رمزيّة الماء في كتابات فرجينيا وولف

حجم الخط
0

استغرقت حساسية فرجينيا وولف الثاقبة بعض الوقت للتعود عليها؛ لأنّها توقعت أن ينظر من حولها إلى العالم بالقدر نفسه من عدم الرمش، لا يبدو أنها تتمتع بالصبر الكافي للأحاديث الصغيرة، كتب الباحث الشهير هيرميون سيرة ذاتيّة شاملة عن وولف عام 1997، لكنه اعترف ببعض القلق بشأن احتمال تحية وولف شخصيا، إذا كان ذلك ممكنا: «أعتقد أنني كنت سأخشى مقابلتها، أخشى ألا أكون ذكيا بما فيه الكفاية بالنسبة لها».
كانَ من المُفترض أن أقرأ رواية «السيدة دالاواي» لفرجينيا وولف قبل رواية «بين الفصول»؛ لأنّ الثانية نُشرت قبل الأولى أيّ في وقت متأخر من حياتها، إلا أنّي كعادتي قرأتُ ما أرغب بهِ أوّلا، تاركة المنهجيّة وعقدة الترتيب وسنواتها وراء ظهري، بغرور مُبتهج وعنادٍ مُنتصر. لَمْ تكن «بين الفصول» في المستوى المطلوب عندَ النظر إلى عبقرية وولف وسردها غير المُنتظم الحديث والمُتدفّق، على الرغم من شعور القارئ بتداعي الذاكرة، أو ما يُعرف بتيار الوعي شيئا فشيئا أثناء التقدم في الصفحات الانطباعيّة والأجزاء التالية.
لعلّ السبب يرجع في ذلك إلى ترجمة أُسامة منزلجي الاحتياليّة، التي لا تشعركَ بوجود مطبات لُغويّة وعيوب صياغيّة للتغطية على نقائصها وهفواتها الأدبيّة، داخل فقرات النصّ، أو وجود مستويات من تيار الوعي، حيث تتقصد فرجينيا استعمال مستوى مُعيّن دون آخر لإظهار الاختلافات الجريئة والجلية في بنية الرواية، أو بالأحرى ذوقي وذهني لم يعتادا على مثل هذا النمط الروائي، الذي يُمثل انسيابيّة ومرونة الأسلوب في «بين الفصول» وهو مُغاير ومُنفصل عن اشتغال فرجينيا السائد في رواياتها السابقة واللاحقة بها!
ما لفت انتباهي بعض الأفكار الواقعية المُهمّة، كانَ أبرزها استدعاء دور المُمرضات الثرثارات، اللواتي لا يولدن معلومات ولا يتبادلن أفكارا وآراء قيمة، إنّما ينطقن بالكلام والهُراء فقط، ومثل هذهِ الانتقادات تُناسب مُعظم الناس – من كلا الجنسين- الآن الذين يعطلون نشاط العقل والفكر ويفتحون الفم ليحركوا ألسنتهم بالهذيان والتفاهات بعد تورطهم في دوامة العلاقات المريضة والمُزيفة، التي تسرق الوقت والجهد دون أدنى إدراك بلا شكّ.

لَمْ تنسَ المُؤلّفة الثناء على الكتب وفعل القراءة، قالت بلسان إحدى شخصياتها الروائيّة: «تعتبر المكتبة دائما أجمل غرفة في المنزل، إن الكتب هي مرايا للروح». ثمَّ تستمرّ في الإشادة بأهمية الصحف وخاصّة صحيفة «التايمز»: «الصحيفة بمنزلة الكتاب». لا تعلم أنها كانت بمنزلة الكتاب آنذاك، أمّا في هذا الوقت فهي بمثابة قائمة المُشتريات البيتيّة، ليس لها مكانة ولا مرتبة مرموقة، وهذا ما يصدم المُثقفين المُتعطشين للأعمال البرّاقة، الأنيقة والنافعة باستمرار، لطالما أصابهم الحزن وهرعوا إلى العزلة الدامعة، بحيث لا يسمعون سوى تكسّر الأمواج وتحطّمها في ليل ساكن، مُترع بالمآسي والصراعات النفسيّة، ذات يوم لم يكن هناك بحر، لا أثر لأي بحر على حدِّ تعبيرها.
تقوم بعمليات إبداعيّة رائعة للغاية في شح الزمن الثقافيّ المُفتقر إلى الصوت العذب والعميق، الذي تتأمّله وولف. احتجّت بطريقتها على مسألة النفي والاغتراب، مُشيرة إلى أنه يجب تجريد الحذلقة اللفظية وتعريتها، فكلمة مُغترِب أكثر عقلانية ومنطقية من كلمة منفي، حاولت هُنا أن تبين الفوارق النفسيّة والعاطفيّة في معنى ونبرة اللفظتين، وبخلاف ذلك فإن الحال لا يختلف في كلتا الكلمتين؛ فهما ترمزان إلى الإقصاء المُبرّح، الشعور بالانعزال الدامي والإحساس بالاضطراب وهو الدافع للبكاء. يتسلّل صاحب إحدى المُفردتين إلى الماضي العتيق؛ من أجل استعادة الأُلفة والاستقرار من جديد ويفشل في كُلّ مرّة بعد أن يستسلم إلى الأمل الكاذب والطبيعة الجامحة المُندفعة، فهو ليس سوى شبح في وطنه الناكر غير الأصيل، يصوغ مشاعره في صورٍ حادّة صارمة، على أمل التخلي عن الإحساس كأعدائه، يا لها من مأساة تمس القلب وتثير الضحك الساخر!

لَمْ تنسَ المُؤلّفة الثناء على الكتب وفعل القراءة، قالت بلسان إحدى شخصياتها الروائيّة: «تعتبر المكتبة دائما أجمل غرفة في المنزل، إن الكتب هي مرايا للروح». ثمَّ تستمرّ في الإشادة بأهمية الصحف وخاصّة صحيفة «التايمز»: «الصحيفة بمنزلة الكتاب».

إن مسرحية «المنافي والمَهاجر» لن تكفَّ أبدا عن الرنين في رؤوسنا المُتعبة. سيقول المُبدع الشاعر والمُختلف أشياء فريدة مُتماسكة عن جعبة الحياة المليئة بالخداع المُظلم مثل فرجينيا حتما، بلا تكيّف وتنميق في أوقات صعبة لا معنى لها كالتي نعيشها في المرحلة الراهنة. بينما تحدّثت في روايتها «السيدة دالاواي» عن نفسها بضمير الغائب وإخفاء الأنا على النحو الآتي: «دار في خلدها وهي تمشي أن موهبتها هي معرفتها بالناس بالسليقة تقريبا، لو أنكَ تضعها في غرفة مع أحد ما فسوف تكشفهُ على الفور» ما يُحيلني إلى الكاتب والمُحرّر داني هيتمان عندما رأى جوانب وولف الأكثر ذكاء وحكمة ورزانة، مضى يقول: «إن الجانب الأكثر لفتا للانتباه في الصورة هو حدّة نظرة وولف، فَفي كُلّ من محادثاتها وكتابتها، كانت وولف عبقريّة ليسَ فقط في النظر إلى موضوع ما، بل في النظر إليه واستخلاص الاستنتاجات والتأثيرات على مستويات مُتعدّدة. ولهذا يحتلّ البحر مكانة بارزة في رواياتها، كناية عن عالم فيه التيارات الساطعة التي نراها على سطح الواقع، عند الفحص الدقيق، عمقا يمتدّ لأميال. لقد كانت مراقبة عظيمة للحياة اليوميّة».

إنني أشعر حقا بأوراق كتبها المُبللة والأمواج المُتلاطمة والصاخبة فيها على الدوام؛ لذا لا عجب أن يكون القارئ غارقا في عالمها العجيب الذي يأخذ إلهامه وطابعه من الماء للتعبير عن الوهن والشقاء. رصدت روايتها دالاواي أحوال المرأة وتعلقها بالماضي وبأماكن مُحدّدة خلال تقلباتها المزاجيّة المُتعاقبة على عكس الجنس الآخر، لكنها صرحت في الوقت ذاته أن عادة النسيان في الأشخاص قد تؤذي وإنكارهم قد يُسبب التآكل الروحي في أغلب الأحيان. يحس القارئ المثالي أن شخصيات فرجينيا الرئيسية والثانوية مُتوترة وغير مرئية، فضلا عن كوّنها أنانية ومتجذر فيها نوع من الكراهية أساسا، إنها شخصيات ذات تركيبات غريبة الأطوار، بدءا من السيدة هينز والسيد أوليفر في رواية «بين الفصول» وصولا إلى روايتها «السيدة دالاواي» نحو: السيدة كلاريسا دالاواي وحفلتها الغرائبيّة، لوسي الأنيقة وسالي الفنانة، التي كانت مُذهلة ولديها أفكار لا تخطر على البال، منها: طريقتها الناعمة مع جمع الأزهار الباهرة كما تتمنى أسعد لحظة تأتيها وهي لحظة الموت الفوريّة.
إنها شخصيات ثابتة، فذّة واستثنائية تتوافق مع تكوين وولف المُمتدّ والمُقاوم كجذور اللبلاب في أرضية كنيسة القديسة مارغريت؛ لذلك لا تستنزفها سوق النشر وهالة الزمن وتغيّره الديناميكيّ، ستكون هناك دائما شهية لإعادة هذهِ الروايات الرفيعة، التي تقدم لنا طرائق جديدة للتفكير في الحاضر الذي نعيشهُ اليوم، بشكل بهيٍّ وله وضوحه العاطفيّ في الرؤية الشعريّة. تتجدّد قصص فرجينيا مرارا وتكرارا، نحنُ نقرأها وفقا لاحتياجاتنا ومراحلنا الحياتيّة المُلتبسة إلى جانب مستوياتنا الذهنية والاجتماعيّة وإن كانت المرارة والإيحاءات بتفاهة الحياة بوصفها مهذارا سخيفا شائعا فيها.
لقد استوقفني وصف بيتر وولش في رواية دالاواي: «إني مُغرم، ليسَ بها على كُلّ حال، بل بأُخرى نشأت في العتمة بحيث لا يمكنك مساسها، إنما يجب عليك إلقاء إكليلك على العشب في الظلام» مع إنني لَمْ أتجاهل ثقل الترجمة وتكرارها اللُّغوي المُستفز جراء ترجمة عطا عبد الوهاب. أمست قضيتي الإفلات من ترجمة كهذه وتخيّل السرد بصوت واسترسال فرجينيا الأصيل حينها أيّ «لم أعتد سماع أسلوبها بهذهِ الألفاظ العربيّة المُتعثرة» كلفني الأمر جهدا مُضاعفا في القراءة، لم أكن أعتقد أنني سأتحمله لولا شعوري بالانتماء إلى مدن الكاتبة مدفوعة بالحماس والحُبّ، كنتُ في مكاني الخاصّ مرَّة أُخرى، محتلة لما هو أساسا لي كالشعور الّذي ينتاب مَن يزور مدينة أو نهرا لأوّلِ مرّة على غرار ما كتبته الكاتبة الأمريكيّة فيشر. قدر كتابات وولف أن تكونَ مُستعصية على الإكمال والفهم، مصيرها أن تكون بين أيدي القُرّاء الحاذقين والأكاديميين، ذوي الملكة الذين لديهم القدرة على تفسير المتاهة بالإضافة إلى القريحة المُستقلة النادرة المُثمرة فيهم.

استعملت التشبيهات والاستعارات البليغة في بناء أسلوبها الشِّعريّ بمتانة فائقة وصورٍ تأسر البصيرة المنشودة؛ فعززت تقنياتها الإبداعيّة الفريدة والطريفة، منها: تيار الوعي والبُعد الإيقاعيّ والتشكيليّ. مُستعينة برمزيّة الماء المُؤثرة وجزء من الرموز الأنثويّة المتوهجة، والمُعبرة عن شخصياتها النسائيّة على هيئة وميض يخرج من صميم حدسها ووجدانها.
يثبت استحضارها للمياه كرمزٍ دلاليّ في الروايتين السابقتين لأغراض نفسيّة وكتابيّة هو قصتها المعنوّنة بـ « التعارف» إذ جاء فيها ما يلي: «انطباعات عن حياة الناس، التي بدت تهددها وتطغى عليها وتحيل كُلّ شيء إلى مياه..» وقصّة «سحر النهر»: «لعلّ هذا سبب سحره، إنه حمل في مياهه كُلّ أنواع الخيالات، الشكاوى، والأسرار ليست مكتوبة ولا عالية الصوت، بل في سيولة تطفو إحداها فوق الأُخرى» إلى جوار قصّة «موضع تغمرهُ المياه» وخاتمتها المُباغتة: « إلا أن المدينة تبدو بالغة الرقة في الليل، ووهج أبيض يعلو الأُفق. هُناك أطواق وأكاليل في الطرقات، لقد انغمرت المدينة في المياه ولا يمكنك تبين سوى هيكلها على أضواء القناديل الخافتة».
يكمن سحر النهر من وجهةِ نظرها في الأفكار، التي تركها أُناسٌ ورحلوا وكان في إمكانها التجول دون أجسامهم إلى الداخل وإلى الخارج بحُرّيةٍ تامّة حينئذٍ. للرواية وجهان: الوجه الفكريّ المُباشر، والوجه الحسيّ/ المجازيّ غير المُباشر. إذا كان الماء أصل الوجود فإن فرجينيا وولف هي أصل النقد والتأليف الفعّال.

كاتبة عراقية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية