مذبحة دوار النابلسي في شمال غزة تقدم جريمة حرب إبادة مزدوجة في مشهد واحد. حرب الإبادة بالتجويع، والإبادة بالرصاص. في دقائق قليلة وطبقا للأرقام الأولية حتى كتابة هذه السطور استشهد 112 فلسطينيا وأصيب بجروح بعضها خطيرة أكثر من 750 فلسطينيا. مشهد نقل جثث الشهداء والمصابين إلى مستشفى الشفاء يهز وجدان وضمير كل من لديه ذرة من انتماء للإنسانية. لكن الرئيس بايدن لم يتحقق بعد من أن إسرائيل مسؤوليتها كاملة عن جريمتي الإبادة بالتجويع والقتل. المشهد الواحد الذي تجلت فيه الجريمتان حدث في الوقت الذي تجري فيه مفاوضات من أجل وقف «مؤقت» لإطلاق النار في غزة. فهل ما تزال المفاوضات من أجل ذلك لها صلة بالواقع، أم انه لا سبيل إلى إنقاذ الفلسطينيين في غزة من الإبادة إلا تحقيق وقف «دائم» لإطلاق النار فورا وبلا شروط؟ وهو ما يتطلب شق مسارين للمفاوضات، واحد لوقف الحرب تماما، والثاني لترتيبات ما بعد الحرب، بما في ذلك تبادل الأسرى والمحتجزين؟
إن مفاوضات وقف إطلاق النار «مؤقتا» فقدت معناها، كما إنها فقدت تقريبا صلتها بالواقع الفعلي على الأرض، حيث يموت الفلسطينيون في غزة بالمئات يوميا بالقنابل والصواريخ، ويموتون أيضا بالعشرات يوميا من الجوع وأمراض سوء التغذية. ووصل الأمر إلى حد أن اللجنة الدولية للصليب الأحمر ومنظمات الإغاثة الإنسانية المستقلة ومنظمات الأمم المتحدة العاملة في غزة تتوقع أن يموت ما يقرب من 60 ألف فلسطيني خلال الأشهر الستة المقبلة، بمعدل 10 آلاف حالة وفاة جديدة من الجوع فقط كل شهر (333 حالة وفاة يوميا) إذا لم يتم وقف إطلاق النار فورا. تقرير اللجنة الدولية للصليب الأحمر الصادر في 28 من الشهر الماضي يحتوي معلومات صادمة عن الوضع الإنساني في غزة يبرر ضرورة ممارسة أقصى الضغوط على إسرائيل لوقف إطلاق النار فورا وبشكل دائم ومن دون أي شروط. من المعلومات الصادمة التي وردت في التقرير أن الأطفال على وجه الخصوص يعانون من انتشار سوء التغذية بمعدل سريع جدا لم يشهده العالم أبدا من قبل. وقد وجد الخبراء أن واحدا من بين كل 6 أطفال تحت سن عامين في شمال غزة يعاني الآن من شدة سوء التغذية. وأن 90 في المئة من الأطفال تحت سن 5 سنوات يعانون من انتشار الأمراض المُعدية. وقد اعترف وزير الدفاع الأمريكي أن 25 ألفا من النساء والأطفال فقدوا أرواحهم حتى الآن في الحرب التي تجاوز عدد ضحاياها الفلسطينيين 30 ألفا.
نقطة ارتكاز مفاوضات وقف إطلاق النار التي يتم الحديث بشأنها، تتمثل في تبادل الأسرى والمحتجزين، بينما سياسة التجويع التي تتبعها إسرائيل هي جزء من استراتيجية إبادة الفلسطينيين وتهجير من يتبقى منهم على قيد الحياة بعد الحرب بعيدة عن المفاوضات أو يتم التعامل معها كنقطة هامشية. هذه السياسة مخالفة للقانون الدولي. ذلك أن المادة 33 من معاهدة جنيف الرابعة تحرم إجراءات العقاب الجماعي للسكان. وتتحمل إسرائيل المسؤولية عن الالتزام بذلك بوصفها دولة احتلال. كما أن منع دخول أو إعاقة وصول المساعدات الإنسانية إلى السكان يمثل جريمة من جرائم القانون الدولي الإنساني.
وإذا كان لدى العالم حاليا نظام يحتكم إليه، فإن منظومة قوانين الحرب تفرض إلزام إسرائيل بوقف دائم لإطلاق النار، والامتناع غير المشروط عن ارتكاب انتهاكات تخالف القانون الدولي. أما مهمة تبادل الأسرى والمحتجزين فإنها مهمة ترتبط عمليا بترتيبات مع بعد الحرب، وليس مع وقف الحرب بقصد استئنافها بعد إتمام التبادل.
مصالح الوسطاء
واستمرار الحرب
ويجب أن نشير أيضا إلى أن المفاوضات الجارية تنطوي على نفاق مفضوح من جانب معظم الوسطاء. منبع هذا النفاق هو أن استمرار الحرب حتى تتحقق أهدافها، وليس وقفها، هو أمر مؤكد باتفاق الأطراف التي تتوسط في وقف إطلاق النار، باستثناء قطر. تلك الأطراف (الولايات المتحدة، السعودية، مصر والأردن) لها مصلحة مؤكدة ومعلنة بشكل مباشر أو غير مباشر في ضرورة التخلص من حماس. الرئيس الأمريكي أكد ذلك أكثر من مرة، وهو يطالب حكومة نتنياهو بممارسة الحرب بطريقة «القتل الرحيم» وليس وقفها، كما أن الأردن والسعودية تتفقان مع إسرائيل على ضرورة إنهاء المهمة بالقضاء على نفوذ حماس، باعتبار أن ذلك النفوذ يمثل امتدادا للنفوذ الإيراني في المنطقة. وإضافة إلى ذلك فإن هناك سباقا صامتا، ولكنه صمت الاحتقان، بين السعودية والأردن على ممارسة الولاية الدينية على المسجد الأقصى، وتريد كل منهما أن تكون له الحظوة لدى إسرائيل للفوز بهذه الولاية. كما أن هناك سباقا صامتا بين السعودية والإمارات على الفوز بالرضا السياسي والاقتصادي الإسرائيلي، باعتبار ذلك طريقا رئيسيا لزيادة نفوذ كل منهما، أو لأي منهما على حساب الأخرى، في معركة المنافسة الشرسة الجارية في الخليج الآن، التي تتجلى في حرب اليمن.
ومن هنا فإن تطبيع العلاقات مع إسرائيل يمثل مصلحة سعودية رئيسية وحجر زاوية في سياستها الخارجية الجديدة التي تتضح معالمها تدريجيا منذ عام 2015 حتى اليوم، سواء داخل نطاق السباق الخليجي على النفوذ بينها وبين الإمارات، أو داخل نطاق السباق الاستراتيجي المتعدد الأبعاد مع إيران، رغم ان السعودية بالتأكيد لا تريد أن يصل السباق مع إيران إلى نقطة صدام قد تهدد بتوسيع نطاق حرب اليمن على حدودها، وتحريك مشاعر التجمع الشيعي الكبير في المنطقة الشرقية الغنية بالنفط ضد نظام الحكم الحالي. هذه السباقات المتعددة الأطراف تجعل الموقف الإسرائيلي رمانة الميزان في توزيع القوى على المستوى الإقليمي. كما أن هذه السباقات تحكمها إسرائيل وتقع تماما في حِجْر السياسة الإسرائيلية الإقليمية التي تعتمد على مبدأ «فَرِّقْ تَسُدْ» الذي اعتمدت عليه كل الإمبراطوريات المهيمنة في التاريخ للإبقاء على هيمنتها. وقد مارست إسرائيل سياسة «فَرِّقْ تَسُدْ» بشراسة واضحة ضد الفلسطينيين بالفصل بين الضفة الغربية وغزة، وإشعال الصراع بين حماس والسلطة الوطنية في رام الله. كما أنها تمارسه بصورة يومية في سياساتها الداخلية ضد الفلسطينيين داخل ما يسمى «الخط الأخضر» في الأرض المحتلة منذ عام 1948 وفي سياساتها الخارجية تجاه الدول العربية.
أما بالنسبة لمصر فإنه ليس خفيا على المصريين أن النظام السياسي الحالي ما يزال يعتبر أن حماس تمثل الذراع العسكري الإقليمي الأقوى للإخوان المسلمين في المنطقة وعلى حدودها الشمالية الشرقية، وأن هذا النظام كما قام على أنقاض حكم الإخوان القصير في مصر، ما يزال يعتبرهم الخصم اللدود له، ولن يقبل أبدا بوجود تهديد سياسي وعسكري له على بوابته إلى المشرق وما وراء المشرق في آسيا الصغرى والوسطى وشبه القارة الهندية والشرق الأقصى. ومن ثم فإن للنظام السياسي المصري الحالي مصلحة استراتيجية في تصفية نفوذ حماس، باعتبار أن هذا النفوذ يمثل تهديدا استراتيجيا ثانويا للنظام، مشتقا من تهديد سعي الإخوان للعودة إلى الحكم. وتوجد قناعة كبيرة لدى أجهزة الحكم في مصر بأنه في حال تعثر العلاقات مع الولايات المتحدة، خصوصا فيما يتعلق بالإمدادات العسكرية والمساعدات الاقتصادية، بما في ذلك قروض صندوق النقد الدولي، فإنها تجد أن البوابة الأقرب لإصلاح الموقف هي البوابة الإسرائيلية إلى الكونغرس الأمريكي والبيت الأبيض. وليس من المستبعد أبدا أن يكون السباق الإماراتي- السعودي على النفوذ في مصر هو جزء من لعبة إقليمية تضمن بها إسرائيل نفوذا متعدد الأبعاد على كل من البلدان الثلاثة.
التهجير في شمال سيناء
ليس خافيا أن هناك وجهة نظر قوية في إسرائيل تعتبر أن منطقة شمال سيناء تمثل الحل الأمثل للمعضلة الديموغرافية في غزة، أحد المناطق الأكثر ازدحاما بالسكان في العالم. وقد اقترح معهد «مسجاف» لدراسات الأمن والاستراتيجية الصهيونية في القدس قبل أكثر من أربعة أشهر تهجير كل سكان غزة إلى شبه جزيرة سيناء، وقدم ورقة تفصيلية بهذا الخصوص تبناها على الفور زعماء الجناح الديني الصهيوني المتطرف داخل حكومة نتنياهو. وما تزال تفاصيل هذه الورقة تتردد بوضوح في تصريحات وزراء الأمن والمالية والمخابرات، بينما يتجنبها نتنياهو الذي يعمل على تفريغ قطاع غزة من أكبر عدد ممكن من سكانه في الحرب الحالية، تمهيدا لتفعيل آليات الاستيطان الإسرائيلي ومواصلة تهجير الفلسطينيين، سواء باتفاق مع الدول المجاورة أو بغير اتفاق. ومن ثم فإن ضمان استقرار علاقات إسرائيل مع مصر يمثل ركنا أساسيا من أركان سياستها الخارجية والدفاعية. أما بالنسبة لمصالحها الاقتصادية فإنها لن تجد صعوبة في ضمان تحقيقها والمحافظة عليها وتنميتها من خلال أدوات إماراتية وسعودية وأمريكية.
محركات الحاضر تخضع
لاحتياجات المستقبل
يركز نتنياهو على تحريك الأحداث في الحاضر لخدمة رؤيته لمستقبل العلاقة بين إسرائيل والدول العربية المجاورة، بصرف النظر عن وضع الشعب الفلسطيني. الشرط الأول الذي يسعى نتنياهو وحكومة اليمين الديني الصهيوني المتطرفة لتحقيقه هو التخلص نهائيا من وجود حماس في غزة، بتدمير بنيتها العسكرية تماما، والتخلص من قيادتها المحلية نهائيا، إما بالقتل أو باتفاق لترحيلها إلى منفى في الخارج. كما يتضمن هذا الشرط إنهاء كل علاقة لحماس بالشؤون البلدية والشرطة وإعادة البناء. ولدى إسرائيل قوائم كاملة بأسماء عناصر الشرطة والأمن والقيادات البلدية المرتبطة بالمقاومة أو المتعاونة معها، ومن المرجح مطاردة هؤلاء وإبعادهم أو قتلهم.
و لا يرى نتنياهو أن هناك مشروعية لوجود سلطة أخرى في فلسطين من النهر إلى البحر غير سلطة الحكومة الإسرائيلية، وأن أقصى ما يمكن أن تمنحه إسرائيل للفلسطينيين هو تمكينهم من إدارة شؤونهم البلدية تحت مظلة سياسية وأمنية إسرائيلية. هذا يعني عمليا تصفية السلطة الفلسطينية الحالية في رام الله، ومنع مد ولايتها إلى غزة، وإقامة إدارة منقوصة الصلاحيات للشؤون البلدية في مناطق التركز السكاني الفلسطيني، ووضع الدول العربية المجاورة أمام مسؤوليات الأمن الداخلي في غزة تحت سيطرة إسرائيلية، وتحميل دول الخليج الغنية أعباء تكلفة إعادة بناء غزة. وتتفق الولايات المتحدة والدول العربية المجاورة مع نتنياهو على ضرورة إنجاز المهمة التي بدأها في غزة، وتغض النظر تماما عما ترتكبه القوات الإسرائيلية والمستوطنين المدعومين من الدولة، خصوصا من سلطات الأمن القومي والمالية وشؤون المستوطنات من فظائع وحشية بربرية في الضفة الغربية والقدس الشرقية، التي تهدف إلى تهويد القدس الشرقية، وقضم الضفة الغربية من الشمال في جنين ونابلس إلى الجنوب. ومن ثم فإن عملية اجتياح رفح مستمرة وسط تفاهم وتنسيق وتأييد من الولايات المتحدة والدول المجاورة باستثناء لبنان وسوريا. العملية الجارية بالفعل منذ منتصف شباط/فبراير على الأقل، بواسطة الطيران والصواريخ والقوات الخاصة الإسرائيلية من خلال عمليات تمشيط عسكرية دقيقة، من المتوقع أن تصل إلى ذروتها باجتياح بري وحشي يتم خلاله قلب باطن الأرض على ظهرها لتصفية قيادة المقاومة واستعادة المحتجزين، الذين تؤكد أجهزة المعلومات الإسرائيلية أنهم محتجزون في أنفاق تحت خان يونس ورفح.
خطورة اجتياح مدينة رفح بريا تعود بالأساس إلى هشاشة البنية الأساسية في المدينة الحدودية الملاصقة لمصر، ووجود ما يقرب من 1.5 مليون فلسطيني، أو ما يقرب من 70 في المئة من سكان قطاع غزة، نزحوا إليها من شمال ووسط وغرب وشرق قطاع غزة منذ بدأت الحرب. ونظرا لطبيعة الأسلحة والذخائر وخطط العمليات التي تسير عليها إسرائيل فإنه لا توجد على الإطلاق أي قواعد عملياتية لحماية المدنيين، أو حتى تقليل عدد الضحايا المدنيين المحتمل سقوطهم في عمليات عسكرية تتم على سطح الأرض. ومن الصعب جدا، بل أنه من المستحيل تصديق فرضية الضغط الذي تدعيه الولايات المتحدة على إسرائيل لتقليل عدد الضحايا المدنيين، لأن إسرائيل لا تملك خريطة لمواقع عسكرية مستهدفة، وهي تبرر دائما منذ بدأت الحرب زيادة أعداد القتلى المدنيين بأن المقاومة الفلسطينية تختبئ وراء المدنيين وتستخدمهم دروعا بشرية.
في العمليات السابقة من غزة إلى دير البلح إلى خان يونس، كانت إسرائيل تأمر الفلسطينيين بالرحيل عن مساكنهم إلى «مناطق آمنة» وتعتبر رفح الآن هي آخر المناطق الآمنة طبقا للتعريف الإسرائيلي، فإنها تضحي يوميا بحوالي 100 شهيد وأكثر من 200 جريح. هذا العدد من الضحايا بينما رفح ما تزال معلنة منطقة آمنة، سيرتفع بأكثر من عشرة أمثاله يوميا في حال حدوث اقتحام بري للمدينة، وستكون حرب رفح هي البركان الأكبر للحرب، من حيث كونها متوقعة تحقيق هدفها النهائي من وجهة النظر الإسرائيلية. إنها أيضا موقعة البقاء والصمود للمقاومة في داخل الأرض الأرض الفلسطينية. وتريد إسرائيل أن تكون معركة رفح هي المعركة الأخيرة لحرب غزة، وأن تنتقل منها إلى إزالة أي مقومات تساعد على إقامة دولة فلسطينية مستقلة قابلة للبقاء والنمو، وأن يحصل نتنياهو على رخصة جديدة تطيل عمره السياسي على رأس الحكم، والمتاجرة بأنه انتصر في الحرب على كل الذين عارضوه أو وقفوا ضده، وحقق الأهداف الثلاثة الرئيسية التي كان قد أعلن عنها؛ استعادة المحتجزين في غزة، وتدمير حماس، وتأسيس حقائق جديدة تمنع حدوث ما وقع في 7 أكتوبر مرة ثانية وإلى الأبد. نتنياهو يريد أن تكون حرب غزة هي آخر حروب إسرائيل مع المقاومة الفلسطينية. لكن إدراك المقاومة بأن معركة رفح هي معركة الفرصة الأخيرة للبقاء على خط المواجهة ضد إسرائيل من داخل فلسطين، من شأنه أن يجعل رفح هي البركان الذي ينتشر لظاه في كافة الجبهات الأخرى المستعدة للمقاومة، سواء في الضفة الغربية والقدس الشرقية أو في لبنان والجولان والعراق واليمن. ستكون معركة رفح بالنسبة للمقاومة هي معركة الوجود التي تضع النقطة الفاصلة بين سيناريو استمرار المقاومة وسيناريو الهيمنة الإسرائيلية والتطبيع. وفي أسوأ الأحوال ستكون رفح عنوانا لبداية حرب باردة جديدة طويلة المدى تغرق فيها بلدان الشرق الأوسط كلها، العربية وغير العربية بين محور المقاومة الذي لن يهدأ حتى ينتصر، ومحور الهيمنة والتطبيع الذي ما يزال يستمد قوته من القوة الأمريكية، وهي قوة تتجه إلى أفول وغروب، وليس إلى استمرار وصعود. وسوف تكون رفح بحق هي مقبرة إسرائيل.