهدفة جمع نحو 300 مليار دولار، حسب وثيقة رسمية صادرة من مركز المعلومات، ودعم اتخاذ القرار في مجلس الوزراء، وجاءت مساعي مصر لتعزيز موارد النقد الأجنبي في ضوء أزمة النقص الحاد في العملة الصعبة التي تعرضت لها منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، وخروج الأجانب من استثمارات في أدوات الدين بقيمة اقتربت من 22 مليار دولار، دفع ذلك إلى فرض قيود على عمليات الاستيراد من الخارج، وارتفاع أسعار الكثير من السلع، وتأخر الإفراج الجمركي عن مستلزمات الإنتاج الصناعي. ولكن يبقي السؤال الذي سعت “الفجر” للإجابة عليه: كيف تستطيع الحكومة المصرية تحقيق مبلغ 300 مليار دولار خلال السنوات الست المقبلة، في الوقت التي بلغت فيه إيراداتها من المصادر المختلفة من النقد الأجنبي نحو 99.0 مليار دولار عام 2022/2023؟ وتتمثل جهود الحكومة التي أوردتها في وثيقة التوجهات الاستراتيجية المقترحة للاقتصاد المصري، خلال المرحلة المقبلة 2024-2030 التي أعدتها نخبة من الاقتصاديين لجمع مبلغ 300 مليار دولار بحلول 2030، وهو يمثل 3 أضعاف حجم إيرادات العملة الأجنبية حاليا. ونفى مصدر مصري مسؤول ما زعمته تقارير إعلامية عن وجود تعاون مصري ـ إسرائيلي في ما يخص محور صلاح الدين – فيلادلفيا. وأكد المصدر لقناة القاهرة الإخبارية، أن مثل هذه الأنباء عارية عن الصحة. ومن جانبه أكد العميد أمين حطيط، الخبير العسكري الاستراتيجي، أن جيش الاحتلال الإسرائيلي لا يعلن أرقام القتلى والمصابين الحقيقية بين صفوف جنوده، خوفا من تراجع معنويات الجنود وردة فعل الداخل الإسرائيلي. وكشف حطيط، خلال اتصال هاتفي عبر فضائية “القاهرة الإخبارية”، أمس الاثنين، أن إسرائيل تقلل أعداد المصابين والوفيات عن الأرقام الحقيقية، فمن المعتاد في السلوك الإسرائيلي أن يقسم خسائره في القتلى على 5 إلى 7، وفي الجرحى يقسمهم على 5 أو 8 أحيانا. وأوضح أن الكيان إذا أصيب لديه 5 جنود يعلن إصابة جندي واحد، وإذا قتل لديه 7 جنود يعلن أنه قتل جندي واحد، ولكن الوقائع تكشف إخفاءه للحقيقة، خاصة عندما تنشر فيديوهات المواجهة وتتكرر الصور الجوية بشكل يفضح هذا الأمر.
وأشاد نقيب الصحافيين الفلسطينيين ناصر أبو بكر، بالتغطية الإعلامية المصرية لحرب غزة؛ مقدرا حرص الإعلام المصري المقروء والمرئي على نقل الحقيقة للعالم، وتخصيص ساحات إبداء الرأي للفلسطينيين. وأضاف خلال اتصال هاتفي بالإعلامي أسامة كمال، على قناة “dmc”، أن مؤسسات الإعلام الغربي انحازت لإسرائيل.. وبرلمانيا أكد اللواء أحمد العوضي رئيس لجنة الأمن القومي في مجلس النواب أن “الأراضي المخصصة للدفاع عن الدولة خط أحمر، ولا يمكن في أي حال من الأحوال فتح الاستثمار فيها”.
إلى متى؟

