منتقدو رئيس الحكومة يميلون إلى التعامل باستخفاف مع تصريحاته وخطاباته، وعرضها كأقوال فارغة لحل مشكلات سياسية آنية. الرد التلقائي على ظهور نتنياهو يملي نفسه: كاذب، مخادع، يحكمه بن غفير وسموتريتش. ومن يقولون بانفعال “أنت الرئيس، إذاً أنت المذنب” يميلون لإعطائه تسهيلات وتخفيضات والادعاء بأن لا خطة لديه، وحتى إذا وجدت فهو غير قادر على اتخاذ قرار. ولكن إذا كان نتنياهو مجرد روبوت يُبرمج في ميامي، أو كرة تُركل بين البيت الأبيض و”قوة يهودية”، فما ذنبه؟
يختبئ نتنياهو دائماً وراء شخصيات قوية، ويفضل الظهور كخرقة بالية، لا أن يناضل على مواقف مختلف عليها. سارة، ويئير، والرئيس الأمريكي، والائتلاف، وجهاز الأمن، هم دائماً الذين سيمتصون الانتقادات بدلاً منه. ازداد ميله لإلقاء المسؤولية، منذ قيادته لإسرائيل إلى كارثة 7 أكتوبر وحرب الاستنزاف في قطاع غزة والشمال. ولكن بدلاً من السقوط كضحية لخدعة رئيس الحكومة، من الجدير الاستماع له ومعرفة إلى أين يسعى.
من اللحظة التي استيقظ فيها من الصدمة عند اندلاع الحرب، يصمم نتنياهو على عرض سياسته لـ “اليوم التالي”: “احتلال إسرائيل من جديد لقطاع غزة”، أعلن في كانون الأول: “بعد تصفية حماس، ستكون غزة منزوعة السلاح، تحت سيطرة إسرائيل الأمنية، ولن تكون فيها أي جهة تهددنا وتعلم أولادها الإرهاب”.
في شباط، أضاف إلى مجموعته عبارة “النصر المطلق”، التي كالعادة أثارت الضحك والمحاكاة. ماذا لو قصد نتنياهو ما يقوله، وكان توجهه للنصر بأسلوب حرب الاستقلال، التي ستحتل فيها إسرائيل غزة. الكثير من السكان الفلسطينيين هناك سيغادرون إلى دول عربية وغربية، وستقام في المنطقة مستوطنات لليهود؟ هذه النتيجة مناسبة لبند استهلالي في الخطوط الحكومة الحالية الأساسية: “للشعب اليهودي الحق الحصري، غير القابل للنقاش، في كل أرض إسرائيل”.
يصعب الادعاء بأن كل هذا أقوال. خطوات إسرائيل العسكرية في غزة تسمح بهذه النتيجة: طرد السكان، وتدمير المدن والقرى، وصعوبة في إدخال الغذاء والوقود للاجئين، وتقسيم القطاع بشارع عرضي وإقامة قواعد للجيش الإسرائيلي على طوله، والدخول إلى رفح بالتدريج. الإدارة العسكرية التي يقترحها نتنياهو الآن (كعادته يختبئ وراء السكرتير العسكري، الجنرال رومان غوفمان، لأنه كتب وثيقة خاصة”) هي مرحلة أخرى في العملية المتدحرجة نحو “تهويد قطاع غزة”.
في الوقت الذي يطالب فيه اليمين علناً بنكبة ثانية في قطاع غزة، يعتقد معارضو النظام أنها أوهام مسيحانية لن تتحقق، ويعلقون الآمال على العالم الذي لن يسمح لإسرائيل بتكرار “ولادة قضية جديدة للاجئين الفلسطينيين”، مثل عنوان كتاب بني موريس عن حرب العام 1948. لا شك أن المجتمع الدولي، برئاسة الولايات المتحدة، يعارض احتلال إسرائيل للقطاع، ويعارض التطهير العرقي للسكان الفلسطينيين واستبدالهم بمستوطنين يهود. التهديد بأوامر اعتقال في “لاهاي” وتجميد إرساليات السلاح من أمريكا، استهدف ردع نتنياهو عن الذهاب حتى النهاية.
لكن نتنياهو يعرف التاريخ جيداً، ويعرف أن أمريكا عارضت خطوات اعتبرتها إسرائيل حيوية، وتراجعت أمام تصميم إسرائيل. هكذا كان الأمر عند إعلان الاستقلال، ورفض عودة اللاجئين الفلسطينيين، وإعلان القدس عاصمة لإسرائيل، وإقامة المفاعل النووي في ديمونا، وبناء المستوطنات في “المناطق” [الضفة الغربية] وتوسيعها، وحتى العملية الحالية في رفح… في كل هذه الأحداث استمعت إسرائيل إلى أمريكا ولكنها فعلت العكس، بالضبط مثلما يقوم نتنياهو الآن بخداع الرئيس الأمريكي ومبعوثيه الذين يأتون لحثه على “إعادة السلطة الفلسطينية إلى قطاع غزة”. بالنسبة له، التحدث عن صفقة إعادة المخطوفين مقابل وقف إطلاق النار وانسحاب إسرائيل، ليس سوى طريقة لإضاعة الوقت إلى حين يتعود العالم على الواقع الجديد الذي سينشأ في قطاع غزة، كما تعود على نتائج الحرب الأهلية في سوريا.
ماذا إذا حقق غانتس آمال المتظاهرين في “كابلان” وقدم استقالته من مجلس الحرب ووقف مثل أليكسي نافالني وجان دارك على رأس الاحتجاج ضد نتنياهو. المشكلة في هذا السيناريو ليست ضعفاً سياسياً في غانتس، الذي لا يمكنه إسقاط الحكومة والوصول إلى الانتخابات ومعاملته اللطيفة، بل في موقفه الجوهري. غانتس أظهر مرة أخرى في “الخطاب الإنذاري”، يؤيد سياسة الحكومة التي يجلس فيها، ويدعو إلى مسؤولية أمنية إسرائيلية في غزة، بالضبط مثل الاحتلال في الضفة الغربية، ويعارض حماس وعباس أيضاً. الفرق بينه وبين نتنياهو هو أنه يريد “إجراء نقاشات” خلافاً لنتنياهو. وزير الدفاع غالنت أكثر شجاعة من غانتس في سلوكه العام وانتقاده لنتنياهو، لكنه يؤيد استمرار الحرب، ويبرر معارضته للحكم العسكري في غزة باعتبارات اقتصادية وقوة بشرية، وليس بتقدير أن الاحتلال يضر إسرائيل.
إسرائيل تسير بثقة إلى التراجع عن الانفصال والعودة إلى غزة بروحية وعود نتنياهو وآمال شركائه في الائتلاف. “كيف لم أخمن مسبقاً”، كتب س. يزهار. “خربة خزعة لنا. قضية التوطين ومشكلات الاستيعاب. سنعيش معاً ونندمج. ولكن كيف؟ سنفتح جمعية استهلاكية ومدرسة وربما كنيساً… لتحيا خزعة العبرية! من سيخطر بباله أن خربة خزعة كانت هنا ذات مرة، طردنا سكانها وورثناهم. جئنا، أطلقنا النار، أحرقنا وفجرنا وقمنا بالصد والدفع والتهجير”. يمكن البدء في كتابة مسودة لقصة التتمة. يمكن التقدير أن الكنيس سيقام هذه المرة قبل الجمعية الاستهلاكية.
ألوف بن
هآرتس 20/5/2024