المنزل ذو الشرفات السبع مسرحية للكاتب الاسباني اليخاندرو كاسونا باخراج لهشام كفارنة:
دمشق ـ “القدس العربي” ـ من يارا بدر: يتفق الكثير من الدارسين والمهتمين أنّ نص الكاتب الاسباني (أليخاندرو كاسونا 1903 ـ 1950) ربما ليس أكثر نصوصه جمالية أو أبرزها من الناحية الأدبية، الا أنّ هذا لا يعني عدمَ بروز لمسات كاسونا الفلسفيّة والجمالية في ثناياه، هذه اللمسات التي التقطها المخرج السوري هشام كفارنه مُدير المسرح القومي في وزارة الثقافة، ليقدمها علي خشبة مسرح الحمراء بدمشق، مع طاقم مُميّز من الممثلين حيث نجحَ في مزج جيلين من المواهب.
بداية قد يتساءل القارئ أو المشاهد ما الذي يُغري مخرج سوري في العام (2006) بالعودة الي نص اسباني من أواسط القرن العشرين، وهذا زمن كتابة النص أما زمن الحدث في النص فيعود الي فترة تاريخية أقدم، في أواخر القرن التاسع عشر، وينقله عرضاً بكل أمانة؟
في حديث للمخرج كفارنه يُجيب قائلاً أن النص يتميّز بحبكة درامية مُتماسكة وشاعرية عالية تتقاطع مع ذهنيتي، اضافة للمتعة الجمالية في تركيب الأحداث وعمقها الانساني، وما تتضمنه من أفكار احتوتها حوارات شخصيات غنيّة بأبعادها ودلالاتها.
لقد سعيت للتأكيد علي فكرة المقاومة كهدف أعلي للعرض، المقاومة بمعانيها المختلفة، والثمن الذي يدفعه المرء حين يكون مختلفاً، حين يكون مُتميزاً.. . اذاً، ما الذي قتلَ كل هذه الأفكار والنيّات الحسنة؟!
عرض يستمر لقرابة الساعة والنص، يكشف بكل شاعرية ملامح في الجمالية الانسانية وأخري وحشيّة، والشرفات السبع تنقسم الي فضاءات للشخصيات… الخالة (خينوبيبا ـ جيانا عيد) والفتي الصامت (مانويل ـ جابر جوخدار) شخصيات الحلم، الطهارة، والزمن الماضي، زمن البراءة..(رامون ـ زيناتي قدسية) وخادمته (أماندا ـ أمانة والي) الزمن الحالي، الوحشي، زمن العقلية المادية، وحتي ضمن هذا التقسيم تتوزع الشخصيات، ففي حين هدف (أماندا) هو الثروة ولقب النبالة وسيادة المنزل، كان ضعف (رامون) هو خطيئته، ضعفه أمام الملذات، أمام الخمر والسلطة والنساء، فرامون يرفض ادراك الواقع الجديد، ويبقي محتفظاً بفكرته عن الماضي الجميل و عن سيادته وسلطته، وادراكه للحاضر متوقف عند ضرورة المحافظة علي هذا الحلم مهما كان الثمن. التوقف المطلق عند لحظة معينة في الزمن الماضي هو ما يُميز الخالة غريبة الأطوار خينوبيبا، الحنونة والجميلة. التي أوقفت حياتها لحظة وَدعها حبيبها الذي سافر، وبعد تلك اللحظة اكتفت بعملية انكار ذاتية، انكار لكافة أشكال الواقع، مُجرّد حذفها من الوجود في حياتها لتحفظ في ذهنها فقط رسالة حبيبها الأخيرة، المحملة بوعد العودة، رافضة حتي تصديق رسالته التي أخبرها فيها بعدم عودته وبزواجه من أخري… وفي النهاية يَنفيها الواقع وأبطاله (أماندا ورامون) الي غياهب الماضي، لتسكن الي الأبد مع أحلامها… وهكذا تنتصر غاية الأمير مهما كانت الوسيلة، لأن الحياة لا تحتمل التوقف مع لحظة في الماضي، بل تستمر بكل شراستها وجماليتها، والبقاء فيها للأقوي! مانويل يتشاطر مع خالته لغة واحدة، هي الغرابة. ويُشاطرها الجمال وشفافية الحلم… يقول هيغل في مَعرض حديثه عن الأبطال التراجيديين: أنهم أبطال يسقطون اما لأنهم أتوا مُتأخرين عن زمنهم أو سابقين له. و مانويل متأخر عن زمنه، صوته هو موسيقاه، وصمته هو سلاحه للحفاظ علي نقائه بعيداً عن قسوة العالم الواقعي ووحشيته. وهذا يُحيلنا الي الصراع في هذا العرض، فهو صراع بين الخير/ الحلم و الشر/ الواقع ـ المادية بين الألوان البيضاء بتدرجاتها المختلفة والألوان الضاجة الفاقعة من الأحمر والأخضر والزهري… كما هو صراع خفي في الأعماق بين (مانويل ووالدهِ رامون)، ومن الميكافيلية الي الأوديبية يبقي الجوهر الانساني، تبقي الحرية التي لا يُمكن أن تتحقق سوي بالموت.
يَنجح المخرج كفارنة في تشكيل فضاءات صراعهِ درامياً، بدلالات ألوان الملابس (سحاب الراهب) وموسيقي (جوان قرجولي) حيث كان الغيتار، أصالة الروح الاسبانية بموسيقي حزينة حالمة هو سلاح مانويل وعشقه ِ، في حي كانت رقصة الفلامينغو هي دلالة العلاقة المندفعة التي تحمل صراعات السيطرة والقوة بين أماندا ورامون والرقصات لـ (واثق سليمان). في ديكور (زهير العربي) الذي قسمّ شرفات المنزل السبع الي فضاءات تسكنها عوالم هذه الشخصيات المتناقضة.
عبر كل هذه العناصر استطاع كفارنة رسم العالم الصراعي، ونقل أجواء الحدث زمانياً ومكانياً، وعلي الرغم من كل هذا، فقد خسرَ كفارنة!! خسر صالة العرض وجمهوره، فالمشاهد لا يتعاطف مع كل هذه الجمالية والأحلام المغتالة، بل يُقر بواقعيّة كل من (أماندا ورامون) ولو كانت وحشيّة. فالاختلاف هنا أتي سلبياً، أتي ضعفاً وانهزام، ينتهي بالانسحاب بعيداً حتي الموت. وتنكسر موسيقي الحلم الحزينة، الحلم ولو بالحريّة، فمانويل و خينوبيبا لا يُدافعان عن هذه الأحلام ولا يحاربان لأجلها، بل يكتفيان بالحلم. وفي هذا الكثير مما يُذكر بشخصيات الكاتب الروسي الكبير أنطون تشيخوف التي تنتهي بالرحيل أيضاً، حيث تعيش صراعاتها الداخلية وآلامها النفسية في مواجهة واقع قاسي لا يرحم، وهي جميعاً تحلم بالماضي الجميل.. ولكنها سلبية، غير قادرة علي القيام بأيّ فعل، بل تكتفي بالثرثرة حول هذا الماضي الجميل… وحتي في هذا الاطار قد يتعاطف المرء مع الضعف الانساني وهشاشته العالية، ولو من منطلق ذاتي في الحنين الي الزمن الغابر. ولكن هنا حتي هذا الحالة من التعاطف تضيع، هل قتلتها حيويّة أماندا أم برودة الأداء المقابل؟! ما الذي يحتاجه نص غني بكل هذه الأبعاد السيكولوجية والذهنية؟!
لقد كان أداء (رامون ـ زيناتي قدسية) لدور المستلب عالي التقنية، حتي أنه يبدو مُستلباً في دورهِ ذاتهِ. وقد بدأ البعض باتهام زيناتي قدسية ذي التجربة المسرحية الطويلة بالوقوع في مَطب التكرار والتنميط. فنحن لم نكن أمام (رامون) بل أمام زيناتي قدسية يؤدي دور رامون. وفي حين نجحَ كل من جابر الجوخدار و لويز عبد الكريم بدور روسينا خادمته في تشكيل أداء مختلف ولو كان قليلاً، بسيطا لكنه حاضر، يحاول عكس آلام وعوالم هذه الشخصيات، فقد كانت المفاجأة الموجعة مع الفنانة جيانا عيد التي قست علي الدور والشخصية بحضورها الطاغي، وانفعالاتها الزائدة التي بدت أحياناً باردة، ومع شخصية تتطلب أداءً من نوع آخر، تغيب فيه جمالية جيانا الذاتية لتظهر جمالية الألم والانكسار، وقسوة الهشاشة التي تحكم شخصية خينوبيبا. وهكذا ضمن هذا الانفصال بين روح النص وأداء العرض، شعر المتلقي بالملل، مع نص غني بدلالته الفلسفية والتاريخية، نص يُحيل الي عوالم وصراعات مختلفة. وربما كانت الرقصة الاسبانية التي أداها الثنائي (والي وقدسية) بكل رشاقة هي العامل الذي نجح في كسر سلبية المتلقي ـ المبررة ـ واعادتهِ الي عالم الصالة المسرحي، هذا بدوره يدفعنا لنتساءل عن سر هذه الرقصة، التي اخذت تتكرر في كل عرض سوري تقريباً، وان أتت هنا ضمن سياق مُنسجم مع روح النص وجو العرض، فقد أتت في عروض كثيرة أخري بمناسبة ومن دون مناسبة، وكأنها قد غدت ثيمة للعرض السوري تضمن علامة جيدة لصالحه ِ!!2