روائيون عراقيون: تجاربنا خرجت من بئر الواقع

حجم الخط
0

بغداد – «القدس العربي»: كيف يمكن أن تتحول الذاكرة والبيئة والمجتمع والبيت وهواجس الطفولة والمراهقة والشباب إلى أفكار تؤثر؛ بشكل أو بآخر، على العمل الأدبي، بناءً ولغة وأسلوباً؟
ربما كان لكتاب س. ر. مارتين المعروف ( ) فعل مباشر لدى عدد كبير من الكتاب الأوروبيين والأميركيين، ومن ثمَّ العرب، بالانتباه لإعادة التفكير بكتاباتهم، وكيف كتبت، وما الذي جعلهم روائيين أو شعراء أو فنانين.. لهذا بدأ عدد كبير منهم لكتابة نصوص مفتوحة اشتغلوا فيها على هذه الأفكار.
لكن، كيف قرأ الروائيون العراقيون تجاربهم؟ وما الذي جعلهم يكتبون أعمالاً روائية وليس جنساً آخر؟ حاولت «القدس العربي» التوقف عند هذه الأفكار وقراءتها من جديد عن طريق الروائيين أنفسهم:

تجريب مستمر
الروائي أحمد خلف يرى أن تجريبه في أعماله الروائية جاء على مرحلتين، الأولى أتسمت بالتجريب الشكلي أي اعتماد اللعب الشكلية التي لا تتطلب أكثر من الدخول على بعض التمرينات الأسلوبية من مونتاج أو خلق صور فنتازية وبدايات صادمة مفاجئة في بنيتها. أما المرحلة الثانية فقد اتسمت بالتجريب الواعي الذي تم من خلاله استغلال المهارات الفنية والجمالية. «هذا النوع من التجريب شمل معظم أبناء جيلي ولست أنا وحدي من اتجه نحو عقلنة التجربة الشخصية والاستفادة منها لغرض تطوير السرد القصصي والروائي من خلال التجريب، وبالطبع لم تكن تجربتي بمعزل عن الآخرين، بقدر ما كنتُ أحاول أن يكون لي صوتي الخاص وكان لا بد من الاستفادة من معطيات التراث العربي والإسلامي في التاريخ أو الأساطير والملاحم والحكايات الشعبية، ولعل أبرز مجالات الاستفادة كانت من السفر العربي الخالد، أعني بهِ ألف ليلة وليلة حيث المجال خصب للتجريب وتطوير النص».
ويحسب خلف أن تلك خاصية يمتاز بها التجريبي الماهر، أي أن يأتي التجريب لخدمة النص وتزجيته، بل وتخلصه من الترهلات السردية، إضافة إلى غناه في مجال العبارة أو الجملة الطويلة. «لقد اتسمت معظم أعمالي الإبداعية بالتجريب الفني الذي أعطى انطباعاً واضحاً للكثير من النقاد، أني احرص على التخلص من تراتبية السرد وتحطيم وحدة الزمن وجعل النص حراً وأن يأخذ مداه في التدفق والتلوين، ولربما كان ذلك بعض من متطلبات التجريب الواعي لدور الكتابة الروائية وتأثيرها في نفسية قارئ يطمح لقراءة رواية تتسم بالتجديد والحداثة والخيال». مبيناً أن الخيال أحد مستلزمات العمل على كسر أطر الزمن أو البنية الحكائية بصورة عامة.

مسوّدات وأمكنة
لكن الروائية ميسلون هادي تكتب روايتها بثلاث مسوَّدات على الأقل وتحذف كثيراً في أثناء المراجعة الأخيرة. مؤكدة أن الصعوبة كل الصعوبة، هي أن تعرف ماذا تحذف وأن تكون جريئاً في الحذف… أي أن تكتب بالشوكة والسكين وتمحو بالمغرفة، فهناك الكثير مما تم جمعه أثناء الشروع بكتابة الرواية، فهناك المعلومات المجموعة عن طريق البحث الميداني والنظري، وهناك أمثال شعبية وخرافات وطرائف وأغان يجب وضعها في المكان المناسب، هناك تواريخ وأسماء يجب أن تكون حاضرة في مكانها الصحيح، هناك القصاصات التي تتعلق بتفاصيل المكان، وهذا كله يجب أن يغربل ويوضع في ميزان تترجح فيه كفة التشويق على كفة الدرس.
مضيفة: «بالنسبة لي مثلاً يشكل المكان عبئاً على انسيابية العمل. وأبذل جهداً بحثياً مضنياً من أجل الإيفاء بمتطلباته بما يتلاءم مع التفاصيل الأخرى المتعلقة بالشخصية أو الحدث والتي تنساب مثل تدفق النهر الجاري.. وعندما تتحرك الشخصية في بيئة معينة لا أعرفها جيداً، يشكل هذا تحدياً كبيراً لي ويحتاج مني إلى جهد كبير لتقديم تلك البيئة بشكل دقيق وهذا ما حدث في رواية (حفيد البي سي سي) التي تنحدر فيها الجدة الساخرة شهرزاد من مدينة تقع جنوب بغداد هي مدينة الناصرية، وأيضاً في رواية (شاي العروس) التي تدور أحداثها بين بغداد ومدينة أمريكية…. أما إذا كانت الرواية رواية حدث كما في رواية (العالم ناقصاً واحد) فإن التركيز يكون على مشاعر الشخصيات وتداعياتها تجاه هذا الحدث.. ولهذا جعلت مكانها الروائي هو البيت.. حيث كان البيت العراقي، بكل تفاصيله وحكاياته الشعبية، بطلاً لها وللكثير من أعمالي، ومن خلاله كنت أنقل ما يدور خارج هذا البيت من أخطار وأهوال.. وهو ما أضفت اليه تنويعات محلية كثيرة في روايات أخرى كــــ(العيون السود) و(حلم وردي فاتح اللون) و(نبوءة فرعون) و(يواقيت الأرض) و(الحدود البرية)».

رواية العزلة
البيئة والطفولة هما اللذين جعلا من عبد الخالق الركابي روائياً، ففي حديثه معنا يستذكر ما كان مزروعاً في روحه: «كان بيتاً بدائياً يُعدّ فيه استبدال الفانوس الإنكليزي بآخر (أبو نمرتين)، وموقد الطين بمجمرة النحاس، «والقربة الجلدية بالجرة الخزفية»، أحداثاً على جانب كبير من الأهمية. والحق أن بيتاً على هذه الشاكلة لا يتخذ سمته الطبيعي بمعزل عن عالم الحكايات، وهنا يأتي دور أبي»؛ عند ولادة الركابي كان أبوه قد تجاوز الخمسين من عمره، وهي مرحلة يكون المرء فيها قد أوشك على استنفاد طموحاته فأمسى يعول على ذكرياته؛ حسب ما يصف، «فكان من طقوسه الليلية سرد قصص الأجداد على مسامعنا، فضلاً عن حكايات الطناطل والجن الذين يختفون بذكر اسم الله، والدراويش السحرة والغجر الذين يختطفون الأطفال، وكانت هناك أيضاً حكايته التي تتمحور حول شخصه هو بالذات، لم لا؟ فقد كان من أبناء ذلك الجيل الذين ولدوا أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين؛ إذ البقاء على قيد الحياة برغم كل تلك الحروب – دقة ابن رشيد، السفربر، ثورة العشرين، الحرب الثانية – دون أن ننسى الأوبئة والمجاعات والسيول وقوانين الأسماك الكبيرة التي تأكل الأسماك الصغيرة، البقاء برغم كل تلك الكوارث يعتبر بحق ضرباً من البطولة!».
أما علاقة الركابي بالرواية، فتبدأ بتلك المرحلة، إلا أنه كان لا بد من مرور أعوام حافلة بالقراءة وكتابة الشعر وصولاً إلى امتلاك الأداة التعبيرية الكفيلة بتجسيد المشاريع المختزنة في الذاكرة، «كانت ألف ليلة وليلة – ولا تزال – أول وأهم كتاب أحرص على قراءته حتى الآن، بعدها توسعت القراءات لتشمل خليطاً غير متجانس يتوزع بين إلياذة هوميروس وملحمة كلكامش والكوميديا الإلهية ودون كيشوت وروايات دستويفسكي وشولوخوف وهيمنغواي وشتاينبك ونجيب محفوظ وغائب طعمة فرمان وفؤاد التكرلي ومحمد ديب والطيب صالح وعشرات الروايات الأخرى العصية على الحصر… إلا أن (الصخب والعنف) تظل أبقاها مذاقاً في الذهن؛ فهي رواية صاعقة لم أقرأ لها مثيلاً غير (مئة عام من العزلة)، وعلى كل حال يبقى ماركيز تلميذاً نجيباً لفوكنر؛ لولاه لما أبدع رواية عزلته».

الرواية السينمائية
أما الروائي برهان شاوي فقد جاء إلى حقل الرواية قافزاً السور الخفيض الفاصل بينه وبين حقل الشعر. فبعد أن نشر سبع مجموعات شعرية، وترجم أربع مجموعات لأربعة شعراء روس، وبعد خبرة تمتد لأربعين عاما في الكتابة الشعرية والصحافية، توجه كلياً لكتابة الرواية وكأنها قدره محتوم.
إذ يقول: «في ألمانيا، وفي العام 1987 حصلت على منحة الكاتب الألماني الشهير هاينريش بول التي تمنح للكتاب الأجانب في المنفى، ولمدة ستة أشهر، أنجزت خلالها أول عمل سردي روائي لي بعنوان: الجحيم المقدس. حينها وضعتُ له عنواناً فرعيا هو: رواية سينمائية. كنت حينها أدرك أنني أكتب نصا مختلفاً من حيث بنية السرد وآلياته المتعارف عليها، إذ كنت حديث التخرج من معهد السينما بموسكو، لذا كنت أكتب مستخدماً كل آليات لغة السينما، إذ لا وجود للأفعال الماضية، ولا وجود للجمل الإنشائية، ولا للانزيحات الشعرية والاستعارات الفنية، وإنما حضور قوي للغة الصورية، وللأفعال المضارعة، وللحركة، ومونتاج اللقطة، والمونتاج المتوازي لأحداث السرد القصصي».
مبيناً أن مصطلح الرواية السينمائية، أثار بعض الشكوك النقدية، والاتصالية أيضاً، إذ لم يعرف بعض النقاد التعامل مع النص، هل باعتباره رواية اعتيادية كما هو متعارف عليها، أو كعمل مكتوب للسينما، وهذا أيضاً ما انعكس على طريق القراءة للنص. وبالرغم من ذلك، استقبلت الرواية بترحاب، وإعجاب، وكُتبت عنها المقالات المشيدة بها، والدراسات النقدية التي حاولت إيجاد الصلة بينها وبين السينما، وأُقيمتْ حولها الندوات الفكرية، سواء في الجمعيات الثقافية أم في أروقة الجامعات، ومن أبرزها، الندوة التي أُقيمت حولها في كلية الآداب بجامعة الكوفة، بل إنها دخلت الفهرس الجامعي، حيث نال عنها أحد الطلبة بجامعة صلاح الدين درجة الماجستير متناولا إياها مع رواية هيلانة للكاتب حسين عارف، دارساً بنية المكان في كلا الروايتين.

حس الواقع
الكتابة السردية لدى الروائي سعد محمد رحيم تبدأ في الغالب بصورة؛ مشهد بصري متخيل، قد يكون حقيقياً لكنه مؤهل أن يتخذ أبعاداً وألواناً مختلفة، أي مساراً إبداعياً آخر في إطار نص مرتقب. وتتشكل الصورة تلك في خميرة لغوية؛ كلمات محددة وعبارات وصفية قليلة، لم تتبلور تماماً، أو استهلال دال، أو مقطع من حوار.. إنها خميرة لغوية سردية، «غالباً ما أتعايش معها مدة كافية حتى تستوي عملية التخمر تماماً في ذهني.. أحياناً يستغرق الأمر أياماً وأسابيع قليلة، وأحياناً أخرى شهوراً وسنوات، لا سيما مع كتابة رواية قبل أن تتدفق الكلمات على الورق (والآن، على شاشة الكومبيوتر) بسلاسة ويسر».
ولا يدّعي رحيم أن مسارات السرد تتكون انطلاقاً من تلك الخميرة الأولية بشكل حر من غير تدخل الذات الكاتبة. صحيح أن الشخصيات المختلقة تخوض تجاربها ومغامراتها في المتن الحكائي على وفق طبيعتها التي جُبِّلت عليها، أي كما رسمها الروائي، فتبدو كما لو أنها تتمرد على كاتبها أحياناً.. لكن الروائي هو الذي يضع شخصياته في خضمّ ظروف معينة تمهِّد لها الطريق تارة، وتفاجئها بمعوقات ومصادفات غير متوقعة تارة أخرى.. إن القارئ الفطن يستطيع تأشير مواضع الخلل والافتعال عندما تسلك شخصية ما بشكل لا يتساوق مع بنائها النفسي والذهني وقيمها، وعلى الروائي أن يلحظ ذلك قبل أن يدفع مخطوطة روايته إلى المطبعة.
ويرى رحيم أن الحال، في هذا السياق، أشبه بلعبة تجاذب ثلاثية الأبعاد بين الروائي والشخصيات ومقتضيات الصنعة الروائية. والبعد الأخير يشترط توفر عناصر ثلاثة على الأقل؛ الصدق الفني، تناغم أجزاء النص واتساق مبناه، التشويق. والعنصر الأخير يستقيم مع جمال اللغة، وعمق حضور الشخصيات، وقوة الثيمة، والحدث الدرامي اللافت. وبتصوري فإن الرواية تكتمل متناً ومبنى حكائيين عبر اشتغال هذه الجدلية المعقّدة في ذهن الكاتب طوال مدة استغراقه في كتابة الرواية، مع ضرورة إبقاء حس الواقع لديه عالياً حتى وإنْ كانت أجواء روايته فانتازية.

