رهاب عودة اللاجئين الفلسطينيين يمنع أي تسوية

حجم الخط
0

كما هو معروف، مبدأ العودة غير المحدودة، خلال السعي لتحويل يهود البلاد من أقلية إلى أكثرية، وعرب إسرائيل من أكثرية إلى أقلية، لم يكن بالنسبة للحركة الصهيونية قبل إقامة الدولة مجرد طموح، بل استخدم بصورة صريحة كأحد الخطوط الموجهة وغير القابلة للتنازل عنها من قبل السياسة الصهيونية. والآن، الجزء المعتدل من الحركة الوطنية الفلسطينية التي توجد الآن- مثل الصهيونية في النصف الأول من القرن الماضي- في مرحلة ما قبل السيادة، ترى الأمور بصورة مختلفة. يبدو أن تطبيقاً غير محدود لحق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى وطنهم لا يتم احتسابهم ضمن كل الأهداف الملزمة، بل يعتبر حلماً عديم المعنى العملي الحقيقي.
هكذا في محادثات طابا في 2001، اتفق يوسي بيلين ونبيل شعث، ولو بصورة غير رسمية، على إعطاء حق الدخول إلى إسرائيل لـ 25 ـ 40 ألف لاجئ. في عملية أنابوليس اقترح الفلسطينيون أعداداً مختلفة، من حد أدنى غير رسمي يبلغ 80 ألف وحتى طلب رسمي يبلغ 150 ألف عائد إلى إسرائيل خلال عشر سنوات. مهما كان الأمر، من الواضح أن هناك فجوة كبيرة بين حلم عودة ملايين اللاجئين إلى حدود إسرائيل وبين الاستعداد للاكتفاء بدخول 150 ألف لاجئ. هذه الفجوة تعكس التسليم المؤلم من قبل الجهات المعتدلة في القيادة الفلسطينية مع الواقع السياسي والديمغرافي في المنطقة منذ العام 1948.
ولكن في نظر الإسرائيليين الذين تعتبر شيطنة الطرف الفلسطيني هي قوتهم إليومي، فإن أهمية الأعداد المحددة التي طرحها الفلسطينيون بشكل صريح في محادثات السلام تبدو مثل قشرة ثوم. بالنسبة لهم، الأهمية الحصرية تستهدف الروح الوطنية الفلسطينية بشأن قداسة مبدأ حق العودة الذي يقول إنه لكل واحد من الـ 5.4 مليون فلسطيني المسجلين كلاجئين في الأونروا ثمة حق شخصي غير مشكوك فيه للعودة إلى إسرائيل.
هذا الموقف أحسن وصفه هنا عيدي شفارتس («هآرتس»، 22/10/2018) أثناء مناقشة العودة الفلسطينية مع كاتب هذا المقال. يبدو لي أنه تجدر العودة إلى موقفه الآن، سواء على خلفية يوم النكبة الذي أحياه الشعب الفلسطيني الأسبوع الماضي أو بسبب أنه يمثل بصورة نقية إلى حد ما استحواذ حق العودة على معظم الجمهور الإسرائيلي، الذي يمنع أي تقدم في الطريق نحو تسوية دائمة.
حسب شفارتس، فإنه حتى لو وقعت قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية ذات يوم على اتفاق دائم يتم في إطاره التقرير بإعطاء إمكانية الدخول لإسرائيل لـ 100 ألف فلسطيني على الأكثر، يمكن للطرف الفلسطيني خرق هذا الاتفاق. لأن الفلسطينيين يواصلون التمسك بقرار الأمم المتحدة 194 في كانون الأول 1948 الذي، حسب المحللين الفلسطينيين، يلزم بتطبيق كاسح لحق العودة إلى حدود إسرائيل. إذا تنازل قادة القومية الفلسطينية بصورة صريحة عن مبدأ حق العودة مهما كان من خلال التخلي الصريح عن القرار 194، قال شفارتس، سيكون بالإمكان التوصل إلى حل للنزاع والتوصل إلى تسوية سياسية. من المفيد رؤية كيف أن رهاب العودة يمكنه أن يخلق حججاً ذات دحض شديد للنفس.

في طابا وأنابوليس: السلطة استعدت للتنازل ووافقت على تحديد عددهم مقابل اعتذار إسرائيلي

فإذا افترضنا منذ البداية أنه فور التوقيع على اتفاق يحدد نهائياً عدد اللاجئين الذي سيسمح لهم بالعودة إلى إسرائيل فإن الفلسطينيين يمكن أن يمزقوه إرباً إرباً، والمطالبة بعودة الملايين على أساس قرار 194. ما الذي سيزعجهم للتصرف بهذه الصورة حتى بعد أن يوقعوا على اتفاق يتضمن تنازلاً عن حق العودة؟ فلم الجلوس إلى طاولة المفاوضات في الوقت الذي يسود فيه عدم ثقة بهذه الدرجة بالطرف الآخر؟.
السلطة الفلسطينية مستعدة للتنازل عن حلم العودة الجماعي والموافقة على تقييد عملي لعدد العائدين الفلسطينيين إلى إسرائيل، بحيث يكون عددهم صغيراً حتى بالمقارنة مع عدد اللاجئين الذين فقدوا وطنهم في 1948 (150 ألف شخص، حسب طلب الفلسطينيين في أنابوليس مقابل 700 ألف لاجئ حتى بداية 1949)، ولا نريد التحدث عن ملايين أحفاد اللاجئين.
بدلاً من الإلغاء المطلق لمغزى هذا الاستعداد، من الأفضل تقدير التوجه التصالحي للأجزاء المعتدلة في الهوية الفلسطينية في هذه المسألة المؤلمة. في حين أن فكرة العودة إلى كل أراضي فلسطين بقيت مثل حلم، يمكن الافتراض بأنه في أوساط القيادة الفلسطينية في رام الله ثمة من يخافون بأنفسهم من احتمالية تحقق هذا الحلم.
هكذا، كأبناء شعب تحولوا خلافاً لإرادتهم من أكثرية إلى أقلية في وطنهم، فإن هذه الجهات الفلسطينية البراغماتية تدرك أن انقلاباً ديمغرافياً عنيفاً يمكن أن يؤدي إلى سفك الدماء. هم يدركون جيداً أن هذا هو السيناريو المتوقع لبلاد عانت من الصعوبات. وذلك مع قدوم ملايين الفلسطينيين إلى إسرائيل ضد إرادة الإسرائيليين. لذلك هم مستعدون وبصدق للتسليم مع تحديد عدد العائدين كما طرحوه رسمياً في انابوليس.
كيف يمكن لإسرائيل التعبير عن تقديرها تجاه التنازل العملي الواضح للمعتدلين الفلسطينيين بخصوص تطبيق عودة الملايين؟ هكذا، مقابل الموافقة النهائية والمطلقة للفلسطينيين على تقييد عدد اللاجئين العائدين، على إسرائيل الاعتراف بالشرعية المبدئية للعودة ومسؤولية الصهيونية الأخلاقية عن خلق مشكلة اللاجئين والاعتذار بصورة صريحة عن النكبة.
هذه الخطوة ستكون خطوة حكيمة وعادلة في الوقت نفسه. خطوة عادلة لأن الطرد والتهجير القصري لمئات آلاف المواطنين غير المسلحين الذين لم يكن لهم أي دور في القتال، كانت تشكل ظلماً إجرامياً لا يمكن بأي شكل من الأشكال تبريره برفض القيادة الفلسطينية تقاسم وطنها مع مستوطنين جاءوا منذ فترة قريبة. هذه الخطوة عادلة بشكل خاص إزاء حقيقة أنه في جزء من الأماكن رافق هذه العملية أعمال سلب ومحو قرى عن وجه الأرض وانتهى مع السلب الرسمي للاملاك الفلسطينية حسب قانون أملاك الغائبين. وأن تحمل المسؤولية والاعتذار عن جرائم الماضي تعتبر شروطاً أساسية وضرورية لاستعادة العدل بالنسبة لعلاقات الشعوب في الحاضر. وستكون هذه خطوة حكيمة؛ لأنه بدون اعتراف صادق من إسرائيل بدورها الأساسي في الكارثة القومية الفلسطينية، لا يمكن التوصل إلى مصالحة حقيقية بين القومية الصهيونية والقومية الفلسطينية.

دمتري شومسكي
هآرتس 23/5/2019

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية