رمضان الفريضة.. والساعات الجميلة
د. عبد العزيز المقالحرمضان الفريضة.. والساعات الجميلةفي هذه الواحة الرمضانية البديعة المتمثلة في هذا الشهر الكريم المبارك تمكنت الروح ان تقطــــع ـ حتي الآن ـ شوطا لا بأس به علي طريق مجاهدة الجسد الذي يأمر فيطاع ويطلب فيستجاب. وكما ان لكل فصل من فصول العام لونه ومناخه الخاص فان للشهور رغم مظاهر التشابه لونا وطابعا يختلف من شهر الي آخر باختلاف موقعه من حركة دوران الأرض من ناحية ومن زاوية تلقيه لاضواء الشمس وظلالها من ناحية ثانية. ويبقي الشهر الكريم المبارك، رمضان، اكثر شهور العام تعبيرا عن التميز والاختلاف بما له ـ بفضل فريضة الصوم التي ارتبطت به ـ من دفء روحي حميم ومقدرة علي التغيير في حياة المسلمين في جميع انحاء الارض.وحتي الطبيعة، تبدو في هذا الشهر مختلفة عنها في سائر شهور العام، للشروق في رمضان كما للغروب معانٍ غير تلك التي كانت لها في شهور سابقة او اخري لاحقة حيث تنهمر حالة اشعاع نادرة تعكس نفسها علي محيط الصائم اينما كان وتحت اي ظرف يكون وتبدو معها المباني والشـــــوارع والجبال ووجوه الناس في وضع اعــــذب واجمل مما كانت عليه، فضلا عن ان نجاح هذه الحالة داخــــل النفس يجعل ما كان يبدو كامنا ومضمرا في السريرة الانســــــــــــانية وقد اصبح حقيقة ماثلة في الواقع يكاد الصائم يلمــــسها بيديه ويدركها بحواسه الخمس.واذا كانت بعض العبادات الملزمة للمسلم تجنح نحو التجريد الروحي فان فريضة الصوم واحدة من الفرائض العملية التي ترتسم خطوطها ويتكامل اداؤها عبر الروح والجسد معا، وعبر تحرير النفس من الخضوع للعادة وتجاوز المألوف والمعتاد والخروج من دوائر التكرار. وما كان للانسان المسلم ان يؤديها بانتظام والتزام لو لم تكن ركنا دينيا وفريضة واجبة الاداء يتأكد بها ومعها ان الانسان ليس جسدا فحسب، وليس فما مفتوحا سائر الوقت لا يكف عن المضغ والبلع وانما هو كذلك روح تقاوم وتنشد الصفاء والنقاء والتخفف من رغبات الجسد بما فيها تلك الرغبات المشروعة. وحكمة الصوم تتوقف علي نجاحه في الخروج بالمسلم طوعا من دائرة التكرار والدوران في يوم لا يتغير يبدأ مع الافطار ويتوسط مع طعام الغداء وينتهي مع تناول وجبة العشاء.ان الانسان بوصفه مخلوقا ارضيا خاضعا لمتطلبات ورغبات نفسية بحاجة الي قانون روحي ينقذه ويحفر في اعماقه المزيد من القوة في مقاومة هذا الخضوع وتطويعه تدريجيا للخلاص من تأثير العادات اليومية وما تفرضه من آلية في التحكم بحياته. ومن هنا تبدو الاهمية الاستثنائية لشهر رمضان هذه الواحة السنوية التي تمنحنا القدرة علي التأمل والمخالفة وعدم النظر الي العالم والحياة في اطار ثابت ينطوي علي ادمان الحالة اليومية الواحدة ومظاهرها التي لا تعرف الاختلاف الداعي الي البحث عن حالة من الطمأنينة ليس للانسان وحده وانما للوجود ايضا هذا المكان الواسع الذي يعيش فيه.ويبدو ان القائمين علي كهرباء العاصمة قد ساعدوا من حيث لا يعلمون علي انجاح التوازن الرمضاني بين الروح والجسد هذا الاتحاد الذي يتكون منه الكائن البشري وفق مشيئة الله، وذلك من خلال استمرار الاطفاءات الليلية التي تتكرر اكثر من مرة في الليلة الواحدة، وذلك لاتاحة الفرصة للتأمل والبحث عن الاستنارة القلبية وهجر الفضائيات وما أدخلته علي حياة الناس من خضوع وانشداد الي شاشاتها الصغيرة المرهقة للعين والروح. وتلك حسنة سيكتـبــها الله للقائمـــــــــين علي مسألة الانارة في العاصمة والذين يخــــــــــــتارون وقت السحر والسحور لتكون مساحة الاطفاء الكبري حتي لا يتبدد ذلك الوقت الجميل فيما لا ينفع الانسان الصائم وهو يستعد لاستقبال يومه الجديد بكل ما فيه من انوار تتضاءل عندها اضواء الشموع والمصابيح.تأملات شعرية:كلما كانت الروح اعظموالنفس أقوي،تكون المهمة اسميوتبدو والحياة علي الارضاجمل في كل آن.يا سيد العام…ماذا يفيد الضياء اذا اظلم الروحُوانطفأت في الشعور القناديلواحترقت هالة الشمعدان؟!0