الانقياد للرواية
لا يدري الروائي حميد العقابي كيف تسلل إلى الرواية؟ كان الأمرُ بلا وعي منه، فهو شاعرٌ، بل إنسان بدائيّ يثيره الإيقاع قبل الفكرة فيأخذه في بُحرانٍ، بعيداً ليس عن الواقع فحسب، بل حتى عن نفسه، و»أنا قليل الكلام، وقليل الصبر، قلق، لا أستطيع الجلوس نصف ساعةٍ في مكان واحد. هذه الصفات تجعلني أبعد ما أكون عن الصفات التي يجب أن تتوفر عند كاتب الرواية. إضافةً إلى ذلك كنت وما أزال قارئاً سيئاً للرواية، فلا تستهويني إلا الرواية المكتوبة ضمن شروط ذائقتي».
مضيفاً: وجدتُني صبياً يكتب الشعر، مهووساً في تعلم البحور الشعرية، يمشي كالمجنون وهو يحاول دوزنة اللافتات وأسماء المحلات على بحر الكامل أو الوافر، ويفرح.. يفرح حينما يغيّر الكلمات قطعاً أو مطّاً كي تستقيم مع إيقاع البحر، حتى صار يجيد الكتابة على البحور كلها. مجموعتي الشعرية الأولى صدرت عام 1986 وضمت قصائد تفعيلة فقط.
حينما اتسعت الرؤية، ضاقَ الإيقاع، فوجدتني منقاداً لكتابة قصيدة النثر، وبعد أن أصدرت أربع مجموعات شعرية أغلب قصائدها تنتمي إلى قصيدة النثر، توقفت لمراجعة تجربتي فوجدتُ أني أتحايل على نفسي، فقصيدة النثر عندي تتعكز على السرد القصصي لإيجاد ما يسمى بالإيقاع الداخلي، ورأيت أن ما أكتبه هو أقرب إلى القصة منه إلى الشعر، وبتجربة مجنونة حوّلت مجموعة من النصوص التي سبق وأن نشرتها باعتبارها قصائدَ إلى قصص قصيرة بعد أن حذفت ما تراكم فيها من استعارات ذهنية، معززاً السرد القصصي فيها على حساب شعريتها، ونشرتها لاحقاً ضمن مجموعة قصصية صدرت عام 2004.
هذه التجربة أغرت العقابي فوجد نفسه يكتب السرد بمتعة لا تقل عن متعته في كتابة الشعر. إذ نشر كتابه الأول في السرد (أصغي إلى رمادي) في العام 2002، وهو عبارة عن فصول من السيرة الذاتية. فوجئ العقابي بالتقريظ الكبير الذي حصل عليه، فقد كُتب عنه أكثر من خمسين مقالاً، وأعيدت طباعته بعد عام واحد من صدور الطبعة الأولى، كذلك كان أطروحة لرسالة دكتوراه حازت عليها طالبة إيطالية من جامعة نابولي.

الإمساك بالخيط
من المقنع بالنسبة للروائي عبد الهادي سعدون أن يجد ما يشده لفكرة روائية، البحث عن كل صورها الممكنة سواء في نماذج واقعية أو تطويرها خيالياً من خلال مزجها بتجارب وقراءات ورؤى تتقابل معها أو تنفر. «هل يمكنني القول أيضاً بفكرة تهييج تلك الحرية الداخلية غير المقيدة لتساعدني بمسك خيوطها المتنافرة والتعرف على شخوصها وأمكنتها وزمن تواجدها! الكاتب المقيد لا ينتج نصاً حراً ولا كتابة مقنعة، وهو ما أؤمن به على الأقل في الكتابة والحياة». مبيناً أن هذه ليست قناعة مفبركة وجاهزة بقدر ما هي إنجاز نتوصل له من خلال المران الكتابي المستمر. «قد أكون محظوظاً بأن أغلب ما كتبته وجد له مكاناً خارج شرنقة الرقابة الأخرى وكذلك الرقابة الذاتية. قد أكرر أقوال أخرى لكتاب آخرين، ولكن الحقيقة الوحيدة التي أراقبها هو أن أكتب نصاً جيداً متجاوزاً كل شروط الرقابة الذاتية: ويرى سعدون أن الكتابة في حياته نوع من التطهر والحرية، وهما نقيضان لا يلتقيان مع أي تشارط ورقابة ذاتية. «مع كل كتاب روائي جديد أكتبه أشعر وكأنني لم أكتب بعد الكتاب الحقيقي الذي أحلم به، كتاب عميق يمثلني كلياً ويشير بشكل متميز لنتاجي والذي أحاول أن أكتبه في الكتاب القادم. ولكن الحقيقة هو أنني في كل مرة أجد أن ما أحلم به موجود في كل ما كتبته وكأنني أجمع هذه الشذرات المتناثرة في النصوص كلها لتشكل هذا الكتاب الواحد الوحيد الذي كتبته وما أزال أسعى للإضافة له بنصوص أخرى». ويشير سعدون إلى أنه ليس هناك رضى كامل ولا خذلان كامل، معتقداً أن الواحد منا سيستمر للأبد وكأنه في المحطة القادمة سيكتب أفضل ما عنده.
الرواية والشرط الروائي وآلياته بالنسبة لسعدون لا تخرج عن حقل كل عمل كتابي وإبداعي يكتبه وينوي كتابته في الفترة القادمة، إمساك خيط ما يقنعه بجدواه وضرورة الاستمرار به. فضلاً عن أنه لا يبحث عن خوارق ولا مستلزمات متبطرة، بل وقت مناسب وحكاية مقنعة ولافتة للقارئ، ومن ثم التعب فيها وكأنها الكتابة الأخيرة التي تخرج من رأسه. ومن ثمَّ فهو لا يبخل بكل الحيل والتطريز الحكائي ومستلزماته الواقعية والخيالية وكأنه يصبها كلّها في نص هو الأخير له ولا عمل بعده، «لأن بهذا وحسب ما يقنعني كصاحب للنص بجدوى وجوده ونشره ووصوله للقارئ. كل شيء بالنسبة لي ككاتب لنص روائي متاح ويجب النظر به والاستفادة منه». ويعتقد سعدون أنه لا يحيد عن المسلمات المعروفة بالكتابة (والكتابة الروائية هنا)، ذلك أن لا حلول ولا أسرار ولا وصفات سحرية لكتاب جيد في زمننا هذا، غير التوق للكتابة والإصرار على الكتابة بوعي و حرص ومران مستمر حتى لو تجاوزت كتاباتك آلاف النصوص ومر من عمرك العشرات من السنين. الكتابة بلا قناعة معينة (ولو شخصية) لا تنقذ أي خطاب ولا آلية روائية، وبالتالي أي نص مكتوب.

رواية الحنين
في حين ليس لدى الروائي محسن الرملي-حتى الآن- سوى بضعة قناعات تقليدية ومعروفة تتعلق بالرواية والكتابة، وهي أيضاً عرضة للشك مثل كل الأشياء الأخرى التي يفكر بها. ومن بين أبرز هذه القناعات: أن الرواية، عموماً، هي رؤية للعالم أو للحياة من خلال عرضها لجانب أو لمقطع مجتزأ من هذه الحياة، ويكاد يعجب بكل الروايات التي يقرأها بما فيها التي يعتبرها غيري سيئة لأنه ما من نص في العالم إلا ويوحي بشيء ما ويعني شيئاً ما. والقناعة الأخرى هي أن المضمون هو الذي يفرض الشكل، و»مما لمسته في تجربتي بهذا الشأن أن ثمة تحولات قد طرأت على الأسلوب وفي المراحل التي تناولتها كل رواية، فكانت «الفتيت المبعثر» أكثر تجريباً وتكثيفاً وإيحاءات رمزية، وفي «تمر الأصابع» هيمنت الثنائيات على كل شيء تقريباً من حيث مستوى السرد والزمان والمكان والمواضيع والانشطار النفسي، أما في «حدائق الرئيس» فقد عاد السرد المستقيم المباشر الذي يركز على الموضوعة أكثر من التجريب باللغة، مع أن هذه الرويات الثلاث تشترك جميعها بأنها تتحدث عن العراق وأثر الأحداث والتقلبات السياسية عليه، لكن هذه التحولات في السرد، متأتية من طبيعة محتوى كل عمل بذاته وكذلك متأثرة بتحولات السرد الروائي في العالم بشكل عام».
أما القناعة الأخرى فهي: أن أبرز ما يجب التركيز عليه في المضمون هو الصدق. ولهذا فإن الرملي، كلما شرع بالكتابة بصدق حضر العراق فيما يكتبه. «ليس لأنني شخص وطني متعصب، كما أني لست بصاحب قضية وطنية يكرس كل حياته لأجلها، وإنما، في الأصل هو أمر يخص علاقتي بالكتابة ذاتها، أي أنه هم وجودي يتعلق بمحاولة إيجاد فهم ما لهذا الوجود، لذا فهو يتمحور حول المواضيع الأساسية ذاتها وأولها معضلة الموت وبالتالي بالهموم الإنسانية عموماً، أي أن أكثر ما يهمني هو الإنسان، أوجاعه، أحلامه، تعقيداته، جوانب الخير والشر فيه، لذا فإن ما يحيط به من أشياء وكائنات أخرى وأمكنة وظروف، ما هي بالنسبة لي إلا أدوات مساعدة في محاولة الفهم هذه، وهكذا تأتي ظروف العراق التي عشتها وأعيشها وأعرفها بمثابة حاضنة خصبة لجل كتاباتي وكمناخ خاص، أثر على مجمل حياتي وتجاربي وتكويني ونفسيتي، أحاول من خلاله التفحص والتعبير عن وجوه من هموم الإنسان عموماً».

اعترافات
من جانبه تأثرت كتابات الروائي فيصل عبد الحسن بنظرية الرواية الجديدة، والحساسية الجديدة في الرواية العربية، فدرس الكثير من التجارب العالمية في الكتابة الأدبية، وكتب عنها، منوهاً ومعرفاً بها كمؤشر دال على التغييرات التي أصابت أدبنا الروائي والقصصي، خصوصاً بما يتعلق ببحثه عن مزايا الكتابة الجديدة، وصعوبات كتابتها، والنماذج العربية في القصة القصيرة والرواية، التي نجحت في استيعاب هذه التحولات الكبرى في الأدب الغربي، والتي حاولت دراسة تقنياتها ومادتها دراسة معمقة.
ويشير عبد الحسن إلى أن الكتابة الجديدة لا تختلف كثيراً عن حياة كتابها، وما عاشوه من تجارب، بل إنها في بعض الأحيان تمثّل حيواتهم فعلاً، مسجلة إياها سطراً بسطر وكلمة بكلمة، وكأنما تقرأ سجلاً لاعترافاتهم بما عاشوه من تجارب سياسية، واجتماعية في فترة إحباطهم، وفشلهم أو بعد نجاحهم، وفي بعض الأحيان تقترب صفحات تلك الكتابات الأدبية- قصصية وروائية- جداً من تفصيلات المدونات اليومية لأي مثقف انتظم في تدوين ما يحصل في حياته يوميا، إلى درجة أنهم اضطروا لفتح الأدراج عن رسائلهم الغرامية، التي كتبوها لحبيباتهم في فترة من فترات حياتهم ونشر رسائل حميمة تلقوها من أصدقائهم وأهلهم، وكما جاء ذلك في نماذج قصصية وروائية كثيرة.
مضيفاً: لم يعد الروائي ذلك الحكَّاء الذي لا يملك هدفاً من وراء ما يروي من قصص وحكايات، فالرواية جنس أدبي شعبي يحبه الناس، ويأمل متابعوه أن يجدوا فيه إجابات عما يدور في أذهانهم من أسئلة، كما أن رواية اليوم هي سليلة الملحمة، فهي سليلة ملحمة جلجامش، الإلياذة، الأنياذة، الأوديسة، والشاهنامه الفارسية، وغيرها من الملاحم الإنسانية، وورثت عنها أنها ترصد جيلا أو عدة أجيال، وتحكي كل ما يتعلق بهم، لتبقه وثيقة مرئية بالخيال عن حياة من عاشوا، ولمن سيأتي من الأجيال اللاحقة، لذلك فعلى الروائي أن لا يخيب أمل قرائه، وعليه أن يقدم لهم شيئا جديدا نابعا من معاناتهم، ومفردات حياتهم اليومية.

صفاء ذياب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية