الرباط ـ ‘القدس العربي’ ـ من الطاهر الطويل: ضمن منشورات وزارة الثقافة بالمغرب، صدر للشاعر محمد بلمو ديوان جديد يحمل عنوان ‘رماد اليقين’، ويضم ـ على امتداد 76 صفحة ـ عشر قصائد هي: ‘غياب’ و’سيشمت الزرنيج في الورد’ و’لو بمقدوري’ و’حلم’ و’هل أنا الريح أيها المداد’ و’لا موطئ قلم.. لي’ و’ورشات مرتبكة.. ضد الموت’ و’تعريفات بدائية جدا’ و’هل يحدث أن’ و’رماد اليقين’.
يتسم الديوان بخاصية شعرية أطلق عليها الباحث الدكتور محمد الديهاجي ‘شعرية الضرير’ الذي يتلمّسُ طريقه بعُكّاز الشك والريبة. هي شعرية، تنهض على القلب والمفارقة، أي إنها تسعى جاهدة إلى قلب نظام القيم والأشياء. كما يرى في قراءته للديوان أن الكتابة عند محمد بلمو تُضاعفُ دوالها، في ثنيات المتخيل، مُنطلقة من المرجعية إياها، من خلال توالج مجموعة من المدوّنات فيما بينها، مدونات تراوحت ما بين حضور الفلسفي والديني والمكاني، مضيفا قوله إن الشك أصبح مبعث قلق وجودي عند الشاعر، الشكُّ في القيم، والأفكار، والإيديولوجيات، والذات نفسها، فالحقائق التي كانت إلى الأمس القريب ثابتة ولا يُمكن، البتة، الشكُّ في مصداقيتها، ستتحول مع مرور الوقت إلى سراب ورماد، بضربة من مُيولاتها الواثقة والوثيقة. ويشمل الشك في الذات وفي رابطة الانتماء وفي الوجود.
ويختم الباحث الديهاجي تحليله الذي بسطه خلال حفل تقديم الديوان مؤخرا في مسرح محمد الخامس بالرباط، بالقول إن الذات في هذه المجموعة الشعرية، لم تعد ذاتا رسالية، بل تحولت إلى مجرد ذاتِ متشظّية وجاحدة بكلّ تنميط أو تحنيط. هذا التذويت المُتشظّي، سيدفعُ الكتابة لكي تُضاعف من دوالها دون هوادة، كتابة تتدافع نحو كل ما هو هامشي أو عابر، مُستعينة في ذلك، بالجُملة السّردية المُسترخية تارة، وما تبقّى من أثر المكان في الذاكرة، وليس المكان، هنا، سوى قرية ‘بني عمار’.
أما الأديب والباحث السوسيولوجي الدكتور عبد الرحيم العطري فيرى أن الشعر عند محمد بلمو معاناة ومكابدة مستمرة، وأن القصيدة عنده قد تأخذ شهورا كي تكتمل بهاء. القصيدة لا تأتيه ساجدة متى شاء، لكنها عندما تأتي تكون بهية شامخة وفاتنة في عيد الحب والإنسان.
هكذا يفهم بلمو الشعر ـ يتابع العطري ـ وهكذا يتمثله أسطورة واقعية لكتابة اندلاق الزمن و تاريخ الأشياء، شهادة على موت الإنسان ورحيل الربيع، صوتا مدويا في وجه الدمار والانهيار الفادح، وميلادا لحب ووطن وأمل بعيد المنال، الشعر التزام في زمن خلاسي فاقد للهوية والعذوبة، لهذا تظل القضية حاضرة بقوة في المتن الشعري عند محمد بلمو، و يظل هو كما لا ينسلخ من جلده ولا يستحم في الوحل ولا يصطاد فيه قبلا وبعدا. يدمن التأمل والبكاء والضحك أيضا. لكنه متيقن جدا بأن الموت وحده من يستقبل الشعراء بحفاوة.
في حين يصف الشاعر عبد العاطي جميل قصائد بلمو بكونها مطرا مخضبا بالذكريات والآهات الجميلة، مدينا تفاهة الواقع المقيت، وتهافته الذي اندلع كاللهيب في حقول البهاء.’ إن بلمو ـ يضيف الشاعر المذكور ـ أعاد في قصيدة ‘التعريفات البدائية’ صياغة العديد من المفاهيم في لحظات شعرية مكثفة، كاليسار والشعر والقطيعة والحمام والسياسة والظلم واليأس والسعادة والمرأة والتاريخ وغيرها من المفاهيم التي تتجاوز الأربعين والتي تناولها كما يفهمها هو من خلال صور شعرية مكثفة. ‘
أما الإعلامي والشاعر عبد العزيز بنعبو فتحدث عن علاقة الشاعر محمد بلمو بالحقيقة، قائلا إن ديوانه الأول ‘صوت التراب’ كان للإنصات والاستماع إلى الحقيقة التي يريدها، فيما كان ديوانه المشترك مع عبد العاطي جميل ‘حماقات السلمون’ بمثابة لحظة غوص للبحث عن الحقيقة، في حين جاء ديوانه الثالث ‘رماد اليقين’ نتيجة نضج الحقيقة حتى احترقت، ليصير الرماد هو اليقين.
ويؤكد بنعبو أن قدره أن يقتسم مع محمد بلمو كل المسارات، وأن يخطوا معا كل الدروب والطرقات والسبل. اجتمعنا في الدراسة وفي الانتماء وفي اليوميات والشعر وفي المهنة والمحنة أيضا. يقتسمان معاً كل النبض. ثم يختم شهادته بالقول: الحقيقة أنني لا أتصور بلمو إلا شاعرا وصحافيا ومناضلا. لا أتصوره ثريا يمارس مهنة التسكع في شواطئ البذخ. أبدا، تلك الصورة لا يمكنني أن أجمعها في ذهني، كما هو الشأن بالنسبة لي شخصيا. فلو خرج بلمو من عباءة الشعر والنضال والمحنة لتاه عن وجهته القصوى نحو الأمل.