رهين الريموت

حجم الخط
0

عزت القمحاوي ليس أقسى من البقاء في مرمى نيران القناصة، إلا إقامة العاجز أمام شاشة التليفزيون. في اعتصام الميدان ومسيرة الشارع أنت بلحمك جزء من مساحة شاسعة من اللحم المتآلف، نفرة الكرامة وحدت لحمك بلحم غيرك، وحدت اللحم المؤنث بالمذكر. وأنت وسط هذه الكتلة مصدر الخبر، تشارك في صنع الحدث، وكل لحظة تمضي من دون أن يخترقك طلق ناري، تعرف أن هذه القطعة من اللحم بالذات، التي هي أنت، لم تزل تحيا. ربما تحتاج إلى التليفزيون، أما عندما تكون بعيدًا عن الميدان ويتصادف أن يكون لديك قلب، فستتقلب على جمر نار الفضائيات، وإن تصادف أن كنت وحيدا، لن يعوزك الماء لطرد أثر النوم من عينيك. استسلم لغواية الريموت كنترول لحظة استيقاظك وستقوم الدموع بعمل صنبور الحمام.

الفضائيات قاسية، لكنها معذورة، لا يمكن أن تركن الجثامين على جنب لتبدأ اليوم بحفل راقص لمجرد أن مشاهدا مجهولاً يريد أن يغسل عينيه بالماء لا بالدموع.

من قواعد اللعبة أن يتقبل أسير الفضائيات الوجوه المتعددة لكل واحدة منها، الجزيرة عميلة عمالة مؤكدة لدى كل أنظمة الحكم وصديقة صداقة مؤكدة لدى كل الثوار، وللعربية الوجهان ذاتهما، مع تبديل المعسكرات، البي بي سي التي اشتد عودها وانفطمت على نيران الثورة لم تسلم هي الأخرى من التصنيف، وهذه مجرد نماذج، وعليك أن تتقبل كل النماذج وتطارد كل الوجوه بحثًا عن بادرة أمل من الشام إلى اليمن ومن البحرين إلى مصر وتطوان.

وإن تصادف وكان لك مع القلب وقت أطول للمشاهدة يمكن أن تموت قهرا من كم الرصاص المنهمر. ولن تغير الفضائيات مزاجها قريبًا، وعليك أن توسع حياتك بنفسك كما يفعل الأسير أو السجين: احلم تحت سياط التعذيب بحدائق وانزع عن شلالات الدم لونها لبعض الوقت، وتصورها شلالات مياه، إنظر إلى النصف الكوميدي من الكأس، حتى لا تموت من المشاهدة، يكفي من يموتون تحت القنص.

رئيس الاستعارات المضحكة!

يتحدث الرئيس علي عبدالله صالح عربية فصحى، لكن ‘العربية اليد’ عربة البوعزيزي أفضل منها، يدوس قواعد اللغة كما تدوس مدرعاته الشباب. تضع له الجزيرة بمكر جملة يقول فيها:’لقد أمرت الحكومة بالاستجابة لكل مطالب الشباب المعتصمين’. أكاد أعرف نصف الشباب المعتصمين في اليمن، بينهم الكاتب والكاتبة، ولن يطمئنوا إلى أي اتفاق مع رئيس لا يتورع عن مداهمة قواعد اللغة، ولا أظن أن ولعه بالاستعارة يمكن أن يشفع له.

يحاول الرئيس أن يوقع الندم بقلوب الثوار، لأنهم لم يستجيبوا إلى عرضه، فيخاطبهم:’فاتكم الجطار.. فاتكم الجطار’ والقطار لم يصل من أساسه لكي يفوتهم، كانت هناك أخبار العام الماضي عن بدء دراسات مشروع لإنشاء سكك حديدية يمنية، ككثير من الوعود التي لا تتحقق!

وعندما تصاعدت حركة الاحتجاج إلى دعوة للعصيان المدني، أصبح متأكدًا من احتدام المؤامرة على اليمن، واستنفر إمكانات الاستعارة:’هذه مجرد مجبلات’! استعارة أخرى من مائدة لا يعرفها الرئيس صالح، ثقافة المقبلات والطبق الرئيسي ثم الحلو، طريقة متأنقة في العيش تختلف عن ثقافة المناسف والكبسات، حيث تتمدد الذبيحة بكامل رعبها فوق ميدان من الأرز، وحيث سرعة الابتلاع هي الفضيلة لا لذة البطء في التذوق. لو عرف الرئيس اليمني أو أي رئيس آخر لذة البطء ما ابتلع البلد، واختنق باللقمة، ومع ذلك بوسعهم أن يحدثوا الشباب ـ المعتصم على كسرة ـ عن المقبلات.

القذافي وذبابه والصئبانلا يشبه القذافي أحدًا من الحكام العرب، لا من أخذ الحلو وهرب ولا من يتصدر القصعة حتى الآن، قد يشبه في بعض الوجه الإمبراطور الروماني كاليغولا الذي علف وزراءه تبنًا، ولم يجد إلا وزيرًا واحدًا استنكف مقبلات مليكه فعزله وعين حصانه المحبوب مكانه.

لم نعد نعرف شيئًا عن القذافي، وغالبًا لن يضحي بأحد من القلة التي تبقت حوله لكي يقيله ويُعين مكانه التوكتوك الذي ظهر به في تلك الليلة الماطرة. لسنا متأكدين من وجود القذافي نفسه، لكنما القنوات تبث بين الحين والحين بعض المشاهد له، كما تفعل مع بن لادن حيًا وميتًا. لا يستعير القذافي حيوات لا يعرفها كما يفعل صالح، لكنه يشتم بلا حشمة من الجرذان والذباب والقمل الثائر. وليس في ذلك أدنى سوء تربية، لكنها الاستعارة مجددًا.

والقذافي كاتب، علينا ألا ننسى هذا، واستعارته لن تكون كأية استعارة. هو أيضًا عميد الرؤساء العرب وملك ملوك أفريقيا، وقد يكون عاصر كتابة العهد القديم، وما شتائمه للثوار إلا قراءة في سفر الخروج. ليته يترك ليبيا لليبيين ويخرج، وسنغسل بدمع عيوننا صئبان شعره المستعار.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية