شهر رمضان شهر ملهم للشعراء بطقوسه الروحية ونفحاته الإيمانية، يحمل كل منا ذكريات كثيرة تربطه بهذا الشهر الفضيل منذ طفولتنا، تختلف طقوسنا جميعا خلال هذا الشهر، تنعكس روحانياته على سلوكياتنا وتعاملاتنا مع بعضنا بعضا، وللشعراء ذكريات ووقفات مع رمضان، كيف تبدى ذلك في تجارب بعضهم الشعرية؟ وهل تختلف طقوسهم اليومية في رمضان عنها في باقي شهور العام؟ حول ذلك يدور تحقيقنا.
في ظل كورونا
الشاعر عبد الله الشوربجي يرى أن «رمضان هو شهر الله سبحانه وتعإلى كان له انتظاره وكانت له طقوسه وملامحه ولغته، قبل أن تعطل كل شيء وتشوه كل جمال جائحة كورونا.. حين يأتي رمضان أذكر قريتي وكيف كنا نقيم ليلها سهرا وزيارات ولا يتاح لنا من اللذات غير الكنافة البلدي والشاي على (الركية) وما أشهاها من سعادة افتقدناها.. وحين كبرنا اختلفت طقوسنا فالعمل نهارا والنوم بعد التراويح، لكن الجديد هي ساعات ما بعد الفجر وقبل العمل فهي للقرآن زادي للآخرة وزوادي للشعر، فمن لغته تعلمت كيف أكتب جملة فيها من البساطة والعمق والجمال.. وأحرص دائما ولو مرة أسبوعيا على زيارة الحسين والسيدة والاستماع والاستمتاع بالذكر والمدائح.. ولن أنسى ما حييت أني حصلت في رمضان منذ ثلاث سنوات على أهم جائزة ولقب في حياتي وهي (أمير البيان) حيث تنافست مع شعراء كبار من دول متعددة على مدار الشهر الكريم، وفي آخر يوم منه منحني الفوز.. أدعو الله أن يأتي رمضان هذا العام واهبا الحياة نجاة من كورونا كما يهب محبيه نجاة من النار».
جهاد الذات
أما الشاعرة نجلاء خليل فتقول: شهر رمضان الكريم، شهر تزكية النفوس، والإصلاح وتنمية الذات، شهر التصحيح والاعتراف والارتقاء نحو الأفضل، شهر الجهاد الأعظم والأصعب، شهر التخلي والتحلي حتى يغمرنا الله سبحانه بفيوض من التجليات النورانية. ويستلهم الشعراء من شهر رمضان الحس الصوفي الخالص، وتتأثر كتاباتهم بالعبق الأثير للغرق في الوجد والمعية والحضرة والخلوة مع الله فتخرج القصائد أكثر نورانية وتتخلى الذات الشاعرة عن أنانيتها، فتتحلى بالعشق الرباني الخالص وتخرج الكلمات شفيفة تلمس شغاف القلب، مرهفون نحن الشعراء نبكي فنكتب، ونكتب فنبكي، ولا تشعر بنا غير قصائدنا وقوافٍ أرهقتها الدموع.
ليال ثقافية
أما الشاعر عبده الزراع فيقول: «شهر رمضان المبارك من أجمل شهور السنة، وبالفعل فهو ملهم لنا نحن الشعراء بطقوسه وروحانياته الجميلة، بل تربطنا به ذكريات بديعة حيث كانت تنطلق القوافل الثقافية بعد مرور الخمسة أيام الأولى من أيام هذا الشهر لتجوب القرى والنجوع والمدن الصغيرة والكبيرة، ننطلق عقب تناول الإفطار في الأماسي الشعرية التى كانت تقيمها مديرية الثقافة في كفر الشيخ، في تلك القرى والنجوع من خلال نوادي الأدب المختلفة داخل البيوت والقصور، كانت أياما ولا أروع شهدت بداياتنا كشعراء وارتبطنا بهذا الشهر الكريم الذى تختلف طقوسه اليومية عنها في باقي شهور العام، فلا ننام إلا بعد صلاة الفجر، لنصحو من النوم قرب أذان الظهر، ونؤدي الفروض في أوقاتها، وتقل القراءة نسبيًا فيه، وبعد أن انتقلت إلى القاهرة منذ منتصف التسعينيات وارتبطنا بليالي رمضان الثقافية، التي كانت تقيمها الهيئة في السيدة زينب طوال شهر رمضان، ثم انتقلت في فترة أخرى في حديقة الفسطاط، ثم في شارع المعز، ثم في الحديقة الثقافية في السيدة زينب، نتقابل كل ليلة مع نخبة من شعراء مصر القادمين من محافظاتها البعيدة، نستمتع معا بالأماسي الشعرية والغنائية ويزداد رباطنا أكثر مع أيام رمضان ولياليه وما أجملها من ليالٍ.. شهر الروح
وفي هذا الإطار يرى الشاعر البيومي عوض أن شهر رمضان الكريم هو شهر الروح، شهر اغتسالها بالأنوار السماوية الحنون، شهر استعادة الجوهر الضائع والفردوس الإنساني المفقود، شهر الجسد الممتحَن بالجوع الساجد، وهو عندي امتحان صعب، غير أن لهذه الصعوبة لذة فائقة الحلاوة تطمر في جوفها كل ألم للجوع والعطش.. إنه شهر الشفاه المتشققة إكراماً لحوض الكوثر في القيامة، على حد تعبير مولانا جلال الدين الرومي. والواقع أني أكتب شعراً كثيراً في هذا الشهر.
كاتب مصري