رقص شعبي يقدح من حجر الشمس: براعم الرعد تحرق برمادها مقاعد القصر
بسام الكعبيرقص شعبي يقدح من حجر الشمس: براعم الرعد تحرق برمادها مقاعد القصريرقص طائر الرعد الاسطوري علي ايقاع حركة الشمس، يحمل جناحين من لهب ونار وينطلق نحو ملكة السماء في محاولة لنقر جدار قرصها الملتهب لكنه يتحول إلي رماد، تنهض روحه المثابرة بجناحين من ذرات رماده ويواصل تكرار محاولته الاسطورية مرة تلو الأخري ودون كلل.أجوبة فلسفية عابثة قد تغرق في البحث عن تفسير لاسطورة العنقاء في توقها بلوغ الشمس: هل ضاقت الأرض أم أن الطائر الحالم تبخر باحثاً عن نقطة شاهقة في السماء ليرقص طرباً بنشوة الانتصار؟ هل مر طائر الرُخ الاسطوري عن موتي بلاد الرافدين أثناء تسجيتهم فوق أبراج الصمت ترنو عيونهم إلي الشمس؟ هل كان يعرف طقوس عبادتها لحظة شروقها علي النهرين؟ربما كشف الطائر الاسطورة سر اسطورة كوافو الصيني الذي مات وهو يحاول الامساك بها والدخول اليها. هل علم برقصة الهنود الحمر تحت أشعتها الحارقة لطرد الأرواح الشريرة التي تستهدف البلاد والعباد؟ ربما خَبَر أسرار الحضارة اليونانية بشق صدر رجل وانتزاع قلبه تحت خيوطها الذهبية لضمان انتصار علي الاعداء؟ وهل شاهد عذراوات الحبشة يُقدمْن قرابين لملكة السماء لتمنحهم بركاتها علي الأرض؟ قد يكون راقب الفراعنة وهم يؤدون طقوس السجود في معابد خاصة؟.. وربما من أجل اضافة اسطورة أخري علي الاساطير، بات الطائر ينهض دوماً من رماده باحثاً عن عش خيالي في قلب الشمس يغرد فيها منفرداً.طيور الرعد المغردة رقصاً تراثياً بصفوف فرقة البراعم للفنون الشعبية استعارت أجنحة العنقاء للتحليق نحو الشمس، وقد تمكنت فعلاً خلال عرض جديد ومثير قدمته في قصر رام الله الثقافي أواخر تموز (يوليو) بحضور جمهورها الواسع، من انتزاع رحلة سحر باتجاه الفضاء عندما أطلقت العنان للأطراف الغضة لتبدع حركة في رقصة شمس علي ايقاع موسيقي متجددة ومتميزة للبارع طارق الناصر.تحت أشعة شمس طفولية خجولة تتراقص علي ستارة سوداء تحجب خلفية المكان وجوار العلمين اللبناني والفلسطيني، افتتحت الصغيرات رقصتهن الأولي شوربنه بتعبيرات استغاثة للاستسقاء، يحملن جرارا تدور فارغة حول بئر جافة تظللها شجرة زيتون ومقاعد بسيطة تكشف جميعها سر هدوء الريف وبساطة القرية.. وبحركات جميلة متناغمة تستصرخ الصغيرات هطول المطر، شكل تعبيري آخر لطقوس متعددة تدعو لفك انحباس ماء السماء الذي طال وبات يهدد الزرع والضرع، تواصلت رقصة الاستغاثة حتي امتلأت الجرار وفاضت البئر وارتوي الزيتون علي ايقاع الكلمات المناجية: يا ربنا تبعث غيومك لمرجنانقطة مطر لمرجنا يطلع ويكبر زرعناالغيث يا شيخ المطرتا زرعنا يباري الشجروتعود أيام السمرونعود نجمع شملناتوالي الرقص بايقاع سريع مبدع تكشفت فيه فكرة كل رقصة منفردة: زيتونتي، واردات عالنبع، أبو قذيلة، ليا وليا، علي نارك، ظريف الطول، فيما ازداد الشبان والشابات تألقاً أثناء تقديمهم رقصة شمس: ع سيوفنا رقصت شمسمن مرجنا حتي القدسنزلت علي جدران الحبسذاب الحديد من نارهارفت مناديل النصرهلت زغاريد الشجربطيوفها غني البشريا مرج جايه رجالنافي حين تزامنت رقصة حيفا وجنين مع اشتداد مواجهة العدوان علي الجنوب اللبناني واصرار المقاومة علي تحرير الأسري:ما بين حيفا وجنين شدينا ظهور الخيلوالخيل تشد وترخي تمحي ظلام الليلكنعان يجيب الفجر بسيوفو المزيونةكنعان عقيد الخيل وحرابو المسنونةشكلت رقصة الخاتمة تحية .. علامة فارقة للعرض الجديد حين هبطت طيور الرعد الصغيرة علي خشبة المسرح لتهدي العرض إلي أطفال الجنوبين: جنوب لبنان وجنوب فلسطين وإلي القري والمخيمات والمدن المحاصرة بالعدوان إلي المقاتلين الذين يصنعون فجراً لتاريخنا إلي سماحة الأمين الذي لا يلين.. هبطت من السماء تحمل أعلام فلسطين ولبنان والمقاومة تلوح بها علي الأرض مبشرة بانتصار قادم رغم المجازر والدمار الكبير.في زمن القتل الأعمي الذي لا يعرف معني الرحمة، هناك فسحة أمل تطل من خلف المأساة، تمسح دموع الأطفال وتشحذ همة الشبان وتشد أزرنا وتطلق العنان لانتصار آت.. براعم الرعد نجحت بامتياز في اختطافنا عنوة من برامج عدوان الديجتال الذي يفيض دماً علي شاشة التلفاز ويزحف نحونا ويغرقنا، وسجلت الفرقة نجاحاً باختطافنا إلي مسرح جماعي واسع أدت فيه تراثاً يفيض عذوبة وانسانية ومنحتنا استراحة قصيرة من التمزق بين بث مباشر لطلقة مدفع وآخر عاجل لقذيفة طائرة.. برهة عبادة لالتقاط الأنفاس من الركض المتواصل بين تنافس محطات اخبارية فضائية وموجات اذاعية وتقارير صحف ورقية وأخري الكترونية تمنحك فرصة تفحص بريدك المحوسب وهمسات خبرية علي هواتف نقالة واشاعات علي الثابتة.. يا الهي ما هذا الاعتداء المعلوماتي القاسي الذي كسر كل خصوصيات حواجزنا وبات يسحقنا مع اشتعال كل ثانية؟شكراً لأصوات سناء ونجاح وصفاء ومحمد الغنائية الرائعة التي تداخلت مع الموسيقي واداء الحركة وكل التقدير للصوت العذب المدوي والحزين الذي أطلقته حنجرة منصور الذهبية فحلق بنا في سماء معبد صامتين مبهورين، والمجد لصور شعرية متدفقة ابداعاً صاغها وسيم لتجدد ابداع الموسيقي طارق فيما احترقت ساحة الرقص تحت خبطات أرجل لافتة ومبدعة للشبان والشابات: شرف، نصير، عطا، باسل واياس الي جانب ثلاثين راقصاً وراقصة صقل عرضهم خبرة مبدعين ومبدعات أفنوا سنوات طويلة من عمرهم ينسجون تاريخ فرقة الفنون الشعبية.. شكراً لكم جميعاً علي براعتكم الفنية التي لامست قلوبنا ومنحتنا بارقة أمل تفيض فرحاً لمقاومة ليل طويل يهبط علي العواصم من المحيط إلي الخليج..لكن الفجر قادم مهما طال.رام الله 1/8/2006كاتب من فلسطين0