مع بداية حالة ما اصطلِح على تسميته بالربيع العربي؛ بدا المشهد العربي وكأنَّه دخل وبشكل مفاجىء واستثنائي في طَورِ مرحلة التغييرات المنهجية الكبرى؛ التي مرَّت بها شعوب كثيرة في ظروفٍ متشابهة الى حدٍّ ما، وذلك على مستويات الوعي والإرادة الشعبية وعلى مستوى الأداء الإجتماعي والسياسي للمجتمعات العربية؛ وكانت الآمال كبيرة واستثنائية بحجم وبأهميَّة الساحات التي شملها ذلك الحراك وبحجم إستثنائية ذلك المشهد؛ ولكن السياق الذي سارت فيه مجريات الأحداث وما اعتراها من دورات دامية ومدمرة من العنف، وما اعتراها من حالة عدم اليقين؛ بدا وكأنَّه يؤكد على حقيقة مستقرة في دنيا العرب وهي عدم القدرة على استثمار الطاقات الكامنة؛ والفرص الناجزة، وترشيدها بالشكل السليم وتوجيهها الوجهة الصحيحة؛ وبدا ذلك وكأنَّه يؤكد على أزمة المجتمعات والنخب العربية فيما يتَّصل بحركة وبمناهج وبآليات التغيير على حدٍّ سواء.
لقد كان من المشروع التساؤل عن مستقبل ذلك الحراك، مع بداياته، دون التساؤل عن دوافعه التي بدت وكأنَّها بديهية ومعروفة وتلقائية؛ كما كان من المشروع التساؤل عن مآلاته بعد أن انفعلت فيه كثير من الساحات العربية؛ وتفاعلت معه وجدانياً وإعلاميَّاً وعملياً كثيرٌ من السَّاحات الأخرى؛ كما أنَّه من المشروع، بل ومن الضروري الآن؛ التساؤل عن ماذا بعد كل ما جرى ؟!.
فهل سيقف كل ذلك عند حدود اللحظة الرَّاهنة التي نعيشها؛ وهل انتهى الأمر عند حدود نتائج الإنتخابات التي جرت في كل من مصر وسوريا؛ وعند حدود محاولات حسم الصراع الداخلي في ليبيا لصالح الأطراف المتصارعة هناك؛ وعند حدود حالة التعويم القائمة في اليمن ؟!.
هل انتهى الأمر كذلك عند الظاهرة المتصلة بفرضية عدم قدرة الواقع العربي على مراكمة التجارب والإستفادة من عبر الماضي؛ حتَّى القريب منه عوضاً عن البعيد ؟!. وهل حقَّاً انتهى الأمر عند حدود اعتبار كل ما مضى وكأنَّه قفزةً في فراغ الخيارت العربية التائهة في فضاء البيئة الدولية التي ينفعلُ بها الواقع العربي عموماً ويتفاعل معها؛ دون أن يُؤثِّر تأثيراً مهماً وصحيحاً في حركتها، وذلك على قاعدة إستمرار العجز عن التأثير في مجرياتها وأولويَّاتها وأهداف اللاعبين في ساحاتها؛ ودون امتلاك أي قدَرٍ من الفاعلية الحقيقية التي تجعل من العلاقة بتلك البيئة علاقة قائمة على قاعدة الأهمية الفعلية والحقيقية للساحات العربية بالنسبة للقوى الدولية واقعياً وجيوسياسياً؛ واستثمار ذلك على مستوى تحقيق أهداف الشعوب العربية ومراعاة أولويَّاتها ومصالحها الحقيقية.
حتَّى الآن؛ تبدو الإجابة عن هذه التساؤلات، وضمن المعطيات الواقعية الرَّاهنة القائمة إجابات غير يقينيَّة؛ ولكنَّها ممكنة على قاعدة جملة من الإفتراضات التي يمكن إستخلاصها مِمَّا جرى.
وأوَّل تلك الإفتراضات هي تلك المتَّصلة بالسياق المنهجي الذي جرت ضمنه الأحداث التي اعترت الساحات العربية؛ وذلك بمعنى، ما هو مقدار الوعي الذي توفَّر في ذلك الحراك العربي؛ على المستوى العملي كممارسة وعلى المستوى النَّظري المتعلق بتحديد ورسم الأهداف الممكنة والواقعيَّة لذلك الحراك؟
وما هو مقدار قوة العوامل والمؤثِّرات المتصلة بالقناعة الذاتية والداخلية لدى تلك المجتمعات في استمرار توفير الدافعية لإستكمال ذلك الحراك على الوجه الذي شاهدناه؛ وصولاً لتحقيق أهدافه التي كان ينبغي أن تستهدف إحداث تغييراتٍ جوهرية في حركة وأسلوب حياة تلك المجتمعات دون إغراقها في دوَّامات القتل والإقتتال؛ ودون الإنفعال في دورة حلقة العنف الدامي؛ والتدمير الذَّاتي؛ وذلك بالمقارنةِ مع جملة العوامل والمؤثرات الخارجية المرتبطة بالقوى الدولية ذات الصلة؛ والتي تحركت على قاعدة الحفاظ على مصالحها؛ وعلى قاعدة توفر الفرصة لمزيد من التدخل في تقرير مستقبل المنطقة وربما إعادة رسم خرائطها ؟
وعند التدقيق في ذلك نجد أنَّ سياق تلك الحركة إتَّخذ ذات المنهج الإنفعالي والعاطفي الذي ميَّز حركة الشعوب والنُّخب العربية على الدوام في القضايا المصيرية والهامَّة داخلياً وخارجيَّاً؛ مما كان يُفضي وعلى الدَّوام الى الإغراق في حالة التَّطرف على مستوى المواقف الإنفعالية؛ والى الإنتقائية والإنفعالية في تناول المفاهيم والرُّؤى ورسم الأهداف؛ ومما كان يوفِّرُ وعلى الدَّوام الفرصة تلو الأخرى لمختلف اللاعبين الدوليين للتنافس على التدخل في شؤون العرب الداخلية على قاعدة التناقضات والصراعات الداخلية العربية؛ وفي واقع غياب الوعي الكافي لدى مكوِّنات الواقع العربي في البيئة الإنفعالية التي ميَّزت ذلك الوعي حتَّى الآن؛ وفي بيئة التطرُّف والمغلاة التي تحكم نسيج العلاقات العربية في الوقت الرَّاهن كما في السابق.
وفي الأحوال؛ فإنَّه يبقى من الضروري القول: أنَّ ما جرى ويجري الآن ينبغي أن يتم النَّظر إليه من زاوية التجربة التي تضمَّنت وبحكم الضرورة الكثير من الدروس والعبر التي يجب أن يتم الوقوف أمامها مليَّاً بالدراسة والتحليل واستخلاص العبر؛ ويبقى ذلك برسم النُّخب العربية وبرسم عموم المكونات الأساسية للمجتمعات العربية على المستويات السياسية والإدارية والإجتماعية؛ وإلاَّ فستبقى حالة الرُّكود الإجتماعي والإداري والسِّياسي المزمنة؛ هي السِّمة المميزة للواقع العربي في المستقبل المنظور على الأقل!.
رائد دحبور