عادة ما يوفر المسلمون كل شيء يدعو للاحتفال والاجتماع والفرح لوقت حلول رمضان، فشهر الصيام في المجتمعات الإسلامية وعلى مدى القرون مفعم بالبهجة والأضواء التي لا تنطفئ إلا مع شروق الشمس، فهو بهذا المعنى يمثل لكل مسلم ذاكرة خاصة وطقوسا يحرص على استعادتها كل عام وتكرارها مع أبنائه وأصدقائه. وما يعبر عن روح رمضان هي الجماعة والخروج في الليل لصلاة التراويح أو زيارة الأصدقاء والأماكن العامة إن كان الجو رائقا وجميلا. وحتى في الأيام الشتوية لا يتخلى رمضان عن صورته الجمعية والإفطارات الجماعية التي يتبرع بها أغنياء المدن العربية والمحسنون على الفقراء الذين ينتظرون ساعة انطلاق المدفع في بعض المدن العربية، كما كان الحال في الأزمنة القديمة ثم صوت المؤذن يعلن نهاية يوم من الجوع والترقب لوجبة جميلة. إلا أن رمضان في عام 2020 سيكون من الناحية التاريخية والثقافية استثنائيا لـ 1.8 مليار مسلم، لأن الطقوس ستمارس في عزلة جدران البيوت وفي معظم أنحاء العالم الإسلامي.
الحرمان
وفرض على الكبار، محل الاهتمام في رمضان العزلة، وعلى الفقراء البقاء في بيوتهم ومنع الأطفال من ممارسة طقسهم السنوي من الترحيب برمضان وحمل فوانيسه. والداعي لهذا وباء فيروس كورونا الذي يجتاح العالم منذ نهاية العام الماضي، حيث بدأ في الصين. وتفاوتت الدول في طرق مكافحته، في نيوزلندا وأستراليا لم يعد الهدف تسطيح المنحنى ولكن القضاء عليه، أما في دول أخرى فوفيات يومية أقل تعني أن المرض في طريقه للانحسار. وكما للوباء آثاره السياسية والاقتصادية على العالم فإن حلول رمضان “الحزين” وسط هذا الوباء سيترك آثاره على القدرة الشرائية في المجتمعات الإسلامية. فمن المعروف أن ميزانيات العائلة تزيد في هذا الشهر وتقوم بعض الدول بزيادة مساعداتها للمواطنين حتى تعطي فرصة للمحتاجين والفقراء الشعور بحس من المساواة مع غيرهم من أصحاب اليسر والثراء. ولكن الإشكالية ليست فقط في البعد الاقتصادي وخسائر المحلات والمطاعم وكل المصالح التي تعول على الشهر في زيادة مبيعاتها بل في منع المسلمين من التجمع ومطالبتهم بتطبيق أسس التباعد الاجتماعي لمنع انتشار الفيروس بطريقة يصعب فيها على السلطات السيطرة عليه. ومقارنة مع الدول الأوروبية التي باتت بؤرا للفيروس فالدول العربية والإسلامية باستثناء تركيا وإيران سجلت حالات متوسطة من الوفيات.
اليمين المتطرف
ويظل التحدي هو الحفاظ على العزل والحجر الصحي في المجال الديني، فرغم إغلاق المساجد في بريطانيا مثلا في 16 نيسان/إبريل أي قبل أسبوع من قرار الحكومة فرض الحجر الصحي إلا أن جماعات اليمين المتطرف ظلت تشن هجمات على المسلمين وتتههم بأنهم يخرقون الحظر مستخدمة صورا قديمة. وأدت هذه بشرطة مكافحة الإرهاب للتحقيق في عدد من الحوادث.
وفي الهند حملت الحكومة واليمين الهندوسي المتطرف أخطاء جماعة معروفة ببساطتها وهي “جماعة الدعوة والتبليغ” مسؤولية فشلها في مكافحة الفيروس. وكانت الجماعة قد عقدت اجتماعا في نيو دلهي ربطت به 4.000 فيروس كورونا. وأصبح المسلمون كما أشارت صحيفة “واشنطن بوست” (23/4/2020) كبش فداء، في وقت تسابقت فيه القنوات اليمينية المتطرفة إلى شيطنة المسلمين والتحريض عليهم. وفصل صحافي هندي في صحيفة “نيويوروك تايمز” (21/4/2020) سياسات حكومة ناريندرا مودي واستهداف المسلمين والصحافيين من اليمين الهندوسي. وحذر مسؤولون دينيون مسلمون في بريطانيا من استخدام اليمين المتطرف رمضان كذريعة للتحريض على المسلمين الذين التزموا بالإغلاق. ونقلت صحيفة “أوبزيرفر”(19/4/2020) عن قادة مؤسسات دينية دعوتهم المسلمين البقاء في بيوتهم وعقد صلاة التراويح مع أفراد العائلة المباشرة وليس مع أناس ليسوا منها.
مساجد فارغة
ووسط الإجراءات المتشددة في معظم دول العالم الإسلامي انتشرت صور وأشرطة فيديو على منصات التواصل الاجتماعي للحرم المكي الفارغة ساحاته وكذا المسجد الأقصى في القدس حيث يمنع المصلون من تأدية الصلوات الجماعية في أقدس المساجد لدى الإسلام. فالجمع في الأقصى كانت دائما صورة عن التحدي والمقاومة للاحتلال الإسرائيلي، وعادة ما يشارك فيها مئات الآلاف. وتحتشد ردهات المسجد الحرام والنبوي بالمعتمرين في رمضان ويصل عددهم بالملايين. وهو ما أضفى شعورا بالكآبة على المؤمنين، خاصة عندما لا يدعوهم المؤذن للإسراع إلى المسجد بل يطلب منهم البقاء في بيوتهم. ومن أندونيسيا إلى نيجيريا سيكون رمضان شهرا “كئيبا” خاليا من الشعائر المعروفة. وقدمت صحيفة “فايننشال تايمز” (24/4/2020) صورة بانورامية عن حال رمضان في الدول الإسلامية، وأثر غياب المباهج على الفقراء الذين لا يستطيعون مغادرة بيوتهم للحصول على وجبة الطعام المجانية التي تعودوا عليها فيما يعرف بموائد رمضان التي يقدمها الأثرياء في مصر مثلا أو البلديات في اسطنبول أو المساجد في بريطانيا التي تعودت على توفير وجبة للصائمين طوال شهر رمضان وتزيد عليها وجبة السحور في ليلة القدر. وفي هذا العام ستكون المساجد مغلقة والشوارع فارغة. إلا أن الجماعات الخيرية وجدت طرقا لمساعدة الفقراء من خلال توزيع رزم الطعام على المحتاجين وتوفير الأجواء الرمضانية عبر الإنترنت وتطبيق زووم، حيث يتم نقل الدروس الدينية والصلوات عن بعد بشكل يضفي نوعا من البهجة على الصائمين. ولكن الجمعيات الخيرية كما تقول “فايننشال تايمز” تواجه تحديات كبيرة هذا العام بسبب زيادة معدلات الفقر نظرا للإغلاق. وفي نيجيريا التي يعيش فيها 87 مليونا تحت خط الفقر هناك مخاوف لدى السكان من عدم قدرتهم الخروج للحصول على الوجبة المجانية.
ضغط
وفي مصر كما أشارت “نيويورك تايمز” (20/4/2020) يشعر الناس بضغط الفيروس، فبالإضافة لمنع التجوال الليلي يحرم التجار خاصة في القاهرة القديمة من موسم مهم بعدما نضبت السياحة. ويجد المصريون أنفسهم بعيدا عن المساجد المغلقة وبيوت العبادة التي كانوا يلجؤون إليها في زمن الوباء. وبني مسجد السلطان حسن في القرن الرابع عشر خلال فترة الطاعون، وتقول أمينة البندري، أستاذة الحضارة العربية والإسلامية في الجامعة الأمريكية في القاهرة، إن الناس كانوا في أوقات الأوبئة يجتمعون في المسجد ليصلوا لأجل الحماية من الوباء. إلا أن صلوات كهذه توقفت بعد أن مات معظم المصلين. ومع ذلك فإن القيود المفروضة على العبادة اليوم لها آثار بالغة.
زمن القمع
وأشارت الصحيفة إلى بعد آخر وهو المسلسلات الرمضانية، وبالرغم من منع التجول الليلي سرع في الأسابيع الأخيرة إنتاج البرامج الرمضانية والتي تشتهر بها مصر، من مسلسلات وأفلام ودراما تاريخية وحتى خيال علمي والتي يتم بثها كل ليلة في شهر رمضان. وهناك على الأقل 25 برنامجا سيتم بثها هذا العام تقدم بعد الإفطار، ولكن تم انتقاد بعض شركات التلفزيون التي تصور في الليل أوقات منع التجول بينما المساجد والكنائس مغلقة. وقالت الصحيفة إن استعداد نظام عبد الفتاح السيسي استثناء تلك الشركات من حظر التجول لا يتعلق فقط برغبته بإلهاء الناس وتسليتهم خلال ليالي رمضان الطويلة، ففي السنوات الأخيرة تقوم المخابرات بمراقبة كل البرامج وتمويل الكثير من أهمها لضمان أنها تلتزم بالخط “الموالي”. وتقول إن التاريخ يعلمنا بأن التعامل الحساس مع تفشي الأمراض أمر حكيم. ويقول كريستوفر روز، الأستاذ في جامعة تكساس، إن إساءة التعامل مع تفشي الانفلونزا الاسبانية ساعدت على موجة من الاضطرابات الشعبية والتي أدت إلى ثورة المصريين ضد حكم المستعمر البريطاني بعد التفشي بعام. إلا أن السيسي تعامل بالقسوة المعهودة في مكافحته لفيروس كورونا حيث اعتقل مصريين بتهمة نشرهم للشائعات وسجن طبيبا اشتكى من نقص أدوات الوقاية في المستشفى. أما الإغلاق فبدا مجرد توسيع لتشكك السيسي من التجمعات العامة. فبالنسبة للرئيس المصري، فحتى مظاهرة عامة صغيرة تعتبر تحديا غير مقبول لسلطته. وفي الأسابيع المقبلة، ومن خلال رمضان غير عادي، يريد أن يتأكد بأن فيروس كورونا لن يغير ذلك.
تحدي ومقاومة
إلا أن حالة الإغلاق لم تعجب عددا من الجماعات المتشددة، ففي باكستان التي بدأ فيها رمضان يوم السبت، اضطرت الحكومة لتقديم تنازل سمحت للمتشددين بعقد صلاة التراويح حال التزموا بالتباعد الاجتماعي ولبسوا الأقنعة الواقية وطهروا المسجد قبل استخدامه. ودافعت الحكومة عن قرارها بأنها مجبرة، فيما انتقد بعض رجال الدين المعتدلين القرار قائلين إن من الصعب فرض الشروط حال بدأ المصلون بالتدفق على الجامع. ومن الملاحظ أن إقليم السند الذي تسيطر عليه المعارضة أعلنت عن منع الصلوات الجماعية. وفي أندونيسيا التي ألغت الصلوات في المساجد، تدفق 10.000 مصل في إقليم أتشيه المستقل متحدين قرارات الحكومة على مسجد بيت الرحمن الكبير. وقال قسم منهم إنهم وضعوا سلامتهم في يد الله، مع أن بعضهم كان يرتدي أقنعة واقية. وبالنسبة لعدد من الحكومات فرمضان قد يكون مناسبة لانتشار الفيروس كما حدث في ووهان الصينية، ففيه يعود المغتربون لقضاء الشهر والعيد مع عائلاتهم. وفي إيران سجلت أول حالة إصابة بالفيروس في مدينة قم المقدسة لدى الشيعة حيث انتشر منها إلى دول الجوار بسبب تجمع الزوار في المزارات. ورفضت الحكومة إغلاقها وعندما فعلت احتج الزوار وقاموا بفتحها بالقوة قبل أن تفرض الحكومة أوامرها، ولكن بعد خروج الفيروس عن السيطرة وأدى لوفاة أكثر من 5.000 إيراني. وكان سبب انتشار الفيروس في باكستان وأفغانستان بعد عودة زوار من إيران والسعودية. وقامت ماليزيا بتمديد حال الإغلاق ومنعت الناس من العودة إلى قراهم، في محاولة منها لاحتواء الفيروس، خاصة أنها واحدة من البلدان التي ضربها الفيروس بقوة. وأثنى رئيس الوزراء محيي الدين ياسين على “الجهاد” ضد الوباء. وعلى العموم تختلف كل دولة في العالم الإسلامي من ناحية تعاملها مع الفيروس وطريقة مكافحته. ففي بنغلاديش سمحت الحكومة بالصلاة الجماعية أثناء رمضان، ولكنها حددت العدد بـ 12 في كل مسجد. ومنعت سنغافورة وبروناي الأسواق الشعبية التي تعقد في رمضان. وعلقت أندونيسيا الطيران المحلي وخدمات القطار ومنعت السيارات الخاصة من مغادرة العاصمة جاكرتا.
في عام 2020 سيتذكر المسلمون أنهم صاموا وقاموا في بيوتهم وشعروا بالوحدة التي لا يحبها رمضان.