كثيرة هي الأحداث التي تابعناها بعد الثورات العربية، منها ما بدا طريفا وموضوع تندر ثري ومنها ما هو غريب غرابة ‘وجود الإسكيمو في صحراء مالي’، ولكن لا يمكن بأي حال تفسير هذه الأشياء بالإعتباطية فكل حادثة هي بالضرورة إحالة على حالة إجتماعية وطور ما بعد الكبت. ومن الأشياء التي تابعها الجميع قيام أحد النّواب المصريين أثناء جلسة البرلمان المصري ورفع آذان صلاة العصر، ظاهريا تبدو الحادثة تفصيلا خارجا عن المألوف رأيناه أيضا في تدخلات أحد النّواب في المجلس التأسيسي التونسي بطريقة مختلفة، لكن إذا أحلنا المسألة على التشريح بمشرط علم الإجتماع وتقنيات التحليل النفسي فسندرك أن لها أبعادا عميقة.
أولا يجب أن نتساءل لماذا برر هذا النائب لنفسه القيام بما قام به مع علمه أن الإطار المكاني لا يسمح فرفع الآذان يكون عادة في المساجد وليس في البرلمانات التي تناقش مسائل دنيوية وقوانين وضعية، فالمسألة فيها تداخل كبير بين الوضعي الدنيوي وبين الوجداني الماورائي وهذا الخلط يحيل بالضرورة على قصور في الرؤية وعدم إعتراف بالتراتيب وعبقرية المكان وتغليب للماورائي على المادي المتفق عليه، بحيث أن الإصرار على الإتيان بفعل يرمز للروحاني المقدس في هذه الحالة هو حركة الغاية منها البحث عن الإعتراف من خلال استغلال المقدّس وأيضا عدم الإعتراف الضمني بضرورة إحترام الفعل البشري المتمثل في جدول أعمال البرلمان.
ثانيا هذه الحركة تكشف مدى التداخل واختلاط الديني بالدنيوي في ذهن هذه الفئة تداخلا مسيئا لكليهما لا يراعي التراتيب والزمان والمكان إضافة إلى كونه يدخل في إطار المزايدة مثلما عبر عن ذلك السيد الكتاتني رئيس البرلمان فإدراك النائب أنه أمام كاميرا تنقل كل التفاصيل سوّغ له هذه الحركة ليس حرصا على الكتاب الموقوت بقدر ماهي حركة غايتها جلب الإنتباه.
ثالثا إنّ رفع الآذان تحت قبة البرلمان لا يمكن تفسيره على أنّه حادثة معزولة بقدر ماهو تعبير عن فكر فئة موجودة في المجتمع تبيح لنفسها التّعدي على الإجراءات والتراتيب باسم الدين وتتعارض اجتهاداتها في مجال التوازن بين الدنيوي والروحاني مع السير المحمود للأمور.
ختاما نقول كان بإمكان هذا النائب الإستئذان للخروج من الجلسة وإقامة الآذان والصلاة في مكانهما الطبيعي لكنه لم يفعل للأسباب التي ذكرناها إطلاقا لا حصرا إعتقادا منه أن كل فعل تحت مضلة الدين لن يطاله الإنتقاد وهو إعتقاد خاطئ إذا كان هذا الفعل مجاني يخرق التراتيب ويسيء للخصوصية، فكلنا نحترم المقدّس ونحرص عليه وفق مبدأ لكل مقام مقال ولكننا ننقد كل فعل متعمد الغاية منه اكتساب الإعتراف وجلب الأنظار بطريقة تسيء للتراتيب والإجراءلت وتسيء أيضا للمقدس إذا تم إبتذاله.
فرحات الطويل – تونس