احد ابرز الأسماء في مشهد الفن المعاصر في بيروتبيروت ـ ‘القدس العربي’ ـ من مازن معروف: رائد ياسين ليس مجرد واحد من الأسماء الشابة في مشهد الفن المعاصر في بيروت. ذلك أنه يسعى لابتكارات جديدة في الفنون البصرية والسمعية، من دون أن يسقط الثقل الفكري عن أعماله. درس المسرح لكنه ما لبث ان توجه نحو الفنون البصرية المعاصرة. شاركت اعماله في مهرجانات عالمية عديدة، ونال جوائز محلية وعالمية. أسس منذ سنوات شركة ‘النهاية’ للتسجيلات، كما كانت له مؤخرا جولة في مدن اليابان إستمرت لقرابة الشهر. إصداره الاخير كان كتابا فنيا (rtist book) بعنوان ‘أجمل أغاني سامي كلارك’ الذي نال عنه السنة الماضية الجائزة الاولى في معرض ‘عتبات 2009’ الذي أقيم في مركز بيروت للفن. إلتقيناه وكان لنا معه هذا الحوار. * درست المسرح وانتقلت إلى الفنون البصرية، كيف تم هذا الإنتقال؟* منذ زمن طويل وانا أسعى لأعمل في الفيديو آرت والتجهيز والفنون البصرية، والتي هي غير موجودة كإختصاصات، وبحكم قربي من بعض الأصدقاء التشكيليين في لبنان، أيقنت أن ليس علي أن أدرس الفن التشكيلي في لبنان، كما تأكدت صراحة، أن هناك تخلفا في الجامعة اللبنانية لدى أساتذة هذا الفن. هكذا أقولها وبدون أية مقدمات. فلا يمكنك أن تتطور عبر الجامعة اللبنانية، وعموما فإنهم لا يعترفون بالفنون الحديثة، ويعتبرونها كديكور. أما المسرح، فكان جوه اكثر انفتاحا، وقد عملت في بعض الإنتاجات قبل أن أركز قدمي فيما كنت أنوي القيام به منذ وقت طويل. المسرح مثير للاهتمام، لكنه لم يجذبني، ولسبب أنك ستكون مضطرا للعمل في بلد هو لبنان حيث الفرد فيه اكثر أهمية بأشواط من الجماعة، وهو أمر صعب في الحقيقة، أما في الموسيقى، فكان الأمر مختلفا حيث تمكنت من إيجاد بعض الأصدقاء ممن كنت قادرا على التفاهم والتواصل معهم في هذا المجال وبالتالي العمل كمجموعة، في المسرح هناك مشكلة عقيمة وتافهة، ونتيجة ذلك أنه لا توجد فرق مسرحية في لبنان، وواحد من أنجح المسرحيين هنا هو المخرج ربيع مروة، الذي لم يعد حتى يعمل مع اشخاص لهم خلفية مسرحية. ثمة مشكلة فعلية في هذا المجال، ولذلك، فإن ربيع مروة يعمل لوحده، وأنا أتفهمه تماما. لا أعرف ما المشكلة بالتحديد، لكنني أقول لهؤلاء إفعلوا ما تشاؤون لكن دعوني وحدي. * كيف تعرفت بالموسيقى الإلكترونية وكيف اخترتها وتعرفت بها في بيروت؟* هي ليست موسيقى إلكترونية لأنها ذات هوية وصوت معيّن يختلف عن سواه. أنا أستعمل آلات غير إلكترونية بحسب كل مشروع. أنا في الأساس عازف كونتر باص، وأستعمله كمعمل صوت وليس كآلة كما تستعمل بالمفهوم التقليدي. هناك ما يدعى بالإنكليزية ‘extended techniques’ أو’prepred double bse’ وهذا بدأ في الخمسينات مع جون كايج الذي أخذ يعمل على البيانو لتطويره، ووضع براغي وآلات حديدية فيه ثبتها إلى اوتار البيانو الداخلية لجعلها تصدر أصواتا معينة ومختلفة. وقد تطورت هذه التقنية، حتى غزت الغيتار ومن ثم الساكسوفون وأخذ الامر تدريجيا بالاتساع. ومن هنا بدأت أهتم بعمل هذا على آلة الكونتر باص، ومن ثم الإشتراك في أعمال مع موسيقيين عرب وأجانب، وإقامة حفلات في العالم. مؤخرا، كان عندي مشروعان او ثلاثة بشكل مكثف. وهي مشاريع ذات صدى جيد جدا في العالم العربي. أولها هو مشروع تريو مع شريف سحناوي ومازن كرباج، وهو عبارة عن تريو آلات مثل الكونتر باص والترومبيت والغيتار ومن دون أي استعمال للآلات الالكترونية، وذلك لاستنباط اصوات إلكترونية. وهو أمر جديد وغريب كان ولا يزال مثارا للإنتباه في الكثير من الجولات العالمية التي نقوم بها. المشروع الثاني هو بخصوص نوع من الموسيقى استعمله بعض مشغلي الاسطوانات، واسمه ‘experimentl turntblism’، وهي تقنية معينة للاعب الاسطوانات يستخدم فيها تسجيلات جاهزة ويعيد تركيبها أو تفكيكها أو دمجها أو تطويرها صوتيا، وبالتالي ما يظهر وكانه يبتكر هذه الاصوات. نحن نعمل على مشروع يسمى ‘rb turntblism’ ونحن اول من بدأ هذا المشروع، وأستعمل فيه مواد صوتية عربية. يمكنك أن تسميه كولاج صوتي. المشروع الثالث هو مشروع شديد الغرابة بعنوان ‘برائد’ مع عازف سويسري، وفي آخر عمل لنا كان هناك كوكتيل مصري، وهو بحث في البوب، وكان يحتوي على موسيقى أفلام مصرية. * كانت لديك جولة مطولة في اليابان. كيف كان تفاعل الناس معك، وما هي الاختلافات التي لمستها في علاقة الامكنة بالموسيقى بين بيروت وطوكيو مثلا؟ * في اليابان هناك ظاهرة اجتماعية وجدت بعد الحرب العالمية الثانية وتسمى ‘لايف هاوس’ بمعنى أن كل حانة تقريبا لديها برنامج موسيقي حي، وتستضيف وبشكل يومي، فرقا موسيقية تلعب امام الحضور، وحتى أن بعض الحانات تستضيف اكثر من فرقة واحدة في اليوم. وهذا الأمر ساعد الحياة الاجتماعية في اليابان على التنامي وخصوصا بعد الحرب العالمية الثانية. وهو مقوم حضاري أساسي كذلك. اللايف هاوس ولكثرة وجوده هناك ثمة سهولة لأن تستضاف وتعزف موسيقى. فالجمهور هناك ومن ضمن حياته الاجتماعية هي أن يذهب لسماع الموسيقى، وهذا ما ساعد على نجاح الجولة، التي قمنا بها في اكثر من ثلاثين مدينة من أقصى الجنوب الياباني إلى أقصى شماله. هناك إذن المكان، وهو جاهز دوما لاستضافتك، وبالتالي فإن بمقدورك أن تذهب في جولة موسيقية لتقدم موسيقاك لليابانيين. الامر مختلف في بيروت، فالمكان هنا غير موجود، حتى وإن كان يتسع فقط لأربعين شخصا. إذا اردت ان تقيم حفلا موسيقيا في العاصمة اللبنانية، فعليك استئجار مسرح، ووضع ملصقات، وتنظيم الدعاية.. إلخ. الأمر مكلف جدا. أما هناك فكل شيء جاهز. الجمهور الياباني مهتم بالموسيقى، لكن أحيانا يأتي عدد قليل من الناس ليسمعوك. لا يمكنك أن تتحكم بهذا الامر. طوكيو مثلا مدينة هائلة، وأحيانا يحدث أن هناك اكثر من 500 حفلة لايف هاوس في الليلة الواحدة، لكن حجم طوكيو تقريبا اكثر من لبنان. وكمية البشر هناك توازي ما في الجمهورية العربية السورية بكاملها. هذا فقط في طوكيو. إذن الكثافة السكانية مرتفعة جدا. وهذا يكفي لان يكون هناك تقريبا ألف مكان لموسيقى اللايف هاوس. الناس لا يستطيعون متابعة كل الحفلات او انهم يتوزعون. أضف إلى أن الموسيقى التي نلعبها ليست شعبية، وحتى النجوم هناك، تراهم احيانا يلعبون الموسيقى لعدد محدود لا يزيد عن العشرين شخصا. وأحيانا حتى لشخصين فقط. * كيف ترى تفاعل الجمهور معكم؟ بالنسبة للتسجيلات والمبيعات والموسيقى التي تشتغلونها؟* دعنا نوضح أمرا هنا. هناك اولا الموسيقى الشعبية وهي ليست سيئة بالضرورة. هي موسيقى تعبر عن فانتازيات الشعب. أما ما نسمعه بكثرة، فهذا ما نسميه موسيقى تجارية. الموسيقى الشعبية قوية جدا. في مصر الموسيقى الشعبية موجودة بقوة. أما في لبنان، فهناك مثلا أربعة ملايين نسمة، والفرق بين الطبقات غير مخيف مثلما هو الحال في مصر، وبالتالي فإن هذا الامر غير قادر على صقل مكبوتات فظيعة تحرض المخيلة على العمل فنيا ضمن بيئتها. ليست هناك فروقات طبقية هائلة في لبنان، وبالتالي فإن حضور الموسيقى الشعبية في هذا البلد ضعيف جدا. في سورية الأمر موجود وفي لبنان يقتصر على منطقة البقاع فقط. لكن لبنان أيضا قوي في الدعاية والاعلان وكل لبناني عنده سيارة، وكل لبناني يريد أن يتحدث ثلاث لغات وهذا ما يساعد على قتل الموسيقى الشعبية، وهذا ما يساعد على انعدام هذا النمط من الموسيقى وبالتالي فإن الخليط اللبناني يفتح طريقا سهلا لكل ما هو مستورد. أما في الإنتاج العربي، فأنا أتحدى ‘أكبر راس’ كل واحد ضارب نفسه بكمية قاذورات كبيرة. في الانتاج هدفهم أن يصيروا شبيهين بإنتاجات الغرب، اي بشكل المنتَج. المنتِج يلعب دورا كبيرا في تكوين صورة العمل، وأسلوبه. فهو يختار الآلات ويقرر من يوزع. في لبنان، وخلال ثمانينات القرن الماضي، أي سنوات الحرب، كان هناك حضور مميز للبوب اللبناني، وبرأيي فإن الياس الرحباني، من عباقرة موسيقى البوب في هذا البلد. لأنه كان هناك حدود لها علاقة بالحرب، ما كوّن نوعا من اللغة، وبالتالي فإنك عندما كنت تسمع تلك النغمة، كنت تعرف على الفور بأنها لبنانية. وهذا له علاقة أيضا بالرحابنة أنفسهم الذين فلتروا محيطهم بمعنى أنهم رفضوا أن يكونوا مصريين مثلا، فالياس عمل شيئا مختلفا وقدم ألحانا لأكثر من تسعين بالمائة من الفنانين خلال الحرب. نحن نعمل ما يمكن تسميته بالموسيقى البديلة، لكن مساحة هذا الفن واسعة جدا، والجمهور قد لا يستوعب الموسيقى هذه بسهولة. في عام 2001 اطلقنا مهرجان الموسيقى الارتجالية بعنوان ‘إرتجال’. من أربعة أشخاص في الصالة اصبح لدينا الآن قرابة الأربعمائة شخص في الصالة. قد لا يحبه الكثيرون، فهناك لا شك نوع من الضجيج أو الإزعاج في هذه الموسيقى (noise music). خذ مثلا فرقة ‘صن سيتي غيرلز’، صحيح أن الأخوين بيشوب اللذين استضفناهما مؤخرا في بيروت، يعملان على موسيقى بديلة وقد تحتوي بعض الضجيج، لكن هناك مفهوم قائم بحد ذاته في شغل الفرقة. في امريكا، المشاهد الموسيقية مفتوحة على بعضها البعض، الروك مثلا مفتوح على البوب والراب والفولك. فهذا يسمع ذاك، أما في لبنان فالحالة مختلفة. المشاهد الموسيقية مغلقة على بعضها هنا. جماعة الجاز يعتبرون أننا لا نؤلف موسيقى. لكن هذا الأمر مضحك جدا، فهؤلاء مثلا، لعبوا في الثمانينات مع زياد الرحباني، لكنهم لا يزالون إلى الآن في مكانهم. لم يتطوروا. إنهم يلعبون موسيقى لكبار مؤلفي الجاز، لكن ما الفائدة، إذا اردت ان اسمع جاز، سأذهب مباشرة إلى اسطوانات الكبار وليس إلى شخص يعيد عزف هذه المقطوعات من دون أي ابتكار أو إضافة. إنه كحفظ الدرس. تحفظ وتسمِّع ما حفظته للجمهور. من دون روح. وهذا يحدث يوميا. هناك عازفون ممتازون. لكن ماذا قدمت لي، إذا لم تكن لتقدم أي شيء إضافي. المشهد الشرقي ليس له علاقة باي مشهد موسيقي آخر. ليست هناك ثقافة كافية. جماعة الموسيقى التجريبية منفتحون على كل شيء. أنا أسمع الكثير من البوب، لكنني متاكد من أن فنان البوب لا يسمع موسيقى تجريبية. الامر يثير الاستغراب والحزن. لبنان بلد مفتوح بالمقارنة مع سورية واليمن. البلد غير مفتوح. تصور مثلا أن لا حقوق للاجئين إلى الآن أو مثلا لا تستطيع خادمة آسيوية رفع دعوى على مخدومها اللبناني الحيوان الذي يضربها ليلا نهارا. أصبح الأمر متاحا لها امام القضاء مؤخرا. او مثلا لا يستطيع شخص آسيوي الذهاب إلى مسبح خاص، فقط لأنه آسيوي. ما هذا البلد المتخلف. ويقولون عنه حضاريا. لا يمت إلى الحضارة بصلة. أنا إنسان غير وطني. لا يمكنني أن أكون وطنيا في بلد تحكمه الطوائف. لاجل من إذن أكون وطنيا؟ لقد قَتلوا كلهم خلال الحرب. وأنا أفضل الا أمتثل بهم. ثمة مشكلة هنا. وهذا يؤثر طبعا على طبيعة تفكير اللبناني حيال الثقافة. الثقافة في لبنان هي ‘أُبَّهة’ مع أن الكثيرين ممن ساهموا في صنع الثقافة ليسوا لبنانيين. اغلب مشتغلي الفن التشكيلي في لبنان جاءوا من طبقات مرتاحة ماديا، وذلك لأن هذا الفن يحتم عليك أن تكون صبورا لفترة ما كي تركز صورتك في المشهد التشكيلي وتصبح قادرا على بيع لوحاتك. إذن هناك فترة من الزمن سيتعين عليك أن تظل إلى حد كبير، بلا مال، ما يستلزم بطبيعة الحال متكفلا بمصروفك اليومي، وهو ما يفعله ‘البابا’ او ‘الماما’ لهؤلاء الفنانين. خذ مثلا ان فرقة اتت من آخر العالم، من الحوض الغربي للولايات المتحدة إلى لبنان لتقديم حفلة. أتكلم عن ‘صن سيتي غيرلز’ التي غنت مؤخرا في بيروت. لاقوا استحسان أغلب الجمهور لكن هناك اشخاصا غادروا بعد اغنية الـ’سي آي إيه’ والتي ينتقد فيها المغنيان بيشوب الجهاز الاستخباراتي الشهير في الولايات المتحدة. تصوَّر، بعض اللبنانيين إعتبروا أن الأغنية مس سيئ بهم ولم يتقبلوا الوضع وغادروا. شعروا بأنهم معنيون بهذا الأمر. وهذا جيد. الرسالة وصلت. الحضور بدأ في مغادرة المسرح بين الساعة 10:35 والساعة 11:00 مساء. اللبناني عنده وقت محدد لهذه الامسيات. اللبناني لم يستطع الانتظار اكثر من الساعة العاشرة والنصف لأنه بالنسبة لهم، الوقت اللازم لبدء السهرة وشرب الكأس. الأمسيات الموسيقية في توقيتهم تنتهي عند الساعة العاشرة والنصف لذلك لم يطيقوا الاستماع اكثر إلى الفرقة التي كانت كريمة جدا وغنت لساعة ونصف. هناك من أتى من لندن وتركيا وسورية. وأنا لأنني وجدت جسرا بين اعمال هذه الفرقة الموسيقية والقضايا العربية. ولذلك فإن ثمة ما يمس بهويتنا ومشكلاتنا ويتآخى معها. لذلك قمت بدعوة الفرقة إلى بيروت، علما بان ‘صن سيتي غيرلز’ توقفت منذ اوائل عام 2008 عن إحياء الحفلات بعد موت لاعب الدرامز. تصور، اللبناني لم يطق الجلوس بعد الساعة العاشرة والنصف، رغم ان هذه الفرقة قطعت اكثر من خمس عشرة ساعة طيران من الولايات المتحدة إلى بيروت. اللبناني عنده جدول، ولا يستطيع أن يكسر نظامه!* ماذا عن مشروع ‘النهاية’ للتسجيلات، نريد ان نعرف اكثر عن هذه الشركة، واتجاهها؟* في العالم العربي، لم يعد هناك أخطبوطات تتحكم بالانتاج والسوق وخاصة في العالم العربي حيث أن حقوق المؤلف ضايعة. أنا أشجع هذا الشيء. نعم، أشجع على ضياع حقوق المؤلف برغم انني مؤلف موسيقي. أنا ضد الملكية الفكرية بشكلها الحالي. الأفكار يجب ان تتحرك بين العامة. إذا كنت انا افكر هكذا وإن كنت مبدعا في مكان ما، وبالتالي فإن من حق الآخرين تقاسم المنتج الإبداعي فيما بينهم ومشاركة الأفكار الجديدة. الاسطوانات لم تعد المستوعب الوحيد للاغاني والتسجيلات، وذلك لأن التحميل عن الانترنت بات متاحا الآن، كما و’MP3′ والتزوير.. إلخ. أنا مع التزوير. إذن، كل شيء متاح. في مصر هناك سوق قائم، أما في لبنان فليس هناك سوق. الأمر مضحك. مثلا البوم فيروز الاخير. الناس اشترته تعاطفا مع السيدة الكبيرة ربما. أما أنا فسأحمِّل أغاني ألبومها عن الانترنت. ليس شيئا خاصا أن تملك السي دي. والإخوة ليسوا بحاجة إلى مال، فمعهم الكثير. ‘النهاية’شركة إنتاج سي دي، تتعاطى بالموسيقى المغايرة. وفي لبنان تماثلها شركتان هما ‘المسلخ’ و’جوني كفتة’. نبيع كثيرا في الخارج اما في لبنان فالمبيعات محدودة. لا نريد ان نصل لآلاف الناس هنا لان آلاف الناس هم من ينتخبون ولهم اهتمامات اخرى. يحبون اللعب بالسياسة وأشياء اخرى. ليس هدفنا الوصول إلى هؤلاء. الشركة اسستها مع شريف سحناوي وحاتم إمام. ونحن ننتج ألبومات من فناني العالم اجمع وليس من المحليين فقط. ويرتكز عملنا على الطلب من هؤلاء إعطاءنا مادة موسيقية موجودة، مفككة مركبة، اغاني اعيد صناعتها من اول وجديد. اول إصدارات النهاية كان صولو من تأليفي بعنوان ‘الالبوم الجديد’. كان عبارة عن إعادة تفكيك وتركيب موسيقى بوب مصرية من سبعينات وستينات القرن الماضي. موسيقى شعبية، وبوب. موسيقى مألوفة للناس، لكنني أعدت تفكيكها وتركيبها مستعملا الترنتايبل. وهنا يكون عملي في تحريك الذاكرة الجماعية. أنت تاخذ مادة صوتية موجودة في لاوعيك الجماعي ولاوعيك الفردي. هنا يقوم عملي. قد تكون قد سمعت هذه الاغنية في فيلم او على الراديو، أو في سيارة التاكسي.. إلخ. أقوم أنا بحك ذاكرتك هذه، ما يستدعي لديك الرغبة في التفكير في الموضوع الموسيقي نفسه. وهو اتجاه موسيقي نسعى من خلاله إلى إصابة هؤلاء المهتمين قليلا بموسيقانا. فالمهتمون متابعون لنا، ويعرفون كل اخبارنا. اما المهتمون قليلا، فننوي ان نزيد اهتمامهم بهذه الموسيقى من خلال هذا. السي دي الثاني، كان ايضا على دي جي ياباني، فكك وركب موسيقى جاز حر، وذلك بتقنية معينة، وإضافة تكنولوجية ذلك أنه مبرمج كومبيتر وصانع ماكينات الموسيقى الالكترونية. صنع ماكينة تستطيع أخذ الاصوات من الكومبيوتر بعد ان يكون الجهاز قد ولف الموسيقى. هذا الشغل موجود لدى فنان لبناني مشهور في العالم واسمه طارق عطوي. الالبوم الثالث للنهاية، كان شغله مختلفا. وهو لفرقة روك عالمية من أمريكا (صن سيتي غيرلز). هؤلاء عندهم اهتمام فظيع بشمال أفريقا وجنوب شرق آسيا والشرق الاوسط. وقد سافروا مرارا إلى تلك المناطق، ما عدا الشرق الأوسط الذي زاروه أول مرة عبر قدومهم إلى لبنان مؤخرا. سجلوا أغاني من الراديو، لم يكن مؤلفها معروفا. في شمال أفريقيا، كانوا يأخذون الموسيقى من الطوارق، والأمازيغ والبربر الذين موسيقاهم جميلة جدا. في تونس مثلا، كانت تلك الراديوهات ممنوعة في الثمانينات. اخذت تلك الفرقة من مصر ولبنان وسورية وتركيا. وبالتالي، فإنهم اخذوا بعض المؤلفات الموسيقية التي ظل اصحابها مجهولين، واعادوا تفكيكها ولعبها بصيغة الروك. ولأنهم لم يكونوا يفهمون لغة العمل الأصلي، قاموا باختراع لغة شبيهة، لإدراجها في أغانيهم. طبعا هذه اللغة غير مفهومة، وغير موجودة أساسا. وبالتالي فإنهم يقلدون اللغة صوتيا. الامر شبيه بأطفال يغنون أغنية أمريكية لا يعرفون مفرداتها، فيخترعون كلمات صوتية ملائمة للنغمة. طلبت منهم أن يرسلوا إلي مجموعة من الأغاني التي عملوها ولها علاقة بمنطقتنا. كانت هذه الأغنيات قد صدرت في البومات مختلفة لكنني اردت الإضاءة على فرقة عملت على ثقافة الجمهور العربي. فجمعت كل ما أخذوه في السابق من منطقتنا وأعدت طباعته في سي دي. الامر مهم جدا بالنسبة لي، فالعين الخارجية تستطيع أن ترى في المجتمع عيوبا لا تستطيع رؤيتها العين الداخلية. المستشرق مثلا يرى أشياء في المجتمع لا يستطيع الفرد المحلي رؤيتها. الاستشراق يحمل وجهة نظر خارجية تعطيك نظرة جديدة للمجتمع. هناك فرق أخرى لكن رويدا رويدا لان تكاليف ما نقوم به هو من جيبتنا الخاصة. أنا لا أجني قرشا واحدا من بلدي. * أصدرت مؤخرا عملا (rtist book) بعنوان ‘أجمل أغاني سامي كلارك’، حدثنا عن هذا المشروع ولماذا اخترت سامي كلارك؟* هذا المشروع بدأ بتمويل من متحف ‘إستاد’ للفن في جنوب السويد. وكان تجهيزا وليس كتابا. عرض هناك وبعد عرضه لفترة أربعة شهور في المتحف، تقدمت به للمشاركة في ‘عتبات 2009’ في مركز بيروت للفن. بعد موافقة اللجنة المعنية بمعاينة المشاريع. المشكلة في لبنان انه لا يعترف بك كفنان قبل بلوغك مثلا سن الخامسة والثلاثين. الرحابنة مثلا، أتوا ومسحوا كل موسيقى اخرى محلية. ولم يعد هناك موسيقى سوى الرحابنة. في الفن، ليس الأمر بهذه البساطة. ياتي مثلا جيل من الفنانين ويسيطرون على كل شيء، حتى إذا أتى احد المهتمين بالفنون المعاصرة، فإنه لن يجد نصب عينيه سوى أسماء محددة. يحاول البعض احتكار مشهد الفن المعاصر في لبنان. وكأن لا أحد آخر موجود. هكذا تسير الامور. وتُقبل في أهم المراكز الفنية في العالم، وتجوب في أهم المتاحف العالمية، حتى يرغم هؤلاء على اخذك بعين الاعتبار كفنان مهم. كانت هناك لجنة في ‘عتبات 2009’ وبعد خلافات بين أعضائها حول عملي (وهذا يعني أن عملي اثار نقاشا، ولم يكن الأمر ‘إتفقت كل اعضاء اللجنة’ كما يحدث في الشؤون اللبنانية عادة)، تقرر أن تمنح الجائزة لي. وكان علي، بحكم نيلي الجائزة، أن أصدر كتابا. فعملت على إصدار عملي الفني في كتاب. وذلك لأنني نلت الجائزة أصلا عن هذا العمل. وهو نوع من تحية لسامي كلارك، الفنان الذي عمل نوعا مغايرا في البوب. فهو اتخذ له إسما غربيا (سامي كلارك بدلا من سامي حبيقة)، وهو فنان نال جوائز عديدة، وغنى بأكثر من لغة، ويمتاز بشيء مختلف. أنا لا اعرفه شخصيا، لكن لانني أعمل على الثقافة الشعبية، والبوب في الثمانينات في لبنان ومصر. ولذلك، اعمل مؤلفا او قصة ادخل فيها مغني البوب كأبطال في سيرة حياتي. هناك قصة نسجتها حول سامي كلارك وعلاقتي به وأهميته في حياتي. في أحد الأفلام التي عملتها بعنوان ‘ديسكو’، إدعيت بأن محمود ياسين هو في الحقيقة أبي. وكان يحب الديسكو ويقيم حفلات ديسكو كل ليلة سبت، وكان يرهق امي كثيرا قبل أن التقى بمنتج مصري أخبره بانه فوتوجينيك ويجب ان يدخل إلى عالم التمثيل، وقد بدل ابي إسمه من سمير ياسين إلى محمود ياسين لأن إسم محمود مقنع اكثر في مجتمعات إسلامية مثلما هو الحال في مصر. وشيئا فشيئا صار يرسل لنا بطاقات المعايدة والمال، وثم ما لبث أن قل المال وكثرت البطاقات، وفي النهاية اتت أمي ذات يوم إلى المنزل حاملة معها كاسيت فيديو من بطولة محمود ياسين وكانت تلك المرة الأخيرة التي أرى فيها ابي وقد كان يرقص حينها في التلفزيون. هناك مشاريع كثيرة لكنها تحتاج مالا وبحثا هائلين. * أصدرت أكثر من مجموعة شعرية في بداياتك الفنية ‘رائد ياسين يرمي الشمس في سطل المياه’، ‘الأعمال الشعرية الكاملة’، و’آداجيو بلا قبعة’ و’أدرينالين معلَّب’. كيف ترى إلى هذه المنتجات؟* المضحك هو سخافة الشعراء في التسعينات. كان المشهد فعلا يبعث على الضحك. وقد دخل على الخط شعراء لا يعرفون اللغة الإنكليزية واخذوا يكتبون قصائد شبيهة بالشعر الأمريكي مثلا من دون أن يكونوا قادرين على قراءة نصوص بالإكليزية بل مجرد ترجمات عن هذه النصوص. كان بعض من شعراء التسعينات مثيرا للاهتمام، لكنهم كانوا ميليشيات. كاسماعيل فقيه، يوسف بزي، زاهي وهبي، يحيى جابر. كلهم كانوا ميليشيات. أنا أحب يحيى جابر ويوسف بزي كثيرا. كان هناك انفجار شعري في التسعينات، وقد طالني الامر. حتى إنني دخلت إلى عالم الفن الحديث من باب الشعر. كنت أكتب. وأول من شجعني كان الشاعر الراحل بسام حجار الذي نشر لي قصائد في ملحق ‘النهار’ وكان عمري آنذاك خمسة عشر عاما. وبدأت اتعرف على الشعراء. لكنني كنت أحب التصاميم، فبدأت اعمل على تصميم أغلفة كتبي. ‘رائد ياسين يرمي الشمس في سطل المياه’ كان مشروعا شعريا بالنسبة لي، أما إصداري الثاني والذي حمل عنوان ‘الأعمال الشعرية الكاملة لرائد ياسين’ فلم يكن مشروعا شعريا. يمكن أن تسميه ‘آرتيست بوك’. كلفني وقتها قرابة المائتي دولار. وبعته بنفسي باليد. وكان مغلفا بكيس نايلون كسلعة إستهلاكية. وقد احتوى الكتاب على جملة واحدة، أردت بها أن اسجل موقفا اعتراضيا على كل الشعر المكتوب آنذاك وهي ‘إنتفخ الولد من اكل التفاح وثم مات’. كان عندي سأم من الشعر المكتوب في التسعينات. وقد بدا الامر محزنا خصوصا ان حقبة الستينات احتوت أسماء شعرية مبهرة وعلامات مضيئة في تطور القصيدة الحديثة. كأنسي الحاج وشوقي أبو شقرا. أما في التسعينات، فكنت لتلتقي من يقول لك بان الشعر النثري ليس شعرا. حرام أن تضيع وقتك مع هؤلاء في أي نقاش، والأجدى ان تدعهم يتخبطون في جهلهم وبلههم لأنهم لن يقتنعوا إذا ناقشتهم. ‘إنتفخ الولد من أكل التفاح وثم مات’ كنت فيها أسخر من الشعر وطريقة تعلم اللغة العربية والجملة المكررة في الكتب التربوية المدرسية ‘أكل الولد التفاحة’. هوجمت من أسماء كبيرة، ورفضوني. واعتبروني مجرد ولد. وفي الحقيقة هو أنه عندما تكون ولدا يمكنك السخرية ممن تشاء والتصرف كيفما تشاء. لن أنشر الشعر مجددا لانني لم أعد اكتب الشعر. عندي قصائد قديمة لكنني لن أنشرها لانني سأعتبر نفسي عندئذ متعديا على الشعر. كيف لي أن أنشر قصائدي القديمة في كتاب وأنا توقفت عن كتابة الشعر ونقلت وسائلي التعبيرية إلى شكل فني آخر؟ * كيف هو حال الشعر برأيك في بيروت اليوم؟* الشعر من أتعس الفنون في بيروت. في التاريخ، هناك فنون تسبق الفنون الأخرى وتتطور أسرع كالموسيقى والفن التشكيلي والشعر. الموسيقى أكثر سرعة في الوصول إلى العامة. وبالتالي تتطور أكثر من غيرها. لا أعرف السبب. لكن الشعر متأخر جدا قياسا بباقي الفنون. المسرح ايضا متأخر في بيروت لكن بنسبة أقل. لم أعد أقرأ الشعر الآن. لأن ليس ثمة ما يحمسني على قراءة الاصدارات الجديدة. أقرأ في بعض الاحيان كتب وديع سعادة مثلا، وتعجبني دواوين شارل شهوان في الثمانينات، وفادي أبو خليل الأخيرة. هؤلاء كتبوا الشعر بلغة شبيهة بالشعر الأمريكي، والسر أن هؤلاء يجيدون كذلك اللغة الانكليزية كما أنهم ليسوا من اليسار. محمود درويش أهلكنا بفلسطين في قصائده. ودرويش سبب أساسي في تأخر تطور القصيدة العربية وانفتاحها. حسن عبدالله عنده شيء ولمحمد العبدالله أيضا لغة خاصة. لكن أنسي الحاج وشوقي أبو شقرا من عباقرة الشعر في هذا البلد التافه الذي لا يقدّر مبدعيه.