رمادنا في الموقد وفجيعتنا مؤكدة: شعب يذهب الي الموت بأناقة المدعو الي حفلة
فاروق يوسفرمادنا في الموقد وفجيعتنا مؤكدة: شعب يذهب الي الموت بأناقة المدعو الي حفلةلا شيء أكيد غير الموت هناسامي مهدي(1)صدقنا الكذبة: جلجامش ذهب الي جبال لبنان بحثا عن عشبة الخلود. سخر اليساري ساراماغو من اللاموت حين وضعنا في قلب الكابوس: أن لا نموت، أي جحيم هي تلك الحياة التي سنعيشها؟ القاتل يعرف أنه يسخر من الله حين يوحي لعزرائيل بما هو غير مكتوب، إنه ينحرف بالملاك عنوة عن طريقه الناعم ليلقي به بين الصخور الجارحة. القاتل يظن أنه هو الآخر يستطيع أن يرد جلجامش خائبا الي بيته. منذ جلجامش كان العراق صندوقا مقفلا علي كنوز حيرته ووجعه وخيبته وذرائع انتظاره. باستمرار كان ذلك البلد اشبه بفضيحة دادائية. لم يكن يسمي (كثر الحديث الغبي بعد الاحتلال الامريكي عن عراق ولد بارادة استعمارية بعد الحرب العالمية الثانية) بل كان يسمي الأشياء كما تختبرها حواسه الفذة. فضيحة ابنائه هو: لم يرغبهم يوما ما بسواء السبيل، بل تركهم إلي قدر ضال، يعرف أنه لن يردهم اليه. كانت موعظته أكثر حزنا منه، وهو الماهر في ارتجال عثراته المتأنية. الم يختف السومريون كما لو أنهم عادوا الي الكوكب الغامض الذي قدموا منه؟ فوزي رشيد يقول غير ذلك. بعبقرية فذة أعاد الباحث الآثاري المعدان الي أصلهم السومري. كانت أرض السواد بالنسبة اليه تجسيدا للحزن الأبدي الذي عم أرض سومر بعد أن اختار نبونائيد ضياعه الشخصي، تاركا أمة وراءه في انتظار مهدي لم يحضر حتي الساعة. في هذه الساعة وفي كل ساعة فان الموت لم يكن عراقيا، (هل سمعتم بعراقي انتحر؟) غير أن الموت لم يخف العراقيين يوما. بالرغم من أن الحسين بن علي لم يكن عراقيا، فقد صار كذلك بسبب عزوفه بارادته عن حياة يقبل عليها الآخرون. والعراقيون شعب فريد في حبه للحياة. منذ النظرة الاولي يبدو المرء عراقيا عن طريق شغفه المجنون بالحياة، ولكن ذلك الحب هو تعبير مفرط في غنائيته، حيث يصف الفناء كما لو أنه تتمة لنوع تلك الحياة المتفجر. اليوم الاضافي الذي يعجز العراقيون عن وصفه هو هبة غير متوقعة. يتوقع العراقي الموت في كل خطوة استثنائية يلقيها في الفراغ (ولا يلقي العراقي خطوته إلا في الفراغ): حين يعشق (الجملة الاولي التي يقولها العراقي هي: اموت عليك، وهي جملة تخلو منها قواميس العشق لدي كل الامم)، حين يضحك (تدمع عيناه وقد يبكي قابضا علي الجمرتين بيد واحدة). هو الذي رأي.(2)كان العراقيون يذهبون الي الموت دائما. لم يكن الموت يأتي اليهم إلا بطريقة استثنائية. ما مرعام والعراق ليس فيه موت (خالد الذكر السياب كان يقولها عن الجوع). ولقد ذهب هو الآخر الي الموت بقدميه الذاويتين في أرض ليست غريبة. (مات في المستشفي الاميري بالكويت). لم تفرق مطحنة الموت عراقيا عن آخر. (العراقي مشروع دائم للشهادة)، مقولة صدام حسين الشهيرة لم تكن ذات جرس غنائي، مثل سواها من الجمل التي كان الرئيس الغائب يتلذذ في ابتكارها. لن تلتقي عراقيا، ذاكرته غير مثقبة بالرصاص مثل حائط تذكاري عن حرب لم تنته إلا قبل قليل. (موسوعة العذاب) لا يمكن أن يكتبها سوي رجل عراقي هو عبود الشالجي (الذي اتمني الانصات الي مفردة واحدة يقولها: العراق). كان موسي كريدي (وهو قاص مذهل) يحدثني عن مقبرة النجف كما لو أنه يصف لي أرض القمر. لم يكن هنالك مكان للرثاء في كلماته، كان اللامرئي عذبا يحضر بين كلماته التي تمر كما البشر الذين يغطسون في نهر الغانج. فيما كانت الانتفاضة الشعبية عام 1991 في أوجها ذهبت عمتي (التي كانت تبلغ السبعين يومها) لزيارة قبري أبويها في النجف. كانت رحلتها خرافية، فهي لم تكن تعرف ما يجري حولها، في الحقيقة لم يكن يعنيها ما يجري للحكومة التي لا تعرفها. وصلت بمعجزة الي القبرين وجلست بينهما وهي تبحث عمن تعطيه خبز العباس الذي حملته معها، فاذا بشابين ملتحيين يخرجان عليها من بين القبور وهما يوجهان بندقيتهما اليها، ليطلبا منها غذاء. تقول لقد ضحكت لحظتها، فانا كنت خائفة من أن اترك الطعام للغربان . الثوار أكلوا طعام الموتي. وهي بشارة مؤسفة، كما تبين لنا فيما بعد.(3)يوم اضافيشعر: سامي مهديهوذا اذن يوم اضافي تراهفخذ فطورك،ثم دخن ما استطبت من السجائر،واسترح،واكتب قصيدتك الاخيرة،او وصيتك التي اجلت،اكتبها فقد تنسيولا تحظي بيوم قادم، يوم اضافي سواهفها هو القناصلم يبرح مكان رفيقه القناص فوق البرج،والهمرات في الطرقات حول البيت،حولك انت،أو دعها، فليس لديك غير الشعروهو الان ملك الآخرينوخذ نصيبك من غنائم يومك الحالي:أوراقا تقلبها،كتابا بعد لم تقرأه،صحنا من حساء ساخن،شايا،وحبة برتقال إن وجدت،وكل ما في الامر انك لا تخاف الموت كالخيام، حتي تسأل الايام،عن سلوي تراها في حبيب،او نديماو مزيد من شرابفأهنأ اذنعش يومك المشبوه هذاعشه كيف بدت لك الساعات فيهوقل لنفسك في المساء: عمي مساءوانتزع يوما سواه، إذا استطعت ونلتمن عصر الخراب(4)لأعترف الان بعد هذه القصيدة. اني كنت خائفا عليهم، وأسأل هامسا عنهم: سالم الدباغ وسامي مهدي وسعد هادي. الجمال يتداعي حسب اندريه بريتون، تلك نبوءته وهذا عراقنا الذي يذهب الي زواله. ولأعترف أكثر: شاعري كان ولا يزال هو سامي مهدي. تضايقني في شعره أمور: حكمته التي لا تحيل الي أي مرح ممكن، اصراره علي الوزن العروضي (في القصيدة السابقة هناك خطأ مطبعي في أحد الأبيات كما أظن). وعلي المستوي الانساني كان مهدي وهو الرجل الذي لم اقترب منه إلا قليلا معلما عذبا وممتلئا حنانا. أما علي الضفة الاخري حيث كان هذا الشاعر مسؤولا اداريا فيكفيه أن يده تخرج بيضاء اينما حل. كانت اخطاؤه تغيض المتضررين بها لأنها كانت تحضر من غير أي دنس. سامي مهدي وهو شاعر معني يصف في قصيدته (يوم اضافي) يوما عراقيا عاديا يمر من حياة استثنائية يعيشها كل العراقيين. أصف لك يومي ، يقول صديقك العراقي من خلال الهاتف، هو ذا اذن . الجمل يمكن اختصارها والعراقيون ماهرون في الاختصار فهم شعب لم تهبه العناية الالهية موهبة الحكي. سامي مهدي هنا بريء من خصوصيته، إنه واقعي الي درجة مرهقة. شعب يقف كله في انتظار الموت، غير أنه يكتب الشعر ليعلمنا: الموت لو جاء لن يجد في انتظاره بشرا خائفين. لقد أخطأ بوش: كثرة الموت كقلته، ليس هناك ما يخيف أكثر من حياة فائضة. كان العراقيون يسخرون من حياة جيرانهم التي تمضي من غير معني، لذلك فقد نظروا الي وعد المحتل بحياة شبيهة بحياة جيرانهم من جهة كونها اهانة لهم. فالشعب المنذور للموت يستحق حياة أفضل. صحيح أنه حرم منها دائما، غير أن ذلك الحرمان لم يشكل يوما ما قدرا نهائيا. لا يزال هنالك يوم اضافي. يوم يصنعه الشعراء، كونهم حراس الأمل وزهرته المتأنقة في وجه الفجيعة. كان شعر سامي مهدي دائما محاولة للنبش في الرماد، وهو رماد كان الشاعر يري اليه بعيني جلجامش القادم من جبال لبنان أو بعيني نبونائيد الراحل الي الابد. شاعر وناقد من العراق يقيم في السويد0