بغداد ـ ‘القدس العربي’- من حسن علاء الدين: تسعى الشاعرة رنا جعفر ياسين في مجموعتها الشعرية الجديدة (للغواية قواميسها.. ولك احتمالات البياض) كتابة قاموسها الغزلي الخاص، قاموس بلغتين تتباريان فيما بينهما: الحب والبياض، وهي بذلك تؤسس معجمها الخاص من خلال بناء الجملة الشعرية، وتقطيع القصيدة وتبويب كتابها السابع بشكل يختلف عن كتبها الشعرية السابقة.
في مستهل المجموعة تسعى ياسين لسحب القارئ للدخول إلى كتابها الجديد من خلال خطاب مباشر يجعلنا غير عارفين بشخصية المخاطب، أهو القارئ أو الحبيب؟:
(لا تتعجبْ/ الكون حليفك/ الإشارات تعاويذك التي لا تندمل/ إلتحم واعتنقها/ ما لك غير انشراحة المعنى/ ومنك الإعجاز/ تفتح السماء لك أوعيتها/ حلّق/ توحّد/ تقدس).
وهي بهذا المدخل تحاول تهيئة القارئ لقاموسها الجديد، قاموس الغواية، الذي يبدأ بنثر كلماته منذ النص الأول (أغويك.. وأقصدني) التي بُنيت بأسلوب الحذف المستمر، حتى أننا نبحث منذ بداية النص وحتى آخره عن الجملة المكملة للمعنى، إذ تبدأها بـ: (بعد أن قضمت الحرب أقدامها/ وأسدلت نهديها في وجه الجوع/……./ بعد أن عضَّت السماء غيومها/ كي لا تمطر كلما انشق أديم السماء) ويستمر النص بهذه الجمل المفتوحة وصولاً للمقطع الأخير: (أتعالى/ … تأويل لا أكثر/ وإلى مجمرةٍ أعظم إبهاراً ألتمُّ/ تعالَ/ من يوصد الجنة ماذا يفتح في رؤياه؟). نجد أن الشاعرة، في هذا النص والنصوص الأخرى، اعتمدت على نص البياض الموازي للنص الأصلي، إذ تقطع الجمل والمقاطع تقطيعاً متأنياً، فكل جملة مبنية على فكرة ما، هناك بياض يوازيها يعطي إيحاءين للقارئ، يتمثل الأول في المعنى المحذوف الذي يحث القارئ للبحث عنه، فيما يجدُّ المعنى الثاني في الحفاظ على معمارية النص، وإعطاء فرصة تأمل واستراحة من الجمل المتلاحقة التي ربما تشتت القارئ.
هذا البناء يتكرر في أغلب نصوص المجموعة، فنستطيع بذلك أن نقسمها إلى قسمين: النصوص والبياض، البياض الذي أعطته الشاعرة القسم الثاني من المجموعة (.. ولك احتمالات البياض)، وهي بهذا تدخل لعبة بصرية استندت إليها من خلال ثقافتها التشكيلية والتصميمية، وثانياً استفادت من خبرتها في دراستها للهندسة المعمارية، أثّرت بشكل مباشر على معمارية النصوص وتقسيمها لفضاءات متعددة، يمكن أن تفتح احتمالات القراءة، لتغني البياض مثلما تغني النص المكتوب.
وفي نص (أمسُّ النجوم) تحاول الشاعرة أن تخرج بلغة مختلفة عن النص السابق، لغة غزل لامرأة ليست ضعيفة، امرأة تفعل ما تريد، وتأخذ ما ترغب به، (هذا ليس عيداً محذوفاً/ إنما متع تعربد/ اسمك لي/ لولاك لاختضَّت المجاعة/ وبلوعةٍ، اقشعرت بذرتها/ قلَّما الثورة تخمد أصابعها/ الحريق حريقٌ/ إذ لا تفاحة تختزل الرغبة/ فقط الزوال/ يخصب البداية لصفها الأول). المرأة لا تترك رنا جعفر ياسين، ففي كل نص نجدها تنمو وتتبلور بشكل مختلف، ففي نص (تميمة المسافة) نرى أنها تتلمس جسدها ككائن متكامل، لا يبحث عن نصفه الآخر، كائن متكامل بذاته، الجسد لديه لا يحتاج لمن يشاركه اللذة أو العنف أو التمرد (أجلس في جسدي، لا أحصي أعمار الروح/ أقول:/ هناك شمس سأمسكها في التمني/ أحرثها وأبذر فيها صمت انبعاث/ أناديه، يحضر من عتمة الأغنيات/ ولا أحد يوسوس..)، ويتصاعد هذا التكامل في قولها (أشاكس الحياة/ وأنبذ الثمار المعطوبة) (تشاكس الحياة/ ولا أعرف وجهتك في الحرائق) ثم تختم نصها بـ(الحياة لا تعدُ بنا/ بضعة ضياعات وجوع كبير).
هذا الكبرياء يتراجع قليلاً في نص آخر، يتراجع صوب الأنوثة، المرأة التي تكتمل بذاتها، تكتمل أيضاً بالعشيق، بالتوحد بين جسدين، ونرى هذا في نص (بشدة؛ أمتزج بك)، الذي بني على مفارقة التوحد مع إنسان واحد فقط، فليست عيون الآخرين إلا سكاكين تمزج الجسد، فيما تكون عينيه هو لذة من عالم آخر (يلمسونني بنظراتهم/ أتدنّس/ وبقتامة ملامحي أغتسل/ أقطع أنفاسهم/ فتمضي أضلاعك.. تستنشقني/ أغفل عنهم/ ينطفئون/ ويلتهب جنونك) لكن هذا اللهيب لا ينطفئ إلا في الامتزاج، جسدان يلتهبان ليكوّنا عالماً متفرداً من اللذة (لست المبهورة بطاعون النزوات/ خاصتك أنا/ لك متى اشتعلتَ/ وأينما أوصلتنا للعناق المسافة../ في طقس التهام/ .. أو ربما ارتعاشة).
هذا التوحد والحاجة للآخر المكمل يستمر في نصوص أخرى، فنجد أن الشاعرة تصنع عالمها الخاص من خلال الخلق، خلق العوالم التي لا يمكن أن تستمر من دون الآخر، وهذا ما نجده واضحاً في نص (أترنم بالصدى) إذ تقول: (أشتعل بالمجرات/ لتنطفئ بي/ وأنطفئ من السكون/ لتشتعل بحضوري/ علمني الاكتراث بالفصول/ وأنا أمحو عنك بصمة الأنواء الحربية/ لقّني درس الغواية.. أمنحك حريقي الأوحد..) ثم تنهي نصها بـ(أمهلني لأكبر فيك/ كرّرني في تقواك/ أُنصفك بقيامتي نحوك).
تستمر رنا جعفر ياسين ببناء نصوصها في هذه المجموعة من خلال ثنائية التكوين واللذة، ففي كل نص تحاول أن تبني عالماً جديداً، عالماً مبنياً على ثنائية الغواية والبياض، فنجد أغلب النصوص تستثمر هذه الثنائية بلغة رشيقة وواعية، لغة أنثى تنشئ لنفسها كوناً خاصاً مفتاحه الغواية واللذة، وهذا نجده واضحاً في عناوين النصوص: بلذة.. مناورات وخدر وبعض يقين، أتضرع لترميم الأسماء، ملتهم ذلك التشهي، هناك.. كما لو أن الأرض شاحبة.
المجموعة التي ضمت 22 نصاً، صدرت عن دار الأدهم في القاهرة بـ120 صفحة من القطع المتوسط، وقد كانت لوحة الغلاف (حبر على ورق) لرنا جعفر ياسين وتصميم هند سمير.
يشار إلى أن رنا جعفر ياسين ولدت في بغداد في العام 1980، وقد صدر لها: طفولة تبكي على حجر 2006، مسامير في ذاكرة 2007، مقصلة بلون جدائلي 2008، المدهون بما لا نعرف 2009، إبادة مستعارة 2009 مسرحية فائزة بجائزة الشارقة، شهية طازجة 2009 مجموعة قصصية.