رفعت سلام: الشاعر الجميل والدولة المريضة

في مقابلة تلفزيونية حديثة له، يختار الشاعر المصري رفعت سلام، ثلاثة كتب يجدها شديدة الأهمية، يضع على رأسها كتاب «فجر الحضارة» للكاتب البريطاني جيمس هنري برستيد، وهو كتاب يبين المساهمة الأساسية، التي قدمتها الحضارة المصرية القديمة في تأسيس المفاهيم المرجعية الإنسانية للأخلاق، وباختياره هذا يضع رفعت سلام الأخلاق، التي هي الفكرة التي نادت بها أغلب الأديان والأيديولوجيات والدول والاجتماع البشري، والصفة التي يفترض أنها تميز الإنسان عن بقية كائنات العالم غير العاقلة.
مهم التذكير بهذه المسألة التي ركّز عليها واحد من أهم الشعراء المصريين، وأحد المترجمين لشعراء كثيرين من العالم، ومؤلف عدة كتب مهمة، فوضعية رفعت سلام حاليا تمتحن أولوياتنا وأخلاقنا، ولكننا نتمنى ألا تكون تعبيرا عن سوء مآلاتنا، كأفراد وشعوب، ناهيك من بؤس تاريخ نظمنا العربية الحديثة، ودولتها البائسة في الميزان الحضاري، مقارنة بإنجازاتنا البشرية الأولى التي ظهرت في هذه الجغرافيا المحطمة حاليا بين مصر والشام وبلاد الرافدين والجزيرة العربية.
رفعت سلام، باختصار، هو في أزمة صحية خطيرة، سببها إصابته بسرطان الرئة، وحسب طبيبه فإن العلاج الجيني (المناعي) يمكن ان يقضي على 90% من المرض في ثلاث جرعات، وقد تم إبلاغ وزيرة الثقافة المصرية بالأمر، فتواصلت مع «هيئة التأمين الصحي» التي رفضت العلاج الموصى به، واقترحت العلاج الكيميائي لتوفره، والمشكلة أن هذا قد لا يستطيع جسد الشاعر تحمله، إضافة إلى أنه أقل أثرا إيجابيا وأكثر كلفة، وقد عرض سلام تحمل تكاليف التحاليل والفحوص والكشوف الطبية، إذا أمنت الدولة له العلاج المناعي المطلوب.
خلال حلقة من برنامج (90 دقيقة) على قناة «محور» المصرية، خصصت حلقة للحديث عن الشاعر الكاتب المترجم، وخلال الحلقة قرأنا سطرا يشير إلى أن جامعة القاهرة قررت التكفل بتكاليف علاج رفعت سلام، وسمعنا حديثا مع رئيس الجامعة محمد الخشت، الذي اتصل بمستشفى معهد الأورام وأمن الأمر، ما دفع الشاعر للقول إن هذه مناسبة للمطالبة بعلاج الكتاب المبدعين منهم على الأقل، للعلاج «من دون أن يتسولوا».

رفعت سلام، باختصار، هو في أزمة صحية خطيرة، سببها إصابته بسرطان الرئة، وحسب طبيبه فإن العلاج الجيني (المناعي) يمكن ان يقضي على 90% من المرض في ثلاث جرعات

وفهمنا من الحلقة، خلال مقابلة مع الشاعر أحمد سراج، أن اتحاد الكتاب المصريين، حين استقال نائب رئيسه السابق جمال التلاوي، كانت ميزانيته 72 مليون جنيه، وأن حاكم الشارقة سلطان القاسمي، ترك وديعة لاتحاد الكتاب المصريين بقيمة 20 مليون جنيه، مخصصة لعلاج المبدعين، حتى لو كان الواحد منهم غير عضو في الاتحاد، كما هو حال رفعت سلام، وأن نتيجة الاتصالات برئيس الاتحاد الجديد علاء عبد الهادي، قرر صرف 6 آلاف جنيه لرفعت سلام على أن يقبل عضوية الاتحاد. وأنه طالب وزيرة الثقافة بدفع باقي المبلغ، وهو ما أثار نقد كتاب من أصدقاء الشاعر من هذه «الفوضى» غير الجميلة الواقعة بين اتحاد الكتاب، الذي يفترض أن يكون المدافع الأول عن رفعت سلام، وأجهزة الدولة التي تحاول إبعاد المسؤولية عنها، من جهة، كما هو حال الجهات الثقافية والصحية، أو حمل القضية على عاتقها، كما فعلت جامعة القاهرة، التي يظهر أن رئيسها أعلى سلطة وملاءة مالية من باقي زملائه.
في مواجهة هذه البيروقراطية غير الحميدة، بادر أصدقاء ومحبو الشاعر لإجراء ندوة تضامنية مع الشاعر الاثنين الماضي في «منتدى عفيفي مطر» في القاهرة، شارك فيها جابر عصفور، ومحمد عليم، وأحمد بلبولة، وحمدي الجزار، وأحمد إسماعيل، وعبد الرحمن مقلد ومحمد المتيم، ومحمد الشحات، وأحمد سراج، وطرحت خلالها نسخ تذكارية من مجموعة «النهار الآتي» يخصص سعرها لعلاج الشاعر، وصرح الشاعر بهذه المناسبة قائلا: «سأخرج بإذن الله من المحنة، لكنني سأجعل مرضي نقطة انطلاق لدعم من يصيبهم أي مرض»، ما دفع المجتمعين للإعلان عن رغبتهم في تدشين جمعية خيرية باسم رفعت سلام، مخصصة لدعم المبدعين.
كي نفهم فعلا دلالات «حكاية» رفعت سلام أن نستذكر أن ابنته يارا، من زوجته الفنانة التشكيلية راوية صادق، قد اعتقلت عام 2014 لتنديدها بقانون مصري يمنع التظاهر، وأطلق سراحها عام 2015 قبل يوم من مغادرة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة، مع مجموعة أخرى من السجناء.

حالة الشاعر الجميل رفعت سلام مع الدولة المريضة المصرية هي مقطع حاد يلخص كل أحوالنا العربية.

ومقابل تحويل رفعت سلام ظاهرة التعاطف الذي خلقته حالته الصحية إلى مبادرة للتعاطف مع غيره من المرضى عموما، ومع المبدعين خصوصا، فعلينا أن نفهم، على سبيل المثال، سبب «السلطان» الكبير لرئيس جامعة القاهرة، الذي ظهر في حفل غنائي قبل «الاستفتاء الأخير» حول الرئيس السيسي الأخير يهتف «تحيا مصر» ويعلن مجموعة من القرارات يعفي فيها الطلاب من سداد مصاريف الجامعة، وإعفاء طلاب المدن الجامعية من رسوم الإقامة والتغذية عن شهر رمضان، و5% درجات إضافية لكل طالب من العام النهائي من الدراسة، وهو ما وصفه الروائي علاء الأسواني بـ»رشوة يقدمها رئيس جامعة القاهرة للطلاب من أجل الاستفتاء على التعديلات»، ووصفه محمد جمال هلال بـ»نوباطشي ليلة الحظ في فرح بين السرايات. مشهد مقرف لشخص مفترض أنه رأس أكبر وأعرق جامعة حكومية عربية. الحفل ده كان لمطرب قام طلع رئيس الجامعة يقدمه ويرشو الطلاب بعروض نجاح للراسبين وامتيازات وإجازات، وقلبت في الآخر تحرش. كل ده علشان يصوتوا لتفصيل الدستور على مقاس السيسي»، وتساءل محمد البرادعي: «هل هذا أهم صرح تعليمي أم سوق خضار؟ هل هذه جامعة طه حسين وأحمد لطفي السيد؟».
الخشت، كي نكون عادلين، لديه عشرات الأعمال والكتب في مواضيع فلسفية، وأحدها «تجديد الفكر الديني»، هي من الجمل الأكثر ترديدا لدى الرئيس السيسي، كما كان مستشارا ثقافيا في السفارة المصرية في المملكة العربية السعودية حتى عام 2015، وهذه كلها إشارات إلى حسن تموضعه ضمن أساسات المنظومة الرسمية المصرية. إحدى أكثر التصريحات المستنكرة لوضعية رفعت سلام كتبها الشاعر والكاتب الفلسطيني نائل بلعاوي الذي قال: «في الحظائر وحدها يحتاج المريض لحملة تواقيع وعرائض وبيانات عامة، تساعده على إقناع مسؤول جاهل هنا، أو وضيع هناك، بضرورة التزام الحظيرة بدفع النفقات المالية المطلوبة لعلاجه حتى لو كانت بسيطة».
حالة الشاعر الجميل رفعت سلام مع الدولة المريضة المصرية هي مقطع حاد يلخص كل أحوالنا العربية.

٭ كاتب من أسرة «القدس العربي»

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية