إسطنبول ـ «القدس العربي»: بعد أسابيع من كارثة الزلزال المدمر الذي ضرب البلاد وقبيل أسابيع قليلة من الانتخابات البرلمانية والرئاسية التاريخية وفي ظل ظروف اقتصادية استثنائية، يعيش الشعب التركي أجواء شهر رمضان المبارك في ظروف صعبة وآلام كبيرة وتوترات سياسية وتحديات اقتصادية انعكست جميعها على أجواء وطقوس وعادات إحياء هذا الشهر من قبل 84 مليون مواطن تركي أغلبيتهم الساحقة من المسلمين.
وطغت آثار الزلزال المدمر الذي ضرب 10 محافظات تركية بداية الشهر الماضي على الأيام الأولى من شهر رمضان، حيث تركز اهتمام كبار السياسيين والمواطنين ووسائل الإعلام على المناطق المنكوبة والحديث عن أوضاع ملايين المشردين وأهالي الضحايا والمصابين في المستشفيات في مشهد مؤلم سلب من الأتراك الكثير من الأجواء الاحتفالية التي كانت ترافق الأيام الأولى لشهر رمضان.
وفي السادس من الشهر الماضي ضرب زلزال مدمر بقوة 7.8 درجات على مقياس ريختر جنوبي تركيا ما خلف دماراً هائلاً في 10 محافظات تركية كبيرة وأوقع أكثر من 50 ألف قتيل و100 ألف جريح وتدمير مئات آلاف المنازل والوحدات السكنية حيث أصبح قرابة 2 مليون مواطن على الأقل بدون مأوى.
ويعيش حالياً قرابة مئات آلاف المشردين في مراكز إيواء مؤقتة منها مدن الخيام والكونتينرات وسكنات الطلاب والفنادق العائمة في ظروف صعبة سلبت الكثير من أجواء رمضان لا سيما السحور والإفطار الذي بات متواضعاً ويعتمد بدرجة أساسية على الوجبات السريعة التي يقدمها الهلال الأحمر التركي والهيئات الإغاثية الرسمية والشعبية.
كما يأتي رمضان هذا العام على عائلات أكثر من 50 ألف شخص فقدوا حياتهم في الزلزال حيث لا يزال ألم الفقدان يسيطر على هذه العائلات المنكوبة، وضعف هذا الرقم من العائلات لا يزال لديه أحباب يرقدون في المستشفيات من مصابي الزلزال، إلا أن الألم الأكبر يسيطر على من يقضون رمضان في الخيام ومراكز الإيواء.
الرئيس التركي رجب طيب اردوغان شارك إفطار أول أيام رمضان مع ساكني مراكز الإيواء المؤقتة وهو الأمر ذاته الذي فعله كبار القادة السياسيين في البلاد من الحكومة والمعارضة، فيما تكثف الهيئات الرسمية والشعبية والحزبية مساعيها لتقديم المساعدات للمتضررين، كما أقيمت صلوات التراويح في مساجد مؤقتة أيضاً في مراكز الإيواء بعدما دمرت عشرات المنازل في الزلزال.
وإلى جانب معاناة المتضررين بشكل مباشر من الزلزال، يشعر عشرات ملايين المواطنين الآخرين بآلام الزلزال وإن كان بدرجة أقل، حيث غابت الكثير من الأجواء الاحتفالية واقتصرت أجواء رمضان على الفعاليات الدينية وتزيين المساجد فيما تراجع إنشاء الخيم الرمضانية والعزائم في المطاعم وغيرها الكثير من الأجواء التي اعتاد عليها الأتراك طوال العقود الماضية.
وإلى جانب آلام الزلزال، تطغى الأوضاع الاقتصادية الاستثنائية التي تمر بها البلاد على أجواء رمضان أيضاً، حيث أدى ارتفاع معدلات التضخم وبالتالي الأسعار إلى تراجع القدرة الشرائية للمواطنين بشكل لافت، حيث تضاعفت أسعار المواد الغذائية الأساسية إلى جانب الارتفاع الكبير في أسعار قائمة الإفطار في المطاعم ما قلص الاقبال على عزائم المطاعم التي اعتاد عليها المواطنون في هذا الشهر.
وإلى ذلك، تطغى المشاحنات السياسية على أجواء شهر رمضان الذي يجري قبيل أسابيع قليلة من موعد الانتخابات البرلمانية والرئاسية المقررة في الرابع عشر من أيار/مايو والتي تعتبر بمثابة أهم وأصعب انتخابات تشهدها البلاد في العقود الأخيرة وهو ما انعكس على المواطنين الذين يشعرون بقلق بالغ على مصير بلادهم خلال المرحلة المقبلة وسط خشية من احتدام التنافس السياسي مع اقتراب موعد الانتخابات.
وينقسم الشارع التركي ما بين مؤيد لاستمرار الرئيس التركي رجب طيب اردوغان في الحكم لفترة رئاسية جديدة، وتحالف واسع من المعارضة التركية توافق على ترشيح كمال كليتشدار أوغلو زعيم حزب الشعب الجمهوري كمرشح موحد للمعارضة في محاولة غير مسبوقة لإنهاء حكم اردوغان.
ويتوقع أن تبدأ الحملات الانتخابية بشكل قوي خلال الأيام المقبلة حيث تطغى الخطابات السياسية والتجاذبات وصور السياسيين والمرشحين ومراكز جمع التواقيع والعضويات الحزبية على الأجواء العامة ويتوقع أن تتزايد الأجواء السياسية في الأيام الأخيرة من شهر رمضان وخلال فترة العيد التي تسبيق الانتخابات بأقل من ثلاثة أسابيع يتوقع أن تشهد فيها البلاد ذروة التنافس والخطاب السياسي.
ويأمل الأتراك أن تساهم الانتخابات بغض النظر عن نتيجتها في الخروج من دائرة التجاذبات والحملات السياسية المرتبطة بالانتخابات وأن تفرز قيادة سياسية قادرة على مواجهة التحديات الكبيرة التي تواجه البلاد وعلى رأسها ملف إعادة إعمار المناطق المنكوبة من الزلزال وتحسين الأوضاع الاقتصادية وغيرها الكثير من الملفات.