مع بدء الشهر الكريم، تتضارب المشاعر، فهو يمثل شهرا ينطوي على تحديات ومحددات ثقيلة على النفس. حيث ان هناك برنامجا صارما يجب اتباعه ان أراد المسلم ان يحقق الهدف من صيام هذا الشهر،’ وهناك امتزاج بين الخوف والفرحة. الخوف من الخروج عن أدبيات هذا الشهر او الوقوع في الزلل والابتعاد عن ما يعبر عنه الشهر من الانضباط والنقاء والصفاء والابتعاد عن كل ما هو غير مرغوب، كيف لا حين يصبح المباح حراما في هذا الشهر. وفي نفس الوقت هناك البهجة بقدومه، كزائر معتاد، يأتي كل عام، يحط برحاله كطائرة تحط من بعيد على كوكب الارض، اعتاد عليه كياننا وتتلمسه احاسيسنا وتنتظره سلوكياتنا اليومية التي تحفل بهذا القادم من بعيد في كل عام مرة.
فرمضان هو كانسان يعاود الكرة كل عام يأتي لزيارتنا حاملا معه اشواقنا وحنيننا للماضي، لواحة السلام والراحة من تعب الحياة اليومية ‘العادية’ وصخبها ليحدثنا عن ما لديه من اخبار وأحاديث ليست كالأخبار التي اعتدناها. هو يمثل زمانا ومكانا خاصا يحيط بنا ويدخلنا الى عالم جديد، حتى انني اتصور بان الارض في هذا الشهر تدخل في جو خاص، يلفها رمضان بغلافه الروحي، نشعر فيه اننا مجتمعون كلنا، متحدون كعائلة واحدة وكالجسد الواحد، همنا واحد، وتفكيرنا واحد، وممارستنا اليومية واحدة، نتطلع جميعنا الى هدف واحد.
كأنه نداء لنا جميعا من السماء، كيف لا وكلنا نعبد اله واحدا، ينادينا ان تعالوا جميعا الى مائدة واحدة، كلكم اخوة لا فرق بينكم، لا مسافات ولا حواجز. كأنه استدعاء للتجنيد، ليس من اجل تعلم فنون القتال والقوة العسكرية، بل هو مدرسة ارادة يتعلم فيها كل مسلم كيف يحارب نفسه. يتعلم فيها الجميع كيف يملك نفسه لا ان تملكه، كيف يروض نفسه ويخضعها ويتحكم في نزعاتها وشهواتها والتصدي لكل ما اعتادت عليه. فحتى السلوك المشروع منها كالطعام والشراب يصبح ممنوعا، تأكيدا لمسألة وهي ان الانسان هو في الاصل روح وليس جسد وحسب، وهو بصفته المعنوية من يقرر ماذا وكيف، فالإنسان لا يصح ان يكون كالأنعام يخضع لرغباته الحيوانية والشهوانية منها.. وهو امر هام جدا، وهو ما ينقص عالمنا المليء بالشهوانية والمزاجية والتجاوزات بحق الاحياء والجمادات منها، لان المتنفذين في عالمنا لا يعرفون معنا الصيوم.. أي الامتناع عن الفعل… حتى لو كان مشروعا، فكيف اذا كان هذا الفعل ممنوعا.. لو مارس كل واحد في هذا الكون هذا التمرين لعرف كيف يتصدى لجموح اهواءه وشهواته وكفى هذا العالم شر نفسه وهواها.
اي عظمة لهذا الدين الذي استطاع ان يصدر نداء تجنيد للملايين في شتى بقاع الارض ليمتثلوا جميعا لممارسات يومية واحدة! هذه المدرسة هي محطة هامة لتأهيل اتباع هذا الدين ذو الرسالة العالمية لكي تدفعهم الى الكف.. عن المسموح، ليتعلموا كيف يمكن بسهولة وطواعية ان يكفوا عن الممنوع، حين يكون في متناول ايديهم.. وهو شيء لا يوجد عند باقي الامم التي لا تتردد في ارتكاب الانتهاكات الصارخة بحق الغير، اذا ما طالتهم ايديها! ‘كما ان هنالك ذاك الشعور بوجود هذا الزائر بيننا، كرجل صالح مسن وحكيم، نتحاور معه ونروي له ما حل ‘بنا اثناء الغياب، ويروي هو لنا كيف يجدنا بعد فترة الغياب ويفيض علينا بالحكمة والموعظة الحسنة ويرشدنا الى طريق الصواب. ‘ ‘ ”او ذلك الشعور باننا سفينة ترسو على شطآن جزيرة لتجري فيها إصلاحات وتتزود فيها بالزاد لسفر طويل. نسيح في ارجائها لننهل مما فيها من منتجعات روحية، ومدارس سلوكية، وفنون قتالية لإخضاع الذات ونجلس على شواطئها لنتفكر ونتأمل… قبل ان نتابع رحلتنا.’نعم رمضان هو مدرسة الامة، وفيه يتجسد مفهوم الامة لأنه يطال كل فرد فينا ليصله بمجموع الامة، فالأمة للفرد والفرد للامة. هو مدرسة طلابها ابناء هذه الامة، وزمانها هو هذا شهر. فيها كل الدروس لكافة المستويات، ومكانها هو عالمنا، يتلقى فيها الجميع من معلم واحد، والكل ينهل منها بمقدار ما يعي.. والمحروم من ادرك رمضان ولم يغفر له.. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتانى جبريل عليه السلام فقال: ‘ يــا محمد تعس من ادرك رمضان ولم يغفر له’. نعم، رمضان نبكي لقدومه.. ونبكي لوداعه.
ايمن ابو الخير