رفض رسمي وشعبي في إسرائيل لمقترح واشنطن بتسوية الدولتين رغم تأييدها للحرب على غزة

وديع عواودة
حجم الخط
1

الناصرة -«القدس العربي»: بعدما بلغت الحرب على غزة يومها الـ 72 يواصل قادة الولايات المتحدة وعلى رأسهم جو بايدن الثرثرة حول ضرورة تقييدها بالقوانين الدولية خاصة بما يتعلق بالمدنيين الفلسطينيين أو إنهاء مرحلتها الراهنة. لكن على الأرض يستمر النزيف الفلسطيني وبسلاح أمريكي ما زال يتدفق على جيش الاحتلال يوميا، وهذه الثرثرة لا توقفه لأنها مجرد أقوال بلا أفعال. وفي التزامن تواصل مصادر صحافية القول إن الإدارة الأمريكية تريد أن تنهي إسرائيل القتال الواسع داخل قطاع غزة خلال أسابيع فيما يقول وزير الأمن في حكومة الاحتلال إن تفكيك قدرات حماس يحتاج لأكثر من شهور. في التزامن أيضا لا تكترث الحكومة الإسرائيلية بالطلب أو السؤال الأمريكي عن اليوم التالي للحرب، ويعلن نتنياهو صباح مساء عن رفض دخول السلطة الفلسطينية للقطاع بدعوى أنها تؤيد وتمّول الإرهاب. نتنياهو الذي يرفض مجرد التداول بالسؤال لأن ذلك ينسجم مع عقيدته السياسية الرافضة لتسوية الدولتين في الضفة وغزة ولانسجام ذلك مع أطماعه السياسية الشخصية المستندة إلى أن أغلبية الإسرائيليين على الأقل في هذه المرحلة يرفضون فكرة الدولة الفلسطينية كحل سياسي للصراع. بل أكثر من ذلك فحسب استطلاع جديد للرأي العام في إسرائيل: أغلبية الجمهور اليهودي لا تعارض فقط وقف الحرب الآن بل تعارض ربط الدعم الأمريكي بتقدم إسرائيل نحو “حل الدولتين”.
في اجتماعهما الأخير قال نتنياهو لمستشار الأمن القومي الأمريكي جيك سوليفان في تل أبيب، إن إسرائيل مصمّمة على مواصلة الحرب حتى تدمير حركة حماس. قبيل الاجتماع بينهما يوم الجمعة الأخير نقلت صحيفة “نيويورك تايمز” عن عضو كونغرس بارز مقرّب من بايدن قوله إن سوليفان سيوصل رسالة من بايدن مفادها أنه على إسرائيل تقييد قصفها في القطاع. منوهة أن الإدارة الأمريكية تريد أن تقلص إسرائيل مساحة قتالها داخل قطاع غزة خلال ثلاثة أسابيع. هذا النشر في الصحيفة الأمريكية استنادا لأربعة مصادر أمريكية يتزامن مع زيارة سوليفان للبلاد الذي التقى عددا من المسؤولين الإسرائيليين الرسميين في الحكم والمعارضة. في البداية قالت “نيويورك تايمز” إن سوليفان طرح على نتنياهو لائحة زمنية للانسحاب من القطاع ولاحقا سرعان ما تم تعديل التقرير فقيل إن سوليفان لم يتحدث عن جدول زمني محدد.

الالتفاف حول العلم

ويوضح تقرير جديد للمركز الفلسطيني للدراسات الفلسطينية “مدار” أنه للشهر الثاني على التوالي، تشير نتائج استطلاع “مؤشر الصوت الإسرائيلي” إلى ارتفاع ملحوظ في مستوى التفاؤل لدى الجمهور الإسرائيلي تجاه مستقبل الأمن ومستقبل الديمقراطية في إسرائيل. وبالإمكان ملاحظة ما يمكن وصفه باتحاد هذين المتغيرين، تحديداً، وهو ما يجسد ظاهرة معروفة من أماكن أخرى في العالم أيضاً في أوقات الحروب، ثمة من يسميها ظاهرة “الالتفاف حول العَلَم” تسمح للدولة المعنية بعرض ما تعتبره نجاحات وإنجازات في ساحة القتال، في مقابل عدد قليل، نسبياً، من الضحايا في صفوف جنودها. وحسب “مدار” يصح هذا الكلام، بصورة خاصة، عن الفترة التي أجري فيها استطلاعا الشهرين الأخيرين؛ أي قبل أن يبدأ الجيش الإسرائيلي بدفع أثمان يومية بأرواح جنوده وضباطه الذين يسقطون في معارك قطاع غزة، وخاصة خلال الأسبوعين الأخيرين اللذين أعقبا إجراء الاستطلاع الأخير، في الفترة الواقعة بين 27 و30 من تشرين الثاني/نوفمبر الأخير ونشرت نتائجه يوم 5 كانون الأول/ديسمبر الجاري. وينوه التقرير أن مؤشر الصوت الإسرائيلي هو الاستطلاع الذي يجريه “مركز فيطربي” (في إطار “المعهد الإسرائيلي للديمقراطية”) للرأي العام والسياسات في إسرائيل مرة كل شهر، ابتداء من نيسان/ابريل 2019. وقد شمل استطلاع المؤشر للشهر الأخير عينة من المستطلَعين قوامها 751 شخصاً من الذكور والإناث (600 منهم من اليهود و151 من العرب، في سن 18 عاماً وما فوق). وقد تناول هذا الاستطلاع، الأخير، مجموعة من القضايا والأسئلة المتداولة في الإعلام والمطروحة على جدول الأعمال الإسرائيلي، وأبرزها: مدى تأييد/ معارضة الاستجابة للحديث الأمريكي حول ضرورة إيجاد حل للصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني يقوم أساساً على مبدأ الدولتين للشعبين؛ ومدى تراصّ المجتمع الإسرائيلي في مرحلة ما بعد الحرب على قطاع غزة وتلاشي ظاهرة “الالتفاف حول العلم”؛ هل ستنطلق في إسرائيل، بعد انتهاء الحرب، حملات احتجاجية تطالب بمعاقبة وعزل كل المتورطين في ما أدى إلى يوم “السبت الأسود” سواء من المستوى السياسي أو من المستوى العسكري ـ الأمني، وهل ستكون هذه بمثابة استكمال لحملة الاحتجاجات التي سبقت يوم 7 تشرين الأول/أكتوبر واستمرت بضعة أشهر في محاولة لإحباط مشروع “الانقلاب القضائي” أو “الانقلاب على الحكم” الذي ينطوي عليه “برنامج الإصلاح القضائي” الذي بدأ الائتلاف الحكومي بتنفيذه؛ مدى التفاؤل/ التشاؤم حيال مستقبل الديمقراطية والأمن الإسرائيليين وغيرها من الأسئلة والقضايا.

مصادر الدعم

ويوضح تقرير “مدار” أنه في مفاعيل الحرب الدائرة في قطاع غزة وما سبقها من هجوم مباغت شنته المقاومة الفلسطينية في داخل الأراضي الإسرائيلية، برز على الساحة الدولية تحركان متعارضان، متوازيان. في الجهة الأولى، برز التجند الأمريكي المطلق إلى جانب إسرائيل و”حنفيات الدعم” التي فتحها الرئيس جو بايدن وإدارته، سياسياً ومادياً وعسكرياً؛ فيما برز، في الجهة المقابلة، تجند شعبي دولي غير مسبوق دعماً لسكان قطاع غزة وللشعب الفلسطيني عامة وقضيته الوطنية. وحيال هذا الوضع المستجد، عاد الحديث حول ضرورة التوصل إلى حل للصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني ليفرض نفسه بكل قوة، لا سيما حل الدولتين الذي عاد ليحتل مركز السجال الدولي بعد سنوات بدا خلالها وكأنه أصبح في طي النسيان. وبناء على ذلك، وجه الاستطلاع إلى المشاركين فيه السؤال التالي: “يعود الرئيس الأمريكي جو بايدن ويكرر في الأسابيع الأخيرة أن المعونات الأمريكية السخية التي تقدمها الولايات المتحدة لإسرائيل مشروطة بالتقدم نحو حل جذري للصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني في إطار معادلة دولتين للشعبين. برأيك، هل يجب على إسرائيل أن توافق على السير والتقدم في هذا المسار، بعد انتهاء الحرب؟”.

استطلاع آراء الإسرائيليين

في الرد على هذا السؤال أعرب 47.3 في المئة من مجمل المشاركين في الاستطلاع عن معارضتهم (26 في المئة ـ كلا، بالتأكيد؛ 21 في المئة – كلا) لأن توافق إسرائيل على التقدم في هذا الاتجاه، بينما قال 38.8 في المئة إنهم يؤيدون ذلك (16.52 في المئة ـ نعم، بالتأكيد؛ 22.3 في المئة ـ نعم). وبينما شكل معارضو هذا الحل أغلبية واضحة من بين المشاركين اليهود 51.6 في المئة (30.3 في المئة ـ كلا، بالتأكيد؛ 21.3 في المئة ـ كلا) والمؤيدون أقلية 35.5 في المئة (12.2 في المئة ـ نعم، بالتأكيد، 23و3 في المئة ـ نعم) كانت النتائج، بشكل طبيعي، عكسية تماماً بين المشاركين العرب الذين شكل المؤيدون من بينهم أغلبية كبيرة (تفوق نسبة المعارضين بين اليهود) 54.6 في المئة (36.8 في المئة ـ نعم بالتأكيد، 17.8 في المئة ـ نعم) فيما شكل المعارضون أقلية واضحة 27 في المئة (19.5 في المئة ـ كلا، بالتأكيد، 7.5 في المئة ـ كلا). يشار انه قبل الحرب كانت نسبة الإسرائيليين المؤيدين لتسوية الدولتين أعلى بقليل مما جاء في الاستطلاع.

تشاؤم حيال مستقبل إسرائيل الأمني

ويقول “التقرير” الذي أعده الصحافي سليم سلامة إنه في السؤال حول الشعور تجاه وضع إسرائيل الأمني في المستقبل المنظور على خلفية التطورات خلال الشهرين الأخيرين تحديداً، تبين أن التشاؤم هو الشعور الغالب بين جميع المجموعات السكانية. فقد عبرت نسبة كبيرة من مجمل المشاركين عن الشعور بالتشاؤم 45.5 في المئة (15.5 في المئة ـ متشائمون جداً؛ 31 في المئة ـ متشائمون)، وكذلك نسبة مماثلة من المشاركين اليهود 42.4 في المئة (31.1 في المئة ـ متشائمون جداً؛ 11.3 في المئة ـ متشائمون) بينما كانت نسبة المتشائمين بين المشاركين العرب في الاستطلاع مرتفعة جداً 66.1 في المئة (35.5 في المئة ـ متشائمون جداً؛ 30.6 في المئة ـ متشائمون). أما المتفائلون بشأن الوضع الأمني في إسرائيل في المستقبل المنظور فهم وفقاً لنتائج الاستطلاع 46.5 في المئة من مجمل المشاركين (8.3 في المئة ـ متفائلون جداً؛ 38.2 في المئة ـ متفائلون) و49.5 في المئة من المشاركين اليهود (8.5 في المئة ـ متفائلون جداً؛ 41 في المئة ـ متفائلون) بينما يشكل المتفائلون من بين المشاركين العرب أقلية ـ 32.4 في المئة (7 في المئة ـ متفائلون جداً و25.4 في المئة ـ متفائلون).
وفي السؤال حول الشعور تجاه وضع النظام الديمقراطي في إسرائيل خلال المستقبل المنظور، بينت النتائج أن ثمة “تعادلاً” تقريباً، بين المتفائلين والمتشائمين من بين الجمهور الإسرائيلي عامة والجمهور اليهودي خاصة، بينما تفوق نسبة المتشائمين بين الجمهور العربي نسبة المتفائلين بكثير: من بين جميع المشاركين في الاستطلاع 44.1 في المئة متشائمون (15.3 في المئة متشائمون جداً؛ 28.8 في المئة متشائمون) و45.7 في المئة متفائلون (33.6 في المئة متفائلون؛ 12.1 في المئة متفائلون جداً). وبين المشاركين اليهود: 40.3 في المئة متشائمون (11.6 في المئة متشائمون جداً؛ 28.7 في المئة متشائمون) و45.6 في المئة متفائلون (13.1 في المئة متفائلون جداً؛ 35.5 في المئة متفائلون) بينما بين المشاركين العرب في الاستطلاع: 62.3 في المئة متشائمون (32.8 في المئة متشائمون جداً؛ 29.5 في المئة متشائمون) مقابل 31.6 في المئة متفائلون (24.3 في المئة متفائلون؛ 7.3 في المئة متفائلون جداً).
ويضيف “مدار” في السياق نفسه، سئل المشاركون في الاستطلاع حول تواجد قوات الشرطة المكثف جداً في البلدات العربية منذ بدء الحرب على قطاع غزة ومدى تأثير هذا التواجد في التراجع الواضح جداً الذي حصل في عدد جرائم القتل ضمن حروب عصابات الجريمة المنظمة في المجتمع العربي. والمثير للانتباه في نتائج الاستطلاع هنا أن أغلبية ساحقة من المشاركين العرب نفت أن تكون ثمة علاقة بين الأمرين 62.7 في المئة (30.4 في المئة ـ لا تأثير، إطلاقاً؛ 31.3 في المئة ـ ثمة تأثير ضئيل جداً)، بينما قال 31 في المئة منهم إن ثمة تأثيراً للتواجد المكثف لقوات الشرطة في خفض عدد جرائم القتل (13.4 في المئة ـ تأثير بدرجة كبيرة جداً؛ 17.6 في المئة ـ ثمة تأثير بدرجة كبيرة). وإذا ما احتسبنا النتائج بطريقة أخرى، نجد أن نحو 64 في المئة من المشاركين العرب يرون أن لتواجد الشرطة المكثف في البلدات العربية تأثيراً ويؤدي إلى خفض جرائم القتل في المجتمع العربي. كذلك أيضاً بين المشاركين اليهود، عبرت أغلبية كبيرة عن الرأي نفسه بنسبة مساوية تماماً لتلك التي بين المشاركين العرب 64 في المئة (41.7 في المئة ـ تأثير بدرجة كبيرة؛ 22.4 في المئة ـ ثمة تأثير بدرجة كبيرة جداً) مقابل 21.4 في المئة من المشاركين اليهود قالوا إن التأثير كان معدوماً (3.9 في المئة) أو ضئيلاً جداً (17 في المئة).

الأعداء الخارجيون

في موازاة الوحدة التي يبديها الجمهور الإسرائيلي منذ السابع من تشرين الأول/اكتوبر الأخير في مواجهة “الأعداء الخارجيين” يدور منذ الآن، بل من قبل حتى، حديث واسع حول ضرورة تنظيم وإطلاق حملة احتجاجية جماهيرية واسعة للمطالبة بمعاقبة جميع المسؤولين عن الإخفاق الإسرائيلي التاريخي في 7 اكتوبر وعزلهم عن مناصبهم ثم محاكمتهم، سواء أكانوا من المسؤولين السياسيين أو العسكريين ـ الأمنيين. وفي السؤال الذي وُجّه إلى المشاركين في الاستطلاع، طُلب منهم إبداء رأيهم فيما إذا كانت ستنطلق حملة احتجاجية كهذه فعلاً، أم أن كل الكلام الحالي سيذهب أدراج الرياح. ورداً على هذا السؤال قال 71.7 في المئة من مجمل المشاركين إنهم واثقون من أن حملة كهذه ستنطلق بالفعل (38.3 في المئة ـ واثقون من ذلك؛ 33.4 في المئة ـ يعتقدون ذلك) وهو ما قاله أيضاً 73.3 في المئة من المشاركين اليهود (38.5 في المئة ـ واثقون من ذلك؛ 34.8 في المئة ـ يعتقدون ذلك) و 64.3 في المئة من المشاركين العرب (37.6 في المئة ـ واثقون من ذلك؛ 26.7 في المئة ـ يعتقدون ذلك).

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية