رمضان شهر الأغنياء والميسورين

حجم الخط
0

سهيل كيوان

الطعام الذي تتزاحم أصنافه علي موائدنا الرمضانية لا يذكرنا بالمحرومين فقط، بل بأولئك الأغنياء الذين يملكون كل هذه الخيرات في كل ساعة ويوم علي مدار السنة، فعلا مساكين وكان الله بعونهم، فخلال بضعة أيام من الصيام مع مثل هذه الموائد بدأنا نسمع عن قلق بعض الناس من ارتفاع أوزانهم التي عملوا علي تخفيفها علي مدار العام.

حتي أن وسائل الإعلام تجندت بنصائحها وتوجيهاتها لمنع زيادة الوزن في الشهر الفضيل. فعلا كان الله بعون الأغنياء، ففي ظروفهم تبدو مهمة المحافظة علي قامات رشيقة وممشوقة ضربا من المستحيل، ويتطلب الأمر جهدا جبارا تم إعفاء الفقراء منه، أما بالنسبة للسيدات الغنيات فهناك حرب حقيقية يخضنها ضد أفواههن وأمعائهن وأردافهن.

لأن فقدانهن الرشاقة قد يحشرهن في منطقة الخطر، أي مع أولئك اللاتي قد يفاجأن بنية أزواجهن جلب ضرة عليهن. فالممانعة أمام إغراء الأطعمة المختلفة والحلوي والفاكهة والعصائر الكثيرة تكاد تكون أصعب من ممناعة العدوان والسيطرة الأمريكية علي المنطقة، ويحتاج الأمر الي تدريب وإرادة فولاذية وجهاد نفس، وطبعا الي ثقافة عميقة ومتشعبة، وإلا فالسمنة، وكلنا نعرف الأضرار المعنوية والصحية للسمنة التي تتبعها مجموعة كبيرة من أمراض الأغنياء التي لا علم للفقراء بها اللهم إلا ضحايا الفول والحمص ومشتقاتهما اليومية، وهذا يخرب متعة الحياة ويفقد المال بريقه وأهميته.

طبعا هذه ليست المشكلة الوحيدة التي يواجهها الأغنياء، ففي هذا الشهر الفضيل تطرق أبواب الأغنياء أيد كثيرة في النهار والليل، في البيت وفي المكتب، علي شارة المرور وفي المسجد والشارع طلبا وطمعا بجيوبهم، كي يتبرعوا لدعم الطلاب الجامعيين وخصوصا الموهوبين منهم، ولجان المدارس الثانوية التي تنقصها المختبرات، ولجنة المسجد لتجديد الحمامات والمئذنة، وفريق كرة القدم الذي يسعي لشراء لاعب من الدرجة الممتازة وهو المجال الوحيد المتوفر لرفع رأس القرية، وفريق كرة السلة للفتيات الفريد من نوعه في البلاد، فكيف نكسر بخواطرهن، وطبعا من مثل حضرتك أيها الميسور يدعم مسيرتنا الثقافية، وبسبب البطالة يقصدهم أكثر من صديق قديم أو أحد الأقرباء لتشغيل ابنه او ابنته في المصلحة، والويل له إذا قال إن المصلحة لا تحتمل موظفا إضافيا. فاتنا ذكر اللجنة التي شكلت لتمويل عملية جراحية بشكل طارئ لأحد المحتاجين، ونيالك يا فاعل الخير والله يجزي المحسنين، كل هؤلاء ينتظرون من الأغنياء الدعم، ولكن الي جانب هذا عادة ما يتهم هؤلاء وخصوصا التجار، باغتنام فرصة حلول الشهر الفضيل لرفع الأسعار، ويتم التحريض عليهم في الأيام الأولي للصيام، بل وتتخذ الحكومات منهم قميص عثمان وتعلق فشلها الإقتصادي عليهم، وتعد بضربهم بيد من حديد، وتأخذها الحمية والمسؤولية الوطنية وتطلب من المواطنين إخبار المسؤولين عن كل من يتجاوز أو يتلاعب بالأسعار، حتي تنظر الجموع المحرومة إليهم بعدائية وتعتبرهم سبب فقر ومآسي الأمة، وقد تحولهم بعض الصحافة المجتهدة الي آفة اجتماعية ومرض خبيث يفضل بل يجب اجتثاثه، هؤلاء المساكين وأقصد الأغنياء لا يجدون من يتضامن معهم أو يشاركهم قلقهم وحزنهم عندما يقعون ضحية لعملية نصب محكمة قد تؤدي الي إصابتهم بالصلع المبكر والتشويش علي أدائهم الجنسي نتيجة القلق الشديد، بالعكس فقد يتشفي البعض بهم لسبب غير مفهوم رغم كل عطائهم السابق، ولا أحد يذكرهم وهم قلقون في الليالي بسبب رزم الشيكات التي لا رصيد لها والتي لا يعرفون ماذا يفعلون بها، بل وتسمع من يقول… مستاهل خليه يتخوزق. في النهاية طبعا عليهم أن يزكوا أموالهم فهناك لجنة الزكاة التي تنتظرهم، وهناك إمام المسجد الذي يتوعد المقصرين منهم بنار وقودها التجار والحجارة. طبعا بالإضافة لكل هذا هناك الكثير من الدعوات التي تصلهم للإفطارات الجماعية والجميع يعرف أن معظمها لا يقام لوجه الله، بل للكسب السياسي كما فعلت (تسيبي ليفنه) وزيرة الخارجية مستغلة إفطارا جماعيا في الناصرة أقامه (صندوق ابراهام) كي تدعو الصائمين للخدمة الوطنية، أولتسويق شخصيات متسلقة، أو دعايات لمصانع الأغذية وشركات الهاتف وغيرها، والويل لهذا الغني اذا لم يلب دعوة رسمية، فسوف يتهم بعدائه للسلطة وهذا آخر ما يريده، وطبعا الويل له إذا لبي الدعوة لأن الأحزاب المعارضة ستتهمه بدعم السلطة الظالمة والنفاق لها ولن يعدم شتيمة من هنا أو هناك. إنه الشهر الذي علي الفقراء أن يذكروا فيه الميسورين، نعم رمضان هو شهر الأغنياء مثلما هو شهر الفقراء، فالقضية ليست قضية أخذ فقط، بل هي أخذ وعطاء وفي الإتجاهين، من حق الأغنياء علي مجتمعهم أن يتفهم مشاكلهم والمآزق التي قد يقعون فيها، بدءاً من التخمة والسمنة وأمراضها، وانتهاء بعمليات النصب المحكمة ونظرات الحقد الطبقي التي لا ترحم التي قد يتعرضون لها، نعم هذا حقهم علينا نحن أشباه الفقراء، وليس عيبا أن نذرف دمعة علي بعض المنكوبين منهم، وكما تقول (فهدة) خالة والدي كل شي قرضة ودين حتي اللطم علي الخدين.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية