فيكتوريا بريتينيعتبر قرار القاضي ميتنغز رفض ترحيل الناشط عمر عثمان المعروف بأبي قتادة الى الاردن انتصارا مهما للعدالة البريطانية على الرغم من الضغوط الحكومية التي يتعرض لها القضاء. وقد دعا القرار المحامي ادوارد فيتزجيرالد الذي يرافع عن ابو قتادة للطلب من الحكومة الافراج الفوري عن موكله بكفالة حيث قال انه بعد هذا القرار ‘لا مبرر لمواصلة الحكومة حرمان ابو قتادة من حريته، هذا يكفي، لقد مضى على قضيته سنوات عدة’. كل هذا لا يعني ان حياة ابو قتادة بعد خروجه من السجن ستكون سهلة وواضحة خاصة في ضوء الشروط التي وضعت على خروجه بكفالة. فالتسييس غير العادي لهذه القضية والاستثمار الكبير للحكومة من اجل الانتصار في المحكمة كي يتسنى لها ترحيل ابو قتادة بدا واضحا من رد وزارة الداخلية المباشر على القرار وانها ستقوم بالاستئناف عليه، على الرغم من رفض المحكمة- مفوضية الاستئنافات الخاصة بقضايا الهجرة (سياك) لهذا الطلب. ومع ذلك فالمسلسل القضائي هذا كشف عن الابعاد السياسية والاجتماعية لحياة المهاجرين المسلمين وفي مرحلة ما بعد هجمات 9/11 خاصة من اصبح منهم تحت مراقبة الاجهزة الامنية بسبب ما تراه علاقتهم بالارهاب.وفي قلب قضية ابو قتادة هناك الادلة السرية التي اعتقل بناء عليها عام 2002، وعليها قام الرفض المتكرر للافراج عنه بكفالة، حيث تم اعتقاله مرتين بعد الافراج عنه بشروط قاسية ووضعه فيما يشبه الاعتقال الاجباري في البيت لمدة 22 ساعة يوميا، والمراقبة الالكترونية، وحصر علاقاته بعائلته وبعدد محدود من الزوار. وخلال كل هذا قضى ابو قتادة ما يقرب العقد محبوسا في زنزانة صغيرة مع مسلمين اخرين تريد بريــــطانيا ترحيــــلهم او تسليمهم، وقد دفع الاعتقال الطويل والمستقبل المجهول بعضهم لحافة الجنون او اصابتهم بامراض نفسية خاصة ان الحكومة لم توجه لأي منهم تهما بارتكاب جرائم محددة. وبناء عليه فقد وصف القاضي ميتنغز حالة ابو قتادة واعتقاله بانها ‘استثنائية’ وتحدث باسف عن الوقت الطويل الدي استغرق لحل القضية. ابو قتادة فلسطيني عاش سابقا في الاردن حيث تعرض هناك للتعذيب. وبعد سنوات من مغادرته البلد، ربطته السلطات الاردنية بمؤامرات ارهابية. وبموجب الادلة التي تم الحصول عليها عبر التعذيب فقد اصدرت محكمة عسكرية عليه حكما غيابيا بالسجن مدى الحياة. وقد اشتكى المتهمون وبالأدلة على التعذيب الذي تعرضوا له اثناء المحاكمة التي قدموا لها منذ عدة سنوات. كما ان شاهدا قدم ادلة برأت ساحة المتهمين في المحاكمة الاولى قد اعدم. وبناء عليه جاءت قرارات المحاكم البريطانية المتتالية ضد مطالب وزراء الداخلية المتعاقبين قبل ان يقرر مجلس اللوردات في عام 2009 انه يمكن ترحيل ابو قتادة للاردن. كما ان المحكمة الاوروبية لحقوق الانسان قررت في يناير الماضي ولخيبة امل حكومة الائتلاف (البريطانية) بعدم محاكمة ابو قتادة في الاردن خاصة ان هناك امكانية لانتزاع ادلة منه تحت التعذيب. وبسبب هذا قامت وزارة الداخلية بشن حملة هستيرية وعدائية قائمة على كره الاجانب وقد حظيت الحملة بدعم من وزراء داخلية سابقين والرأي العام، فكل واحد بدءا من عمدة لندن الى نواب في البرلمان شعروا ان بامكانهم تحقيق نوع من الشعبية الرخيصة من خلال الحديث عن التهديد الذي يمثله ابو قتادة على البريطانيين وحياة اهل لندن العادية. بدأت السيدة تريزا ماي (وزيرة الداخلية البريطانية) اجراءات الترحيل بعد ان حصلت على بعض التأكيدات من الاردن حول موضوع الادلة التي انتزعت من خلال التعذيب حيث املت ان تقنع هذه التأكيدات المحكمة الاوروبية لحقوق الانسان بوجود امكانية لترحيل ابو قتادة، ولم تقف عند هذا الحد بل زارت الاردن كي تقدم الالتماس للحكومة الاردنية بنفسها. ولأن القاضي كان يبحث عن تأكيدات بعدم تعرض حياة ابو قتادة للخطر فإنه وجد ما يناقض دعوى الحكومة من ان ترحيله لن يعرضه لمحاكمة تقوم على ادلة منتزعة من خلال التعذيب وذلك بعد مراجعة شهادة الشاهدين الاردنيين في المحكمة السابقة. لكن وزارة الداخلية عارضت الحكم بشدة وقالت ان مسؤوليها لم يتلقوا فقط تطمينات من الاردن بما يتعلق بمعاملة ابو قتادة نفسه بل فيما يتعلق بقيمة الاجراءات القانونية التي ستتخذ والتي سيتم الالتزام بها طوال مدة محاكمته. وبالنظر لخطورة النكسة التي تعرضت لها الحكومة فمن المؤكد ان لا تتخلى السيدة ماي عن محاولاتها لترحيل ابو قتادة. ولا بد من الحديث هنا عن الحملة الاعلامية المخزية التي شاركت فيها الطبقة السياسية بكاملها لملاحقة ابو قتادة ووصمه بالارهابي الذي كلف دافعي الضرائب البريطانيين اموالا طائلة للابقاء عليه سجينا لعقد من الزمن. ولم يلتفت احد من المشاركين في الحملة الى ان ابو قتادة حصل على اللجوء وعاش حياة عائلية عادية، وفي سياق سياسي مختلف في الاعوام التي سبقت هجمات ايلول 2001 حيث انتقد علانية الديكتاتورية والاضطهاد في الدول العربية بمن فيها الاردن، وخلال هذا لم توجه له اية تهمة في هذا البلد، ولا بد من التذكير ايضا انه شجب العملين الارهابيين في امريكا وبريطانيا في 7/7 من عام 2005. وفي هذا السياق فالرجل نفسه باحث اسلامي جاد وصورته بعيدة كل البعد عن صورة المتطرف التي لا تكف وسائل الاعلام البريطانية تحذير المواطنين من خطورته وخطورة تواجده حرا في الشوارع العامة. وهو ايضا اب عانى وتحمل بمنتهى الاباء المعاناة التي مرت بها عائلته طوال السنين الماضية، فقد مورست الضغوط على صاحب البيت الذي يسكنه كي يقوم بطرده وعائلته، كما قام الاعلام بنشر الاكاذيب عنه وعن نجله الاكبر وهو ما جعله قلقا على مستقبل ابنه. وطوال الاشهر الثلاثة التي افرجت فيها السلطات عنه بكفالة في بداية العام الحالي ظل بيته محاطا بحلقة ‘سيرك’ من الاعلاميين الذين عسكروا امامه، والذين لم يتوقفوا عن التقاط الصور لأبنائه وهم يخرجون منه لمدارسهم او كلياتهم. وقد تجنب ابو قتادة هذا الحشد الاعلامي بعدم مغادرة البيت حتى جاءت الشرطة واعتقلته وسط وهج الكاميرات.ولا بد من التذكير انه عندما افرج عن ابو قتادة بكفالة لأول مرة عام 2008 وتم تفتيش بيته، علق القاضي ميتنغزعلى طلب الداخلية سحب الكفالة بقوله انه ليس مقتنعا بالادلة التي قدمت للمحكمة. ولكن القاضي الغى الكفالة بناء على الادلة السرية التي اطلع عليها بنفسه، جنبا الى جنب المحامي الخاص انغوس ماكلا الممنوع اصلا من الاتصال بالمتهم وموكليه، طبقا للنظام الاورويلي للمحكمة الخاصة سياك. وعلى نفس المنوال تم الغاء الكفالة مرة اخرى هذا العام وبعد ثلاثة اشهر من الافراج عنه. وفي اثناء التحضيرات للالعاب الاوليمبية (2012) علق القاضي ميتنغز على ما ورد في طلب الحكومة من ان هناك ضغوطا على امكانيات الوزارة وهو ما اشار اليه محاميها روبن تام في اثناء جلسة الاستماع امام (سياك) من احتمالات هروب ابو قتادة حيث قال’ بشكل اخر، ففي حالة فرار ابو قتادة، فاما ان تخصص المصادر لملاحقته والبحث عنه واما ان يتم التعامل مع موضوع هروبه كاولوية دنيا’. وفي كلتا الحالتين استخدمت وزارة الخارجية امكانية هروب ابو قتادة لمنع الافراج عنه بكفالة، واي دليل على هذا قدم في محاكم خاصة، مما جعل محاموه يشعرون بأنهم يحاربون في الظلام. وربما كانت كلمات ابو قتادة نفسه احسن تذكير لنا عندما قال للقاضي في المحكمة في نوفمبر 2008 ‘لقد فهمت ان الحكومة تتهمني بمحاولة الفرار، ويجب ان اؤكد لك ان الهرب من هذا البلد يعتبر بالنسبة لي فكرة مجنونة ولم تخطر ابدا على بالي، لأنني تحت الرقابة الدائمة ولمدة 24 ساعة، انا مراقب في بيتي، وخارجه في الساعتين التي يسمح لي الخروج خلالهما، وليس سرا وجود كاميرا موجهة على بيتي من الشارع ، هذا امر واضح، كما ان مبادئي الاخلاقية تمنعني من خيانة الثقة التي وضعها الاشخاص الذين كفلوني، مهما قلتم عني فلن انزل لهذه الدرجة واخون ثقتهم’، ومع ذلك قررت المحكمة حينذاك تجاهل كلماته. في هذا العام تحدث القاضي عن العناصر الشريرة التي هددت بمساعدة ابو قتادة على الهروب، وربما كانت هناك عناصر شريرة لديها احلام وفنتازيا عن رجل تحول الى شخص اسطوري من قبل السلطات البريطانية واعلام بريطانيا. فمن الباكستان الى غزة والمغرب طالبت جماعات جهادية مختلفة باطلاق سراحه مقابل الافراج عن مختطفين لديها، وهذه ليست جريرته، لأن الصورة عن اهميته تمت صناعتها هنا في بريطانيا. ولو كان محاموه قادرين على العثور على بلد اخر يمكنه الرحيل اليه وعائلته لكانوا مسرورين، لكن بريطانيا خلقت عنه صورة الارهابي والتي من الصعب محوها وبالتالي من الصعب العثور على بلد اخر له.غالبا ما نفكر ان البريطانيين يؤمنون بمبدأ دع العدالة تأخذ مجراها وان المتهم بريء حتى تثبت ادانته، كما نتشدق بحقوق الانسان، ولكن ليس في هذه الحالة، ففي حالة ابو قتادة وعائلته فإننا لم نظهر اي التزام بالمباديء العالمية لحقوق الانسان التي دفعته للجوء الى بريطانيا، بل على العكس. ومن هنا فقرار القاضي ميتنغز يعتبر استثناءا.’ صحافية بريطانية وكتابها ‘كائنات الظل: النساء المنسيات في الحرب على الارهاب’ سيصدر في شباط (فبراير) 2013