انتهى عام 2023، لكن الحرب في غزة لم تنته بعد، وتتزايد احتمالات توسعها إقليميا، وفق ما يتوقع أشرف راضي في “المشهد”، بسبب تعنت قادة إسرائيل الذين يقاومون ضغوطا خارجية وأمريكية، تطالبهم بتحديد أفق زمني لإنهاء تلك الحرب، ويرفضون أي صفقة لتبادل الأسرى تشترط وقف العمليات الحربية، مسبقا أو كنتيجة للهدنة المؤقتة، رغم الضغوط الداخلية من عائلات المخطوفين، ورغم ما تتكبده القوات الإسرائيلية من خسائر، وهو موقف لا يمكن تفسيره إلا في ضوء تقديرهم لحجم المكاسب التي يحققونها من خلال مواصلة الحرب ضد فصائل المقاومة الفلسطينية المسلحة، وفي مقدمتها حركة حماس والجهاد الإسلامي. هم مستعدون فقط لإدخال بعض التعديلات على أهداف الحرب، خصوصا تلك الأهداف التي تأكد لهم صعوبة، إن لم تكن استحالة تحقيقها في أي مدى زمني منظور. وفي مقدمة الأهداف التي جرى تعديلها، هدف القضاء على حماس وإخراجها من المعادلة، أو تهجير عدد كبير من الفلسطينيين، والانتقال إلى أساليب جديدة في القتال تفرضها اعتبارات عملياتية على الأرض، أهمها الميزة العملياتية للمقاومة الفلسطينية في المدن، وصعوبة التعامل مع شبكة الأنفاق المعقدة في غزة، التي تمنح المقاومة الفلسطينية قدرة على فتح جبهات للقتال في أي مكان يختاره المقاتلون الفلسطينيون، لتحقيق مكاسب عسكرية. وعلى الرغم من حرص الولايات المتحدة على منع توسع الحرب، إلا أن امتناعها عن اتخاذ حاسم يفرض على قادة إسرائيل التراجع عن موقفهم المتعنت، الذي يصيب المجتمع الدولي بحالة من العجز، يدفعها إلى الاستعداد لاحتمال توسع الحرب إقليميا، وهو احتمال مرجح بشدة مع استمرار الحرب. فقد أشار تقرير لموقع “بوليتيكو” الأمريكي إلى أن مسؤولي إدارة الرئيس جو بايدن يعكفون على وضع خطط لمواجهة هذا الاحتمال المتزايد، إذا فشلت الجهود التي تبذلها الإدارة للحيلولة دون تصعيد الحرب.

إدارة التوحش

يواصل أشرف راضي رأيه قائلا، ليست غزة استثناء في ما يخص الحروب الدائرة الآن، التي يقف العالم عاجزا عن وقفها، فهناك حرب في أوكرانيا وأخرى في السودان، وحرب لا تزال دائرة في سوريا أيضا، لكن الكارثة الإنسانية في غزة فاقت كل هذه الكوارث، من حيث حجم الدمار الذي لحق بالبنية التحتية الذي يجعل الحياة في القطاع مستحيلة، والانتهاكات التي ارتكبتها إسرائيل وتجاوزت كل حدود وضعها المجتمع الدولي على مدى عقود، أملا في الوصول إلى عالم أكثر تحضرا، غير أن تلك الانتهاكات الإسرائيلية تجعله أكثر توحشا. لقد قدمت الحرب في غزة، التي يعجز العالم عن وقفها، بيانا عمليا لحروب “إدارة التوحش”، مثلها مثل الحرب التي شنها التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية في كل من الموصل في العراق والرقة وحلب في سوريا، ردا على توحش التنظيم ضد السكان. والسكان المدنيون هم الضحية الأولى لمثل هذه الحروب، ولإدارة التوحش على الجانبين، واللافت للنظر أنه رغم هذه الكوارث الإنسانية، إلا أن المقاومة مستمرة، بل قادرة على الرد وإلحاق الأذى بالعدو، ما يفتح الباب لاستمرار المواجهات العسكرية لفترات طويلة على الأرجح، كي لا تنتهي الحرب على نحو يسمح للخصم أن يدعي تحقيق النصر. وتستمر معاناة البشر والكوارث الإنسانية، جراء استمرار العدوان العاجز عن إسكات المقاومة. السؤال الرئيسي الذي ينبغي الانطلاق منه هو: هل نحن حقا بصدد حالة من حالات عجز المجتمع الدولي عن التحرك لوقف الاعتداءات الممنهجة التي يمارسها الجيش الإسرائيلي ضد المدنيين في غزة، والتي تهدد بتقويض المنظومة القيمية للمجتمع الدولي الذي أظهر حزما في مواجهة حروب أخرى في المنطقة، ويستسلم لإرادة شلة من المتطرفين الذي يقبضون على السلطة في إسرائيل، ويقف مكتوف اليدين وهو يرى هذه العصبة وهي تقود مشروع دولتهم إلى كارثة محققة، قد تؤثر على المنطقة والعالم بأسره؟ والموقف الأكثر غرابة هو موقف الولايات المتحدة التي يعد امتناعها بإصرار عن اتخاذ موقف حازم يضع حدا لجموح المتطرفين في إسرائيل، أو السماح للمجتمع الدولي باتخاذ هذا الموقف ومنعها القوى المهيمنة على القرار الدولي من التدخل لوقف الحرب؟

قاتل وكذاب

رغم كراهيتها لتناول سيرة عدو البشر ومبيدهم رئيس وزراء الكيان الاستعماري الوحيد الباقى على الأرض في فلسطين، إلا أن سكينة فؤاد أصرت على المضي نحو هدفها في “الأهرام”: لا أستطيع أن أعبر كذبته الكبرى التي أطلقها بتهنئة المسيحيين في أنحاء الأرض بأعياد الميلاد، وكأن مئات الآلاف الذين قتلهم وأبادهم وهدم بيوتهم ومستشفياتهم ومدارسهم ودفن مرضاهم أحياء لم يكن فيهم مسيحيون مع المسلمين، وحول تهنئة نتنياهو المسمومة والملغمة بأبشع أسلحة القتل والتشويه والتدمير أنقل سطور مما كتبه المستشار الدكتور محمد عبدالوهاب خفاجي نائب رئيس مجلس الدولة «إن نتنياهو يخدع العالم المسيحي في جميع أنحاء العالم بتهنئة عيد الميلاد، وهو لم يتورع عن تفجير جثث الموتى المسلمين والمسيحيين في فلسطين، ورغم أن عدد المسيحيين في إسرائيل بلغ 177 ألف نسمة تقريبا بما يشكل نحو 2.1% من عدد الإسرائيليين البالغ عددهم (9) ملايين و450 ألف نسمة، إلا أنه يخدعهم مع مسيحيي العالم، وهل تعلم دول التطبيع، أن حلم الصهاينة بإسرائيل الكبرى يغطى منطقة الشرق الأوسط بأكملها، دون أن يتعمقوا بدهاليز التاريخ ويدركوا أنه لولا مصر لأصبحوا لقمة سائغة في فم إسرائيل. إن الهدف الدفين لجزار القرن الحادي والعشرين وقادة إسرائيل القضاء على الشعب الفلسطيني وإبادته نهائيا وإخراجه من سياق التاريخ، ومحو كل ذكرى له وطردهم إلى صحراء سيناء بقصد إقامة دولة صهيونية توراتية تغطي منطقة الشرق الأوسط بأكملها، لالتهام نفط العرب تحقيقا لحلم ما يزعمه الصهاينة إسرائيل الكبرى.

يخدع الجميع

إنها حرب للعقاب الجماعي والإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني مسلمين ومسيحيين، وليس فقط وفق ما نقلت سكينة فؤاد عن المستشار الدكتور محمد خفاجي القضاء على حركة حماس كما يزعمون.. حماس حجة لإبادة شعب فلسطين بأكمله، ونية غير قانونية لارتكاب جريمة التطهير العرقي البشعة لشعب فلسطين. انتهى ما نقلته مما كتبه المستشار محمد خفاجي الذي كان ردا على ما فعله الكذاب الأكبر وجزار القرن المدعو نتنياهو عندما أراد خداع العالم المسيحي، ووقف ملفوفا بوشاح على خلفية القدس البيضاء مدعيا القيم والتاريخ المشترك بين المسيحيين واليهود والتراث المشترك لمدينة القدس، متناسيا كيانهم الاستعماري المغتصب لأرض الفلسطينيين. وبمناسبة تاريخ الأفعال اللاأخلاقية واللاإنسانية التي اعتاد اليهود ارتكابها في كل دولة ينزلون فيها، وجعل الأوروبيين، وفي مقدمتهم الإنكليز يتوجون تاريخهم الاستعماري بزراعتهم في أرض فلسطين ليتخلصوا من شرورهم ويحققوا بهم مصالحهم في الشرق الأوسط، وهو ما تفعله الآن الإدارة الأمريكية، التي أرسلت الأسبوع الماضي وللمرة الثانية صفقة أسلحه قتالية لإسرائيل، دون موافقة الكونغرس، ووسط هذا الانهيار القيمى والأخلاقى للغرب، تبادر دولة جنوب افريقيا إلى ما لم تبادر إليه دولة عربية، بتقديمها طلبا إلى محكمة العدل الدولية مقدمة لها من القوانين الدولية ما يقتضي محاكمة إسرائيل لارتكاب إبادة جماعية للشعب الفلسطيني. أعتذر لقارئي العزيز إذا أوجعته سطورى فما يحدث في غزة يفوق قدرة احتمال أصحاب الضمائر والأحاسيس الإنسانية، وأوجه التهنئة رغم آلام وأوجاع ما يحدث في غزة إلى جميع الأعزاء المسيحيين في مصر وفي فلسطين وفي العالم.

«باقيين هون»

تسمع الطفل أو الطفلة والألم يعصر قلبيهما على فقدان الأقرب والأعز والأحب ويبقى قلبك كما تصفه خولة مطر في “الشروق” يرتجف وجعا.. ثم تأتيك امرأة غزاوية لتردد «ما راح نترك أرضنا» وهي التي هجرت مرة ومرتين وثلاث مرات، والمقبل لا يوحي بأي عودة لذاك البيت الذي تحول إلى كتلة من ركام.. والأب يقطع بعض شعرات ناعمة من رأس طفلته ويقبلها ثم يلحفها بالكفن الأبيض، كما هي بياض في بياض. تأتيك أصوات أطفال يغنون «باقيين هون» أو يرقصون على أنغام الدبكة أو حتى فقط يضحكون وتتساءل «كيف يستطيعون الضحك أمام كل ما يعيشونه؟»، إنها غزة وهم الفلسطينيون يعلموننا كلنا معنى الحياة، كما يجب أن تكون لا كما رسمها أحدهم وكرسها آخرون مثله، وسار عليها الرعاع أي نحن، نعم كلنا رعاع أو قطعان تسير في مواكب مزدحمة حول قطعة هنا أو مكسب هناك، أو حتى شنطة يد، أو فستان، أو أي شكل من اللبس، أو الأكل، أو الشرب، أو العطور أو السيارات والإكسسوارات.. كلنا أصبحنا عبيدا لبعض مظاهر كرسها صانعو كل هذه السلع، أليست هي في نهاية الأمر سلعا، بل هي سلع للاستهلاك وليس للبقاء على الحياة أو المحافظة عليها؟ أو ربما هي وسيلة للترقي في السلم الاجتماعي والاقتصادي والسياسي أيضا.. كلها مترابطة. كيف أسقط الغزاوي طعم تلك الرائحة، أو ذاك المطعم الفخم، أو الشنطة التي يعادل سعرها مرتب موظف محترم لأشهر؟ بل كيف أصبحنا نعشق الخبز الذي يعجن على بقايا حطام بمعنى بعض حجر وأخشاب من ركام ذاك المنزل، بل هي أخشاب خزانة شام الصغيرة الجميلة؛ تلك التي لم تتمكن من حمل كل ألعابها وحليها وصورها وكتبها ودفاتر رسمها؟ شام ركضت لتتعلق بالبالطو الزهري، فشام تحب ألوان الورد، وحملت مقلمتها ودفتر ألوانها وبعض دمى أو ربما هي دمية واحدة وتركت كل الذكريات، لتتكوم مع كثير من صور وذكريات جيرانها وأهلها وأحبتها.. وبقيت قطع خشب خزانتها الصغيرة التي تحولت إلى فرن لصناعة الخبز الطازج في صباحات غزة المنكوبة بصواريخهم وقذائفهم وطائرات «الدرون».
معنى الجوع

تمسح شام كما غيرها من طفلات غزة دموعهن بأكمام ملابسهن وهن يرجفن من الخوف والجوع ووجع الفراق.. سامية تقول كما نقلت عنها خولة مطر: «استشهدوا كل صاحباتي في الصف» والمدرسة اتهدمت، ولكنها تمسك بكتبها، أو ما استطاعت أن تنقذه منها وبعض أقلام ملونة ومنها لون خديها، رغم خدوش الجراح الناتجة عن القصف الذي أنزل سقف بيتهم فوق كل النائمين في ليلة اشتد فيها الضجيج، حتى تحول إلى مشهد من فيلم رعب لم تعرفه إلا عندما كان والداها يتابعان بعض أفلام هوليوود في ليلة خريفية ممطرة.. أسقط أهل غزة معنى الجوع والعطش والاحتياج، كل الاحتياج للطعام، أو الشراب، أو الملبس، أو المسكن، أو الحياة الكريمة.. أسقطوه من حساباتهم وخيمهم تغرق في شبر مطر. حتى عندما سبحت فرشهم الإسفنجية فوق بحيرة المطر، ردد ذاك الطفل الغزي الجميل «كنت عطشان فأرسلت السماء ماءها».. خالد وزياد وأحمد ومحمد كلهم يعرفون أن السماء والطبيعة أكثر رحمة من البشر، حتى القريبين جدا منهم. ببعض قطرات مطر ورغيف فوق قطع خشب وقطرات من زيت الزيتون ورشة زعتر يعيش الغزي لأيام دون أي طعام آخر، والأطفال يحلمون بقطع من الشكولاتة والبسكويت، ولكنهم لا يزالون يرقصون فرحا عندما تمنح الحياة فرصة ويبتسمون للمصورين ويتحدثون بكثير من الطلاقة والقناعة التي يندر أن ينطق بها أطفال العرب كلهم ليعلموننا جميعا دروسا في معنى الحياة الحق، بل في فن الحياة بكرامة بعيدا عن المكرمات وطوابير المنح، وكل التنازلات التي لا تنتهي عند التخلي عن بعض العزة والتحول إلى متسولين بلقب مواطن، أو هو عودة للرعية كما كانوا يكتبون في بطاقات الهوية القديمة التي أصبحت مواد لمتاحف تكتظ بقصص، منها مزور أو ملفق، أو ربما فيه بعض الكذب المغلف بالسوليفان.. كم درسا سنتعلم منكم أهلنا في غزة، ولسنا وحدنا من سنتعلم، بل كثيرين في بقاع الكون الذين رددوا نحن لسنا مقاطعين لهذه البضاعة، أو تلك، بل نحن مستغنون عنها حتى ما بعد تحرير فلسطين.. كل فلسطين.

العدل سينتصر

لا تخيب الولايات المتحدة الظن أبدا بالنسبة لانحيازها الدائم ومساندتها بلا حدود لإسرائيل، وهي تواصل جرائمها التي أصبحت وفق ما يرى جلال عارف في “الأخبار”، محل إدانة شعوب العالم كله. فما أن أعلنت محكمة العدل الدولية عن بدء النظر في الشكوى المقدمة من جنوب افريقيا، التي تتهم إسرائيل بالضلوع في «حرب إبادة» ضد شعب فلسطين هذا الأسبوع، حتى بادرت الخارجية الأمريكية بالإعلان أن الولايات المتحدة لا ترى أي أعمال تشكل إبادة جماعية، وهي التهمة الأساسية التي تواجهها إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية، وفقا لشكوى جنوب افريقيا. لم تر الولايات المتحدة في استشهاد 30 ألف فلسطيني «بمن فيهم الذين ما زالوا تحت الأنقاض» ولا في إصابة نحو 60 ألفا حتى الآن، ولا في استهداف الأطفال والنساء بقنابل زنة 2000 رطل المحرم استخدامها ضد المدنيين، ولا في تجويع شعب بأكمله ومنع الماء والغذاء والأدوية عنه، وإجباره على النزوح.. لم تر الولايات المتحدة في كل ذلك شيئا من الإبادة الجماعية، لأن القتلة هم الإسرائيليون.. ولم تر الولايات المتحدة أن المجزرة البشرية التي تقوم بها إسرائيل لم تكن إلا سياسة دولة يعلن وزراؤها أنه ليس أمام شعب فلسطين إلا الاختيار بين الهجرة، أو القتل، ويتبارى حكامها علنا في التعبير عن هذه السياسة.. فنرى سباقا بين سيموتريتش وبن غفير في الدعوة لتهجير الفلسطينيين، بينما يهدد الوزير إلياهو باستخدام القنبلة النووية ضد المدنيين في غزة.. ولم تر الولايات المتحدة نتنياهو وهو يحمل خريطة إسرائيل الكبرى التي لا مكان فيها للفلسطينيين أثناء زيارته الأخيرة لأمريكا نفسها، ولم تر واشنطن في كل ذلك أي إشارة إلى «الإبادة الجماعية».. وهو أمر طبيعي من دولة عظمى جعلت من نفسها «شريكا فعليا» في كل جرائم إسرائيل، وبالتالي فهي تعرف أن إدانة إسرائيل في محكمة العدل الدولية سوف يكون – في الوقت نفسه – إدانة لأمريكا، وإعلانا بالسقوط الأخلاقي لدولة عظمى كانت تقدم نفسها للعالم على أنها الحامي لحقوق الإنسان والمدافع عن حقوق الشعوب في تقرير مصيرها.

العدالة ستنتصر

منذ بداية الحرب «بل وقبلها بكثير» كانت نوايا إسرائيل، كما رصدها جلال عارف في الخلاص من الوجود الفلسطيني، سياسة معلنة لدولة قامت على الإرهاب، ومع ذلك كان التأييد الأمريكي لحرب إسرائيل ضد الوجود الفلسطيني بلا حدود.. وكان الإصرار الأمريكي على استمرار المذبحة الإسرائيلية ورفض أي قرار للأمم المتحدة، أو مجلس الأمن بوقف القتال هو بمثابة «دعوة للقتل» من جانب أمريكا، ما زالت حتى الآن تتمسك بها حتى بعد أن أصبحت معزولة عن العالم، الذي أصبح بأكمله مع إيقاف الحرب، ومع فتح الملف الأساسي لإنهاء الاحتلال وحصول شعب فلسطين على حقوقه الكاملة، كما حدث مع جنوب افريقيا، التي قاتل شعبها وضحى حتى سقط الحكم العنصري قبل ثلاثين عاما، والذي لم يكن له شركاء في العالم إلا إسرائيل.. وأمريكا حتى اقتراب سقوطه. جنوب افريقيا الآن تقف في مواجهة النظام العنصري الاستيطاني في إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية.. وأمريكا – كالعادة – تقف في الموقع الخطأ من التاريخ، وكأنها لا تتعلم من دروس الماضي. تستبق واشنطن المحاكمة بالادعاء بأنها لا ترى إبادة جماعية في ما تفعله إسرائيل.. ربما هو ضعف نظر سياسي أو خوف من تطبيق العدالة الدولية.. لكن العالم كله يرى، ويعرف أن مصير إسرائيل هو مصير النظام العنصري في جنوب افريقيا، وأن شعب فلسطين لا بد أن ينتصر على الاحتلال ويقهر العنصرية والاستيطان. العالم يرى، والعدالة ستنتصر.

الإنقاذ ممكن

من بين المتفائلين بنجاة مصر من المخاطر المحيطة بها الدكتور حماد عبد الله في “الفجر”: نمتلك في بلادنا المحروسة “مصر” كل عناصر النجاح، نمتلك كل أدوات الإزدهار، ونمتلك الإرادة في التغيير، كما نمتلك مركزا متقدما في الدول التي تعاني من البطالة ومن الفقر (وهذا معلن)، ونمتلك قوى الضغط السياسي الداخلى من المعارضة، سواء كانت أحزابا (بلا قوام) شعبي أو جماعة محظورة تلتحف بالدين، وتسعى لقلقلة الاستقرار تحت دعوى امتلاكنا لهذه الآفات الاجتماعية والاقتصادية في الوطن.. هذه المعادلة الصعبة من وجهة نظر كثيرين، إلا أنها هي معادلة طبيعية يعيشها أي مجتمع في القرن الواحد والعشرين، سواء كان تصنيف هذا المجتمع من العالم الأول أو من العالم الثالث النامي. ولعل الإدارة أو الحكومات الرشيدة هي الحل الأمثل لحل هذه المعادلة الصعبة في نظر (قصيري النظر) حيث أن مثقفي هذا الوطن يعلمون أن المعادلة طبيعية، وسهل حلها فقط بإدارة رشيدة لشؤون وعناصر الحياة في المحروسة.. نحن نحتاج إلى إدارة تنفيذية تقترب من فكر وثقافة شعب مصر، إدارة تنفيذية لديها مبادئ في السياسة العامة، إدارة تنفيذية تمتلك أدوات الإدارة الاجتماعية والاقتصادية والصحية والتعليم والسكان ـ أدوات علمية ـ مع انتماء قوي للطبقة الأوسع انتشارا في الوطن ـ هى طبقة شعب مصر الكادح المكافح الباحث عن الرزق وعن التفوق وعن الإبداع ـ لا يمكن التخيل بأن الأصول الرأسمالية لوطن مثل مصر، شعب يقترب من 110 ملايين نسمة وثقافة وحضارة قديمة وشباب (زي الفل) يمكن توجيهه إلى خير الوطن، وتعليمه بأحدث أساليب العلم في العالم (من حيث انتهى الآخرون) وليس من حيث سميت الحكومة نفسها بحكومة إلكترونية (آسف) ولدينا متسع من المشروعات الوطنية الكبرى، وهي ما كان يطلق على أقل من إحداها حجما بالمشروع القومي. لدينا طاقة بشرية محترمة لم تشغل ولم توجه التوجيه الصحيح، كما أن تمتع موقعنا الجغرافي وما تتضمنه أرض مصر من بحار (أبيض وأحمر) وبحيرات (برلس والبردويل والمنزلة وبحيرة السد العالي) ونهر عظيم من أطول أنهار العالم، ومخزون مياه جوفية لم يتحدد لليوم حجمه أو مخزونه الإستراتيجي، وأراض شاسعة، لم يستغل منها أكثر من 5% من مسطح أرض مصر.

مرض قديم

من زمن لآخر والكلام لمصطفى عبيد في “الوفد” ظل لحكام هذا الوطن آمال وأمنيات وأهداف سعوا إلى تحقيقها لجعل مصر جنة الأرض، والارتقاء بالمصريين إلى مصاف الشعوب المبتهجة، لكن خيبات الأمل كانت كبيرة، وقضينا مئة عام نتحدث عن أحلام لا تتحقق. ما السر؟ الإجابة في آخر سطر، لكن في السطور التالية بعض الإشارات اللافتة. فالأصوات تتبدل، والكلمات تتغير، وبعد أن يُغادر الممثلون خشبة المسرح، يزعم ألف زاعم أنهم قالوا وأنهم وقفوا، مُرتكزين على أن الذاكرة الجمعية للناس كذاكرة الأسماك تنسى ما جرى بالأمس، لكن الأرشيف فضاح فضاح، ومن يعود إليه يندهش من رؤى الناس ومواقفهم، ويتعجب كيف تغيرت بعد رحيل أصحاب السلطة والجاه. بعد ثورة يوليو/تموز 1952 سُمي الملك فاروق بالملك الفاسد، ووصم العهد كله بالعهد البائد، وأفاض كبار الكتاب والصحافيين والأدباء في رص الحكايات عن مباذله وفضائحه، غير عابئين بأنهم جميعا كالوا المدائح في عظمته وحكمته. نقرأ مثلا من قصيدة للأديب والناقد سيد قطب في نهاية الثلاثينيات مديحا للملك فاروق يوم ميلاده يقول فيها «والليالي مرهصات والدنا/ ترقب الميلاد آنا بعد آن/ فإذا فاروق في طلعته/ تهتف البشرى على كل لسان/ ثم كان اليوم يوم المهرجان/ عاش فاروق ودام المهرجان». ونقرأ أيضا للشاعر صالح جودت قصيدة أخرى يقول فيها: «فاروق واسمك في القلوب قصيدة/ يشدو بها الوادي السعيد ونيله/ وأظل ألثم كل معنى طاهر/ منها ويُظمئ علتي تقبيله/ وأقول ما بال السمو يطوف بي/ فعلمت أنك في النهى جبريله».
وقانا شروره

واصل مصطفى عبيد استدعاء مزيد من الشواهد التي تكشف مدى تجذر تلك الآفة الاجتماعية: يكتب الكاتب عبد القادر المازني في عيد ميلاد الملك فاروق في فبراير/شباط 1939: «إن جلالة الملك هو ابن الثورة.. وهو يمثل عظمة الأمة بعد الرقاد وحركتها بعد التربص.. وإقدامها بعد القعود وشعورها بكرامتها القومية.. وحقها في العمل والحياة». ويكتب الأستاذ محمد حسنين هيكل في “روزاليوسف” بتاريخ 16 أغسطس/آب سنة 1943 مقالا يُهنئ فيه الملك بنجاته من حادث القصاصين، يقول فيه: «إن عرشك يا مولاي حياة وارفة زاخرة، حياة كلها شباب ملتف حولك وحول عرشك، وأكاد أتطلع إلى الآفاق وأطوي بخيالى فروق الزمن وأسبق بفكري الحاضر لأنفذ إلى المستقبل فأرى عجلة الزمن تدور، وأرى أجيالا أخرى تنهض، وأخالهم يشيرون إلى هذا اليوم ويقولون: إنه عصر مجيد رائع». وفي ما بعد ثورة يوليو/تموز، وبعد استقرار الحكم لجمال عبد الناصر، وتحديدا في يوم 4 أغسطس/آب 1956 نقرأ لمصطفى أمين مقالا في “أخبار اليوم” يقول فيه «يجب أن يرتفع كل مصري إلى مستوى الموقف الجديد، يجب أن يشعر العالم بأن كل مصري هو جمال عبد الناصر، إنه ليس رجلا واحدا، وإنما هو ملايين المصريين، وهو بعث أمة وروح منطقة بأسرها». ويكتب لنا يوسف السباعى في 4 سبتمبر/أيلول 1956 مقالا يتساءل فيه «من أين يستمد عبد الناصر قوته؟» ويجيب هو بإسهاب وتفصيل «من الوضوح، من الإيمان، من الشجاعة». ونقرأ لكامل الشناوي في “الجمهورية” بتاريخ 16 يناير/كانون الثاني 1958 مقالا، يقول فيه: «وعبد الناصر هو الرجل الذي انبثق من أرض مصر، من عقيدتها، من إحساسها، من فكرتها، هذا الذي صنع الثورة، فكان قلبها وعقلها، كان لهبها ووقودها». وببساطة شديدة يُمكن الإجابة عن السؤال الأصعب عما عطل كل طموحات الحكام وأحلامهم في التحقق، إنه النفاق، النفاق (والتكرار يفيد التأكيد)، وقاكم الله شروره.

طرف خارجي

إذا كنت تتابع الحرب التي تدخل شهرها العاشر في السودان، منتصف هذا الشهر، فسوف ينتابك ما انتاب سليمان جودة في “المصري اليوم”: كأن سيزيف اليوناني قد بعثه الله بين السودانيين هناك. ففي ثاني أيام هذه السنة الجديدة، كان الدكتور عبد الله حمدوك، رئيس وزراء السودان السابق، قد التقى في إثيوبيا مع محمد حمدان دقلو، الشهير بـ«حميدتي».. وفي خلال اللقاء جرى توقيع اتفاق يؤدي إلى وقف الحرب. الحرب تدور منذ 15 أبريل/نيسان بين الجيش الذي يقوده عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع التي أنشأها سيئ الذكر، عمر البشير، ويقودها حميدتي.. وعلى مدى ما يقرب من الأشهر التسعة، جرى تدمير الكثير من المنشآت السودانية، وتشريد الملايين، وتبديد الكثير من ثروات البلاد، وأسر المئات على الجانبين، فضلا بالطبع عن القتلى والجرحى والمصابين. وكان الأمل أن يكون الاتفاق بين حمدوك وحميدتي بداية لأن يلتقط السودان أنفاسه، وأن ينجو من المصير الذي يبدو أنه ذاهب إليه لو دامت هذه الحرب.. ولكن.. ما كاد حمدوك يعود إلى بلده، حتى كان البرهان قد قال إنه مستمر في قتال العدو حتى: ينتهي.. أو ننتهي نحن. وكان هذا معناه أن الاتفاق الموقّع صار كأن لم يكن، وأنه بدلا من أن يمنح السودان فرصة الحياة، فإنه أعطى الحرب دفعة جديدة، وأمد نارها بوقود جديد، وأصبح على السودانيين، الذين تم قذفهم بالبراميل المتفجرة خلال الأيام الماضية في مدينة ود مدني وفي غيرها، أن يهيئوا أنفسهم لبراميل أخرى سوف تتساقط عليهم من سماوات البلاد.

حال السودان

سوف تشعر من خلال فشل الاتفاق الذي حدثنا عنه سليمان جودة ومن خلال فشل محاولات كثيرة مثله كانت سابقة عليه، أن هناك مَنْ ينفخ في نار الحرب بين الطرفين من وراء ستار، وأن أطرافا في المنطقة وفي الإقليم، وفي خارجهما يسعدها جدّا أن يكون هذا هو حال السودان الغني بكل الثروات.. هو غني فعلا بكل الثروات، ويكفي أن عنده الماء المتدفق في النهر الخالد مع الأرض الخصبة الممتدة.. ولكن أهله مُشرَّدون في غالبيتهم منذ بدء القتال، أو هائمون على وجوههم في المساحات التي لم تصل إليها الحرب بعد، أو لاجئون في دول الجوار، أو مُهدَّدون بالجوع والعطش والموت.. والذنب ليس ذنب هذه الأطراف، التي قد نستطيع التعرف على بعضها من سياق الأحداث، ولكن الذنب هو ذنب الطرفين السودانيين، اللذين يخوضان الحرب ويجد أي طرف خارجي آذانا صاغية لديهما. كان سيزيف صاحب أسطورة في اليونان القديمة، وكانت الآلهة قد قضت عليه بأن يرفع صخرة إلى رأس الجبل، وكان كلما رفعها انزلقت منه إلى السفح فعاد يرفعها ويدفعها من جديد.. وهكذا إلى غير نهاية لمحاولاته ولا لانزلاق الصخرة من رأس الجبل. ولا فرق في الحقيقة بين سيزيف وكل سوداني يتابع جهود وقف الحرب، ويتعلق بها، فيكتشف في كل مرة أنه يعود إلى المربع الأول، ويجد نفسه ممسكا بالهواء.. ولكن هذا لا يمنعه من أن يظل يحاول كأنه سيزيف.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية