لندن ـ «القدس العربي»: تحوَّل شهر رمضان المبارك في قطاع غزة في ظل الحرب والمجازر الإسرائيلية إلى الملف الأبرز للنشطاء والمستخدمين العرب على شبكات التواصل الاجتماعي، فيما تواصل تداول مقاطع الفيديو والصور المأساوية التي تُظهر حال الفلسطينيين في القطاع خلال الأيام الأولى من الشهر الفضيل، بما في ذلك المجاعة القاسية التي يعاني منها السكان.
ودخل شهر رمضان المبارك يوم الاثنين الماضي على وقع الحرب الإسرائيلية والمجازر المستمرة في القطاع، حيث واصلت قوات الاحتلال قصفها للمدنيين في مختلف أنحاء القطاع، وواصلت إحكام الحصار للحيلولة دون وصول أي من المواد الغذائية أو الطبية للمنكوبين.
وهيمنت الأوضاع في غزة على اهتمام المغردين والمدونين والنشطاء والمستخدمين العاديين الذين سرعان ما حثوا بعضهم على عدم تقديم التهنئة بحلول شهر رمضان المبارك، فيما اكتفى آخرون بالحث على عدم نشر صور الطعام ومقاطع الفيديو للأكل والافطارات تضامناً مع المدنيين الذين يتم تجويعهم في قطاع غزة والذين تمنع عنهم قوات الاحتلال الطعام منذ أكثر من خمسة شهور.
وكتب الناشط عصام صيام مدوناً على «فيسبوك» بأن «أهل غزة لن يصطفوا على طوابير الحمص والقطايف قبيل آذان المغرب هذا العام، لأن الحمص أصبح من الترف ومخابز غزة باتت خالية من الخبز فما بالك بالقطايف.. ولن تكون هناك وجبات المقلوبة وسمك الدنيس على موائد الغزيين وسيحل محلها علب التونة، وبعضها منتهية الصلاحية، وسيغيب عن رمضان غزة الحزين هذا العام المسحراتي لأن أهل غزة لا ينامون أصلا في إنتظار القنابل والأحزمة النارية».
وأضاف صيام: «ستختفي فوانيس رمضان من أسواق غزة احتراماً للحزن الذي يخيم على شعبها ولضيق ذات اليد الذي بات حال جميع الغزيين بعد أكثر من 150 يوما من الحرب، ولن يكون هناك صلوات تراويح في مساجد غزة التي دمرتها إسرائيل في نيّة مبيّته لتدمير كل معالم المدينة الدينية والتاريخية وجعلها غير قابلة للحياة».
ويتابع: «يدرك شعب غزة أن هذا هو قدرهم ويستقبل هذا القدر عن طيب خاطر بالثناء على الخالق وقبول قضائه وقدره.. يدرك الغزيّون أن الله قد اصطفاهم ليدافعوا عن شرف العرب والمسلمين بدماء الخيرة من أبنائهم غير آبهين بوحشية وإجرام عدوهم الوجودي ولا بخذلان أشقائهم أو من كانوا يظنّوهم كذلك.. لم يصدر من شعب غزة بوحِ من ضِيق صدر أو شكوى وكانت كلمات (الحمد لله) توحّد كل الغزيّين على الرضا بما قدره الله.. قابل هذا الشعب الجبار وحشية الاحتلال بمزيد من الصمود والإباء.. لكأننا نعيش نفحات عطرة طيبة من قصص صحابة رسول الله يستحضرها الغزيّون بقوة جبروتهم وإرداتهم وصلب شكيمتهم وإيمانهم القاطع بعدالة قضيتهم ونبل مطالبهم.. رمضان في غزة هذا العام سيكون مختلفا وستعيشه غزة كما لم تعشه من قبل.. لكن قسوة الظروف في هذا الشهر المبارك ربما تحمل في طيّاتها بشائر النصر والتمكين والفتح المبين».
وانتقدت مغردة على شبكة «إكس» تُدعى «تالا» الموقف الرسمي العربي وصمت الحكام العرب على ما يجري في قطاع غزة، وغردت تقول: «هل يُعقل أن حكام العرب وجيران غزة يصومون رمضان؟ ويدعون ويستغفرون ويصلون التراويح؟.. أنا أتساءل فقط كي أطمئن عليهم.. هل هم على قيد الحياة حقاً ام ماتوا؟».
الأمل مهم
وكتب مغرد آخر قائلاً: «الأمل مهم لأنه يجعل اللحظات العصيبة أقل صعوبة، وإذا كنا نعتقد أن الغد سيكون أفضل، فيُمكنُ تحمُّل المصاعب».
ونشر عماد غبون مقطع فيديو على شبكة «إكس» يتضمن جملة من المقابلات مع أبناء قطاع غزة المنكوبين، وكتب معلقاً: «أمنيات أهالي مدينة غزة المحاصرة والتي يجوعها الاحتلال.. استمعوا لأمنيات أهلنا في رمضان» فيما تضمن الفيديو الذي شاهدته «القدس العربي» عدداً من المقابلات من بينها رجل يقول: «نتمنى وقف العدوان وتوقف القصف والجيش ينسحب وتعود الحياة إلى طبيعتها. أتمنى أيضاً أن ينظر العالم إلى غزة والشعب الفلسطيني بأعينه الاثنتين ويقف مع المظلومين في الأرض المحتلة» فيما قال آخر: «نتمنى دخول المساعدات، وعودة المواد التموينية وانتهاء الغلاء الذي يضرب البضائع». وقال ثالث: «نأمل أن تقف الحرب ويعم السلام العالم، وينتهي الجوع والعطش إلى الأبد».
وكتب المحلل السياسي أحمد كامل عن الوضع في غزة مع دخول رمضان: «نتنياهو هو صاحب فكرة إيصال المساعدات لغزة عبر البحر، والسفن التي ستحمل مساعدات قد تعود محملة بالبشر لإفراغ غزة، وما يجري ليس حربا تلحق خسائر بالطرفين، بل هي مذبحة من طرف واحد، وامتداد الحرب لرمضان لن يحرك المسلمين، لأن رمضان الآن هو شهر التخدير الكامل، وهناك أنظمة خليجية مستعدة لتقديم المال لإسرائيل لتكمل الحرب.. هذه فرصة تاريخية لإسرائيل للتخلص كلياً من القضية الفلسطينية».
ونشر ياسر فيديو لصلاة التراويح من عام سابق في غزة.. وكتب يقول: «الشيخ الشهيد وائل الزرد أشهر إمام لصلاة التراويح في غزة، يصلي بالناس في المسجد العمري الكبير في رمضان قبل سنوات، لكن هذا العام: استشهد الشيخ وائل، تدمر المسجد العمري، انقطعت صلوات التراويح في مدينة غزة».
وكتب أحد المعلقين: «أهالي غزة يفقدون في شهر رمضان ذويهم ممن استشهدوا أو نزحوا قسرا إلى جنوبي القطاع، مع غياب الكثير من العادات التي ترافق الشهر المبارك بسبب الحرب».
جهاد النفس وجهاد العدو
وغرد أدهم شرقاوي في الليلة الأولى لرمضان: «غزَّةُ تجمعُ هذه الليلة بين آيتينِ عظيمتين: (كُتِبَ عليكم القتال) و(كُتِبَ عليكم الصيام).. تجمع بين جهاد النفس وجهاد العدو، تجمع بين محراب رمضان وبندقية الجهاد».
أما الناشط قتيبة ياسين فنشر فيديو لأطفال يحتفلون في أحد المخيمات بحلول شهر رمضان المبارك، وكتب يقول: «أطفال غزة يستقبلون شهر رمضان بالفرح، هؤلاء الأطفال لا يليق بهم إلا السعادة والفرح، جعله الله شهر فرج لهم ولجميع المسلمين».
وعلق علي أبو رزق: «في الأيام الثلاثة الأولى لشهر رمضان المبارك، اختفت الفعاليات المساندة للشعب الفلسطيني من معظم الدول العربية والإسلامية عدا الأردن والمغرب واليمن.. جزى الله شباب الدول الثلاث عنا خير الجزاء، فهذه الفعاليات رسالة هامة أن غزة ليست وحدها، وأن المشهد لم يتم اعتياده رغم مرور 150 يوما».
وكتب نور الهدى الجشي: «اللهمَّ بلّغ إخواننا رمضان منصورين مجبورين شِباع آمنين مطمئنين برحمتك يا أرحم الراحمين»، أما الدكتورة انتصار الميسري فغردت: «أطفال غزة يا عالم ليسوا أرقاماً بل أقماراً.. هل تبقى للعروبة من نخوة، وللإنسانية من ضمير».
ولفت الصحافي أحمد عطوان إلى استمرار الصمود العسكري في غزة، وكتب يقول: «الحدث الفارق في الصراع مع قدوم رمضان، لأول مرة في التاريخ منذ الاحتلال المقاومة تمتلك سلاحاً جوياً، هذه أمنية طال انتظارها، المقاومة تستخدم طائرات مسيرة، وتقوم بالقصف الجوي لمواقع العدو، نقلة نوعية حربية تزلزل إسرائيل».
وغرد أحمد بن عبد العزيز النفيس: «ما يفعله أهل غزة من إقامة رمضان حقّ قيامه رغم غياب أدنى مقوّمات الحياة كوجبة الفطور مثلاً هو حجّةٌ عليك أيها اللاهي في ليل رمضان والنائم في نهاره.. غزة بلافطور ولاسحور».
وكتب خالد أبو آمنة على «فيسبوك» يقول: «في أول ليلة من ليالي رمضان ليست القدس التي نعرفها وهي تستقبل رمضان، وليس الأقصى الذي يتوافد عليه الجموع من القدس وضواحيها ومناطق الداخل والبعض من أهل غزة وآلاف المسلمين من بريطانيا وفرنسا وجنوب أفريقيا وغيرهم من شتى بلاد العالم.. هذا الحال الكئيب والحزين يُقابله حال الجنود الإسرائيليين ممن يتربّص بالشباب الصغار ليمنعهم من دخول الأقصى ولكن حالهم يوحي بحال اليائس الخائب، تقرأ في وجوههم الخيبة والحنق والغيظ معا.. شهر رمضان هذا ربما يكون من أصعب وأثقل الشهور على الأمة أجمع وليس فقط على أهل غزة والشام.. نسأل الله أن لا يكون هناك رمضان آخر أثقل منه على الأمة». يشار إلى أن الفلسطينيين يستقبلون شهر رمضان المبارك هذا العام مع نزوح 1.7 مليون شخص وفق أرقام وكالة «الأونروا»، يشكّلون 75 في المئة من مجمل سكّان قطاع غزة البالغ عددهم 2.3 مليون، ويعيشون جميعاً في ظروفٍ «مروّعة» بحسب ما وصفها منسق الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في الأرض الفلسطينية المحتلة، جيمي ماكغولدريك، الذي قال إن الجوع وصل إلى مستويات كارثية خاصة في شمال غزة.
واختفت كافة أنواع اللحوم والدجاج من إفطارات الأهالي المحاصرين والنازحين في غزة، وحلت محلها المعلبات نظراً لغلاء الأسعار وشح المواد الغذائية، فيما يأتي الشهر الكريم دون أي بوادر لهدنة في غزة مع استمرار الاحتلال في القصف اليومي والمجازر المتواصلة وعدم موافقته على وقف دائم لاطلاق النار.
ومنذ تفجر الحرب ضد القطاع فرضت قوات الاحتلال الإسرائيلي حصاراً خانقاً مانعة دخول آلاف شاحنات الإغاثة التي تكدست على الحدود مع مصر، قبل أن تسمح بدخول بعضها بشكل شحيح جدا لا يسمن ولا يغني من جوع. كما استهدفت أكثر من مرة شاحنات إغاثية تابعة للأونروا ما دفع الأخيرة إلى وقف إدخال المساعدات، لاسيما نحو الشمال منذ نحو شهر.