لا يزال حدث التلقّي في ثقافتنا العربيّة، انطباعيّا، نرجسيّا ومتسرّعا، يرفض التعامل مع عمق الموضوعات وينخرط ببداهة في السطح، تماشيا مع سطوة الاستهلاك السريع وإذعانا لضرورات إنتاجيّة وخضوعا لهيمنة الواقع. وهو ما يعني مزيدا من تأزّم الواقع المعرفي، والسّقوط في هاوية الفوضى الدلاليّة. لتبقى الموضوعات في منأى عنّا، تنال منّا ولا ننالها.
وهذا الإطار النظريّ للمعرفة يلازم كل مجالات التلقّيّ عندنا، من السياسيّ إلى الاجتماعيّ إلى الإبداعيّ. ولئن كنّا مع دعاة تعدّد القراءات إثراء للمضمون وتفعيلا لتعاون المتلقّيّ المنافي لأحاديّة الباثّ، فإنّ ذلك لا يعني التعسّف باسم التعدّد على مسار المعنى في خطاب ما. إذْ ثمّة تشابكات دلاليّة ينقاد بها إلى وجهة تحتمل الإضافة، دون تحويلها إلى مسار جديد قد تفترضه بعض منطلقات الخطاب ولكنّ كلّيّته تأباه.
وهذا الوصف، ينطبق على بعض الآراء التي قاربت كتاب ‘رقصة الكنغرس’ لصاحبه محمد علي اليوسفي، الصادر مؤخّرا عن الدار التونسيّة للكتاب، وربطته آليّا بالثورة التونسيّة وببقيّة الثورات في المنطقة العربيّة. وهي بذلك وقعت في الفخّ الدلاليّ الذي نصبه الكاتب لقارئه منذ العتبتيْن النصيّتيْن الأولييْن للكتاب ونعني بهما العنوان والإهداء.
إذْ علينا أن لا نصدّق شاعرا، ‘فحيثما يحكم الفنّ، تكون قوانين الجمال هي النافذة، ويتمّ تجاوز حدود الواقع’ (غادامير-الحقيقة والمنهج ص 147) ثمّ إنّ الكتابة الإبداعيّة فعل غواية تتأسّس على فصام عابث وازدواجيّة تتراوح بين المعلَن والمضمر، كقطع شطرنج تتحرّك الواحدة منها على مسلك، وجميعها تجري إلى مسلك مغاير. وهذا ما يمكن تبيّنه من خلال الاستراتيجيا التي اختارها الكاتب وأجراها على قارئه، فقد انطلقت من ثلاث وضعيّات: والآن: من منّا يرفس كالطفل المغتاظ وراء الباب؟ / كنتُ مثلَها؛ وطني تحت جناحي… / الجهة الأولى للقلب. ليتناقض مسار الشاعر مع دعاية الكاتب في مفتتح المؤلَّف، ضمن مخاتلة تقوم على استدراجه إلى مداخل النصّ عبر مبدأ الواقعيّة في تعالق لثنائيّة الكاتب والمتقبّل في قطب ‘الاغتياظ الثوريّ’، ومن ثمّة توريطه في فعل القراءة وإدراجه في ثنائيّة الشّاعر والشاهد عبر مبدأ التعاون النصّيّ في قطب ‘الاغتباط الشعريّ ‘، وبينهما يظلّ الوطن حقيبة سفر ومجرّد إمكان.
مِنْ ألفِ سقيفةٍ تعلو سورةُ الرّحمن…
لا يسائل اليوسفي في كتابه الثورةَ التونسيّة أو شبيهاتها، بل يسائل الثقافة العربيّة وحركتها ‘الكامنة في دولة تعقب دولة’ وما يصحب ذلك من ‘عجيبة وحدَها تمُرّ، /فيتمسّك شحَّاذو الأسواق بنَوَاصيها، /ويلوذ المخدوعون بطمأنينة الأسلاف’. فالثّقافة العربيّة بما هي نظام الأفكار وخلفيّة المواقف، انطلقت سياسيّا بحادثة السّقيفة وما رافقها من تجاذبات قبليّة وعصبيّة، عندما ‘اِلْتَمَّ الحبَقُ، كما كان منذُ الأزلِ، في عرْشٍ وقبيلَة’ ممّا أدّى إلى انقسامات وتفرّعات في مجرى التاريخ، سقط بمقتضاها الأعلى على الأسفل وتجمّدا. فلم يستطع العقل العربيّ إلى اليوم تحريكهما وإعادة هيكلتهما، لارتباطه الوثيق بهما وعدم قدرته على التباعد النقديّ معهما، وأيضا لارتهان السقوط بالدينيّ. ولا نعني بالدينيّ في هذا السياق الديانةَ فهي معطى طبيعيّ، وإنّما وهم القداسة الوضعيّ الذي مازج السياسيَّ فتمَاهَيَا وانعكست علاقتهما على الواقع الاجتماعي العربي، من حيث هو بنية مكتسبة. لذلك ليس من الاعتباطيّ أن يبتدئ الشّاعر كتابه بإحالة على سورة الرحمان ثم يختتمه بقصيدة ‘سجع الكهان’ وهي وقفة صوفيّة على خطى الأجداد في مخاطباتهم ومواقفهم، إشارة منه إلى بنية الأصل المقدّس وقدرة ‘المستخلَفين’ على استئصاله من تعاليه وإجرائه على ثنايا السائد المنبسط رغم الطبيعة المتفاوتة لكليهما، في حين أنّ الفنّ وهو الوحيد القادر على ولوج مدارات المقدّس لأنّهما من طبيعة متقاربة، يظلّ بمنأى عن وظيفته إمّا قسرا أو طواعية. وبين مفتتَح الكتاب وخاتمته، ثمّة تأملات نقديّة لهذه العناصر الفنّيّة القادرة على تبنّي المقدّس، والتي أخلّت بوظيفتها المعرفيّة إذعانا للسائد المنبسط: ‘اندفع الشاعرُ كعادته محتفيًا بالنَّرجسِ الطافي فوق ماءٍ عميق، / وعدّلَ المغنّي في النوتة إكرامًا للمجلس، / وأخضَعَ المفكِّرُ واقعَهُ للفكرة. ‘ ليسهموا في تبرير خُطبة الجنّان حين يطلّ ‘مطقطقا بالمقصّ: ‘ أنا الجنّان قال، / لا شيءَ هنا سيظلُّ كما بدأ… ‘ / وبدأ يقطفُ وردةً ويقلِّمُ أجمَة / يفتحُ ممرًّا ويُغلِقُ مجْرى / يبتلع لُعابَه أو يمسحُ جبينَهُ: ‘ لا شيءَ… لا شيءَ هنا سيظلُّ كما بدأ… ‘ فقد ‘ آن لك أن تكُفَّ يا… مطر!’.
صحيح، أنّ نصوصا من الكتاب قد أُغْرِقتْ في ‘تونسيّتها’ (انتخابات 23 أكتوبر2011، الجدة والقنّاص، رسوم متحركة، تحوّل آخر، أيها التونسي الآخر: أنا لا أثق بك! ، سقراط يراقب ‘الأغورا’ التونسية )، ولكنّها توْنسةٌ لعوبٌ. توهم القارئَ أنّ أنا الشّاعر توثّق الوقائع وتحاكي في بنائيّتها الواقعَ، لتدعم مبدأ الثّقة التواصليّ بينهما، لكنّها سرعان ما تلج به متاهات مستجدّة عبر الكثافة اللغويّة، مشكّلة شبكات دلاليّة مغايرة لوَهْم البدايات الذي تبنّاه القارئ.
‘رقصة الكنغرس’، هي فنّ سياسة شعريّ. ففي ظلّ تفشّي الخطابات المباشرة، وعجز النخبة عن القيادة واستثارة العمق التاريخيّ وتثويره خطابيّا، يسوس اليوسفي القارئ إلى غايات مخصوصة، ويسوس اللّغة إلى مدارات معيّنة عبر هيئات متنوّعة تنأى بمفعوليّة المتقبّل عن الإملال والضّجر المميّزيْن لطبيعة التلقّي في الواقع، وتستبدلهما بشراكة جماليّة، فيها يصحب القارئُ شعريّة الأنا مع تحوّلها من شوارع العامّة وشواغلها إلى أزقّة الأنا ومآزقها ونزقها. وبقدرة واضحة على سرد التفاصيل، يُغري الأنا الشعريّ صاحبَه بالتهاوي في أعماق العالم المقترَح بديلا ثوْريّا داخل حلبة النصّ بعيدا عن جلبة التناصّ.
وبذلك، فليست الثورة حراكا في الخارج، بل حركة في الداخل. لأنّ الخارج صنيعة الآخر ومكيدته المؤبّدة. واحتمال تغييره مصطدم دوما بجدار التكرار القائم على التداول الزمنيّ بين السقوط ووهم البناء المستقبليّ واستنساخ الماضويّ ضمن دائرة وجوديّة حتميّة تتعارض مع احتمالات الداخل: ‘جعلتُ من كلمتي تمريناً للتنفُّس، / ولم أجعلْها آخرَ طعنةٍ للمنتصِر؛ / تركتُ فرحًا راكداً تحت أحزانِ الثورات، / لأواجهَ غازاتِهم، / وأحمي شرايينَ القلب.’
هكذا، ينسحب الشّاعر من فضاءات العامّة، ليلوذ بعمقه الخاصّ. ويتبعه القارئُ في غوايته ظنّا منه أنّ اللاحق الشعريّ رديف ‘الاغتياظ الثوريّ’. ولا يخيب ظنّه كلّيا، حين لا يعثر على مفاتيح الخارج، لأنّه اقتحم جماليّة الداخل حيث الوطن يحيا تحت جناح فراشة في ‘الاغتباط الشعريّ’، لا في رايات ‘المستخلَفين’.
فراشة تحمل الوطن، تحت جناحها…
باقتحام عالمه الخاصّ، يعود الشّاعر إلى ‘القول الجدّيّ’، ويختار أجراس الفراهيدي وتنويعاته الإيقاعيّة ليغنّي الشّامَ: ‘ كلُّهمْ سوريا: أستجيرُ بحاضرها فأرى أمسَها سابقاً ما تلاه، / كلُّهم سوريا: جرحُ روحي تَبَلْسَمَ من جُرحِها فشفاه، / كلُّهم سوريا: باشتعالاتِ ورْداتِها، وبما في الضواحي يزنّرُها من شقاءٍ؛’. ومع فتوحات الشامّ، ‘شامُ الله الأقدم’، تتردّد عبر أجراس الخليل، أصداءُ الرّاحلين عنها: دمشقيّة نزار، ومائيّة درويش، تمزّق البحتريّ، مآثر الأوّلين الغابرين، والعابرون فوق ترابها، الشّاهدون على حضورها أو غيابها: ‘الأصيلُ، الذليلُ، الجميلُ، الرذيلُ، القتيلُ وقاتلُه؛ / كلُّهمْ يُقبلونَ بندبةِ وشْمٍ على جسدي، أو… بذاكرتي’. هكذا هي الشّام، فضاء لسيرة الشّاعر حين لجأ إليها، تاركا جغرافيّة وطنه رقعة مرميّة في الوراء، ومنفتحا على تفاصيل سوريّا، أرض العبادة حيث الحلم أكثر إمكانا من أرض الولادة التي لم تهيّئ قباطنة بحار’ ، لطول ما خذلَنا كلُّ ريّس جرَّنا من مدننا وجبالِنا وسهولِنا، وعيْنَاهُ على حاضرةِ مملكةِ تونس المحروسة، مُمْسِكًا بقرن الثور في نهاية المطاف، ظنًّا منه أنه روّض الثور’.
وليست ‘الشّام’ بلدا، بل فضاء دلاليّ يستحضر ‘فينيقيّة الثّور’، ويراقب ‘غزّة’ ويستدعي ‘سامراء’ لتشابه وجوديّ، وتقارب معنويّ. فالأحفاد هناك في صراع دائم بين التراث والحداثة: ‘يناوشون جذعَ الجدّ؛/ تسلقوا الملويَّة الحلزونية، / نزلوا أكثر، / زادوا في الانحناء، / الأحفاد غادروا القصر محاذرين السقوط في بؤرة الأسود، كان الحرَّاس آنذاك مشغولين بالمتوكّل، وكان المتوكّل مشغولاً برفع المظالم في جناح النساء. ‘والأحفاد، بعد خروجهم من أنفاق التاريخ ودهاليزه’ عبر ردهاتٍ وسلالم ونقوش’، لم يتبقّ لهم سوى الاختيار الطوعيّ للموت في مواجهة الآنيّ والرّاهن بما يقترحه المتوسّط ‘الوسيطُ السيّىء؛ بحرُنا العجوز: لم يعد يتوسَّط إلا الجغرافيا. ‘ وبما تقترحه العولمة من تحكّم واستعباد تنزّلان الأحفاد في حتميّات سلوكيّة قاهرة تنأى بهم عن التحرّر: ‘حماري يُرْخي أذنيْهِ، يلهثُ تحتي. / دَبْرَتُه نوَّارةٌ في الشمس. / أنْثاهُ في حقلي، / وفي طرفِ عصايَ: إناءُ مائِهِ اليوميِّ… ومخلاةُ الشَّعير’. أمام هذا الواقع المرير يصير الموت، قتلا أو انتحارا بطيئا، هو الملاذ الأخير للأحفاد: ‘ لمّا تصاعد الحصار بالغاً أبوابَنا، شدَّ على رشَّاشهِ وقال لي:/ – أراك لا تجيء ؟ / أجبتُه مرتبكًا:/ – كلاَّ، أنا باقٍ. قتالُنا، كما اعتدْنا، إلى شهادةٍ أخرى. أنا باقٍ بهذه الحياة، لا أرى لي غيرَها… / ودّعني ‘مرتجفيْنِ’: هو- في داخله- (حسب اعتقادي) وأنا- في الجهتيْن… / ربما سمِعْتُه يهذي وراء الباب: / – من أجلكَ… أو… مُدافعًا عمَّا تَخالُهُ الحياة… / … وكان أن شُجَّ على منحدرِ الوادي، ودوَّى معه موتٌ كثير./ …فمَنْ منَّا الذي قضَى؟’
كان الشّاعر من الأحفاد، يسقط على عتبات ممكنات الحلم وهي تخيب. وصار من الأجداد يرى الأحفاد في ولعهم بالحلم فيخشى منهم، وعليهم: ‘ مازلتُ أتمنّى ألاَّ أخاف، / لا منكِ، / ولا عليْكِ، / عندما أراكِ تقتربين من فوضى الحرّية مثل فراشة. ‘وهي خشية تبرّرها تجربة الشّام، أين كان الشّاعر ‘مثلَها؛ وطنه تحت جناحه… ‘، وأين كانت بعض الجوانب غامضة فاتضّحت. يقول اليوسفي متحدّثا عن قصيدته ‘ساحبة أعناق الرّياح’: ‘ أعيد نشر هذه القصيدة التي سبق لي نشرها في جريدة ‘القدس العربي’، السنة الخامسة- العدد 1429- ص 6 – يوم الاثنين 20 كانون الأول / ديسمبر 1993 وكنت قد نشرت مجموعة شعرية في دمشق سنة 2008 بعنوان ‘ليل الأحفاد’ واستبعدت منها هذه القصيدة التي وجدتها مغرقة في الغموض! وهو غموض اتضح الآن!’
في القصيدة إشارات إلى الأحلام المنكسرة على عتبات الواقع: ‘تأتي، / ساحبةً أعناقَ الرياح، / إلى أبعد من قاماتها المرتَحِلَة، / متحوّلةً، بطبعها، نحو مُمَانعاتِها. ‘ فيخضَع الشّاعرُ بدوره إلى هذه الحتميّة المستقرّة في أعماق البنية التاريخيّة للوعي الجمعيّ، ويخضِع الأجيالَ اللّاحقة عليه، لهذه الممانعات. وللـ’الاغتياظ الثوريّ’ حسب الشّاعر، ما يبرّره مكانيّا وزمانيّا: مكانيّا، من شرقها إلى غربها، تظلّ المنطقة العربيّة أرض اغتراب فهناك ‘يرفس [التونسيّ] مغتاظا وراء الباب’ و ‘هاهنا الشامُ ترفسُ في بطنها ‘القَـــدَمُ’! (إحدى ضواحي دمشق الفقيرة؛ سميت بهذا الاسم وفق معتقد شعبي- نسبة لوجود صخرة في مسجد القدم الكبير عليها أثر يقال أنه لقدم الرسول محمد (ص). (وأمّا زمانيّا فما تزال الخيانات الماليّة والمعرفيّة مستمرّة. فقد ‘ عدّلَ المغنّي في النوتة إكرامًا للمجلس، / وأخضَعَ المفكِّرُ واقعَهُ للفكرة’ في امتداد لجدّهم البحتريّ الذي ‘ صار قزمًا على أبواب الممالك؛ ربما لم يسمحْ له الخليفةُ إلا برؤية الماء، فقال عن البِركة إنها بحرٌ بعد البحر(… ‘
ماذا الآن، لو توقّف ‘البحتري’ عند وصف البركة، ولم يعمدْ إلى المدح؟
كانت حركة التّاريخ ستتغيّر حتما فلا يكون ‘ليل الأحفاد’ امتدادا لـ’ليل الأجداد’، ولا يكون كلاهما سلّما موسيقيّا لرقصة الكنغر (وسلطته في هيمنته على الأحفاد بحملهم في جرابه وتغييبهم في أعماقه) وعزف الكنغرس (وسلطته في هيمنة الشيوخ على مجلس لشؤون الأولاد).
وصف البِرْكة لا مدح الخليفة، أو الجهة الأولى للقلب…
يرى غادامير أنّ ‘الوعي الجماليّ يتضمّن اغترابا عن الواقع… والقدرةُ على تبنّي موقف جماليّ هي جزءٌ من طبيعة الوعي المثقّف. لأنّنا نجد في الوعي الجماليّ السّمات التي تميّز الوعي المثقّف: الارتفاع إلى مستوى الكلّيّ، والوقوف على مبعدة من الطابع الجزئيّ الذي يتميّز به القبول أو الرفض الفورييْن، وتقدير ما لا يتطابق مع توقّع المرء الخاصّ أو رؤيته المفضّلة’ (الحقيقة والمنهج). ومحمد علي اليوسفيّ في كتاباته، عادة ما يرتقي بوعيه من ‘العضويّة الزائفة’ إلى الجماليّة التي لم تتهيّأ لكثيرين غيره في ‘المسرح’ الثّقافي التونسيّ الذي لم يتحوّل بعد إلى المشهديّة. وهذا الوعي، يرتقي بالتجربة الإبداعيّة من حدود الأنا المنغلقة وإكراهاتها الثقافيّة إلى الغيريّة المنفتحة واستثاراتها العفويّة التي عادة ما تجد إيقاعها في المرأة كبديل سلطويّ عن الأنا وفي تفاصيل الذّاكرة كوسيط معرفيّ تنقاد بموجبه الأنا: ‘ قلتُ ما لا أصدّقُه لرسولٍ عَبَرْ، / قلتُ: ‘ مُرَّ على بيتها في البعيدِ، وبلِّلْ نوافذَها، يا مطرْ!’/ وإذْ فتحَتْ، في الصّبيحةِ، شُبّاكَها، / فاجأتْ وجهَها زخّةٌ تنتظرْ. ‘ والزخّة في النصوص، تساقطّ لرغائب الأنا على عتبات المرأة واعتراف بهيمنتها. فهي ‘ لغةٌ؛ كي نُقْبِلَ يومًا. / كي نبقَى. / لغةٌ؛ كي نفنَى… ‘ وهي فخاخ إيروسيّة تنصبها مع ‘الموجة الأولى’ ‘للشيخ حين يعود إلى صباه’، وحين تكون في الشّمال، يجيء إغواؤها:’ حتى أصيرَ في الجنَّةِ حقا: أنتظرُ قدومَك في هيأة آدم، ولا تتَّعِظْ: من أجلك سوف أقضمُ التفّاحةَ، مرّةً أخرى، ونهوي… ‘ وحين تأتي ‘ من الشمال،… تربطُ، في صحراء الجنوب، أرجوحةً بين نخلتيْن. ثمّ ‘ ترتدي ثيابًا سوداءَ عمدًا، / حتى ينشقَّ صدرُها مع الفجرِ عن فجر… ‘ كي تعرّي ‘فأسَ الرّجل [التي] عليها صدأُ الكهوفِ الأولى، [والتي] ترى اللحمَ في كلِّ مكان… ‘، ومتى انكشفت عوراته أمام جبروت مكيدتها، [تخيط كلّ جراحه وتسائله]: ‘ لِمَ تشعرُ بالخيبةِ يا أنتَ، وقد عدْتَ… وسمّيْتَ! / لك صدري متكأٌ؛ لك في كلِّ نتوءٍ سمّيْتَ / ملاذُ حريرٍ وأرائكُ يَشْبٍ تتلألأُ في همْسٍ وتناديك للبيتْ’. وهو ‘ الزائر الذي سعى إلى ما مضى، على إيقاع ما همستْ: ‘ شِباكُكَ لن تنالني إلا بين جبليْنِ، ينشقان’. [يقول]: ‘ تِرْغَلَّتي!’ فيهطلُ رذاذٌ، تشقّه صبايا مُورَّدات، لهنَّ رجفةٌ في النُّهود، يُوَثِّقْن لقلبي شريطَ الصُّوَر. ‘ وهكذا يستعيد ثقته بسلطته التي هي في أصلها توثيق سرديّ أنثويّ لتفاصيل الذاكرة في رحلاتها. لذلك تستحضِرُ الأنا الأنوثةَ في كلّ الممرّات وتعيد تمريرها في مختلف المكوّنات. فهي ‘الكرْمة العاشقة’ و ‘المرأة الشجرة’. في انتظارها، حضر الأموات و’ سمَّوْا لي تزاحم الحُبيْبات الحُمْرِ ديكًا، / وكلَّ ثمرةٍ تعفّنتْ من الداخل، رمّانةً عاشقة… ‘. وفي حين أنّ ‘كلُّ حلْوٍ يتثنَّى ويمانع؛ كلُّ حلْوٍ يتكسّر. لكنَّها المستَلْقِيَة أبدًا، مرْسلةً نداءَها في صمت، عارضةً حلاوتَها في استرْخاء. /… لا يذهب إليها اللسانُ؛ تدقُّ على شهوتِهِ بلا موعد، وتُغْرِقُه في زَلَّةِ الحرير: هكذا تضيقُ باسْمِها التَّمْرَة. ‘أمّا حبّات الزعرور فـ’منْ تكاثُرِهِنَّ في الغياب، ومطالبهنَّ القليلة؛ ببقايا طنينٍ تحت الجِلْد، ونسيجِ عناكِبَ على العُنق؛ بألوانٍ متدرِّجة، وقلوبٍ أكْبَرَ منْ صدورِهِنَّ؛ تفاجئُنا حبَّاتُ الزَّعْرور، شاحباتٍ، بخُدودٍ خَجْلَى، وهُنَّ يَدْخُلْنَ المدينة. ‘ وأمّا السفرجلات فـ’ نُسمِّيها وننكُر لحْمَها قبْلَ توغُّلِ لسانِنا في لُزُوجةِ لُبِّها. نقضِمُها ونتذمَّر؛ ربَّما لمقارنةٍ بالتُّفَّاحة… [وقد] زادتْ سفرْجلاتُنا، هذه الأعوام، سمادًا وماءً؛ فلم نعُدْ إلى مقارنتها برُكْباتِ الجدَّات. ‘
شبق الممرّات وأنوثة المكوّنات، ضرورة دلاليّة في نصوص اليوسفي. فالجسد يختزل الهيمنة الاجتماعيّة- الثقافيّة، عبر الجنس بما هو رهان سياسيّ (فوكو) أو عبر الجسديّ ( le corporel) بما هو إطار اجتماعي، مكّنا الخارج السلطويّ من السيطرة على الدّاخل المنفلت وتدجينه بتراتبيّة الوجود والأخلاق (روح/جسد)، فقد احتفت كتب الفقهاء (أجدادنا) بما ‘يجوز ولا يجوز’، وأمعنت في التنكيل بحميميّة الفرد، مخضعة إيّاه إلى ما تراه له. وهي بذلك كانت أدوات ‘المستخلَفين’ لضمان الطاعة، رغم أنّها انفلتت أحيانا استجابة لدواخل أصحابها مبيّنة قدرة الجسد على صياغة جسديّته (la corpor’it’) والتخلّص من قيود الهيمنة الاجتماعيّة-الثقافيّة ذات الموانع المتعالية الموهومة [كتاب ابن قيم الجوزية ‘أخبار النساء’، Le corps en Islam , Malek, Chebel].
وهذا التجاوز الإيروتيكيّ للهيمنة، عبر فنّ اللذّة بما هي سطوة فرديّة على ما يُتاحُ لليَدِ، وتفعيل لرغبات الأنا وميولها، على حساب سلطان الآخر، ميّز نصوصَ اليوسفي. فكان الجسد وهو فضاء المراقبة، وسيلةَ الأنا للانفلات منها والتباعد عنها ومقاربة تعميمها : فـ’ ما تأخذه بين يديكَ يدوم: وسيَّان إذا درْتَ بمحوره دون السُّرَّةِ أو أنشبْتَ به أظفارَكَ خلفَ الظَّهْرِ نزولاً، تكشطُ أضْلُعَهُ، أو حُمْتَ بقُبَّتِه كي تتصلَّبَ بين يديْكَ؛ فما تأخذُه بين يديك يدوم: بنفْسجةٌ، ذهبٌ، تفَّاحٌ، سُنْبُلَةٌ… كَفَنٌ تُحْضرُهُ لتُخيفَ الخوفَ فترْجفُ أنتَ، ويحْضرُ حسُّونٌ يرجفُ بين يديكَ، فما تأخذُه بين يديكَ يدوم: سؤالٌ، سلطانٌ، آثارُ عصًا… أو حتى بعضُ خواءٍ لا تنفكُّ تقلِّبُه وتوسِّعُه بين يديكَ؛ فما دمْتَ تضمُّ يديْكَ عليْكَ، على وَهْمِ وجودٍ فيكَ، تدوم… ‘ ليتعالى الكاتب على الواقع ويتجاوز جزئيّته الموصولة بأحداث عابرة تحت مسمّى الثورات أو غيرها، وينفتح في رحلته الشعريّة بالقارئ المتجوّل معه، علي يوميّه المشحون بامتلاكات مختلفة تحمل توتّرات دلاليّة ليس للقارئ عادة التعاطي معها جماليّا أو ترويضها معرفيّا، لانخراطه فيها وعدم تباعده معها. والتباعد، كما ذكرنا في البداية، من المفترض أن يكون شأن نخبته. وتلك معضلة الثقافة العربيّة في تعاقبِ أزمنتها وثبات علاقاتها البنائيّة كمونا وكيانا.
‘رقصة الكنغرس’، نصّ مختلف، لأنّ اللّغة فيه لا تنْقالُ بسطوتها الدلاليّة ككثير من النّصوص المأزومة في ثقافتنا، بل بإجراءات خطابيّة عميقة الجذور، نتبيّن في أعماقها الإيجاد والترتيب والافتتاح والسرد والإقناع، ضمن صياغة شعريّة مكثّفة دون تعقيد، وضمن مسائلة ذاتيّة لرهانات الواقع ومآلاته دون أدْلجة، في نتاج لتجربة لغويّة وحياتيّة لمحمّد علي اليوسفي الذي أطلّ شِعْرًا بعد غيْبَة ليواصل مشروعه الجماليّ الحضاري عن ‘ليل الأجداد والأحفاد’، الذي آن لفجره أن ينكشف.
رقصة الكنغرس/ خاتمة بديلة:
العِتابُ لك يا بحتريّ: ماذا لو وقفْتَ القصيدةَ على وصف البركة بمائها وحِسانها؟،
العتاب لك مرّة ثانية: و أنا أقرأ لزوجتي من رقصة الكنغرس:
‘ أتذْكرُ كيف تعلّقتَ باسم الفقيرةِ: داريَّا؟/ فاستشاطتْ دمشقُ؟’.
هَمسَتْ عابثة ببيْتيْن لك: ألْعَيْشُ في لَيْلِ دارَيّا، إذا بَرَدَا، / والرّاحُ نَمزُجُهَا بالمَاءِ مِنْ بَرَدَى
أمّا دِمَشْقُ، فقَدْ أبدَتْ مَحَاسِنَها، / وَقَدْ وَفَى لكَ مُطْرِيها بِمَا وَعَدا.
فتردّد صوتك الآخرُ في داخلي: ألله وَلاّكَ عَنْ عِلْمٍ خِلاَفَتَهُ، / وَالله أعْطَاكَ مَا لَمْ يُعْطِهِ أحَدَا.
مَا نَسألُ الله إلاّ أنْ تَدُومَ لكَ النَّــعْمَاءُ فِينَا، وأنْ تَبقَى لَنَا أبَدَا.
العتاب لك يا بحتريّ مرّة أخيرة: منذ مدّة، صدر ‘كتاب أسود’ للرئاسة التونسيّة،
لم يعدْ ‘المتوكّل’ بحاجة إليْكَ ، فماذا أنتَ فاعلٌ بلغتِكَ؟
هل تستعيدها لبِرْكتكَ، أم ‘سترفس كالمغتاظ وراء الباب؟’
‘ باحث من تونس