رواتب الموظفين الحكوميين تنسف ميزانية العراق

مصطفى العبيدي
حجم الخط
0

بغداد-“القدس العربي”: حذرت جهات رسمية واقتصادية، من أن رواتب الجهاز الإداري الحكومي الهائلة في العراق، تستقطع الحصة الأكبر من ميزانية الدولة نتيجة تضخم أعداد الموظفين والمتقاعدين فيه، بالتزامن مع تصاعد ثورة العاطلين عن العمل الساعين للحصول على وظائف في الدولة، في مؤشر واضح على فشل التخطيط الإداري والاقتصادي في العراق.

وفي مؤتمره الصحافي الأسبوعي الأخير أقر رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي ان “الدولة أصبحت مترهلة بشكل لا يمكن السكوت عنه ولابد من اتخاذ الإجراءات اللازمة” في إشارة إلى تضخم أعداد الموظفين الحكوميين بشكل غير مسبوق في البلد، ما يؤدي إلى استنزاف الميزانية ويؤثر على قدرة الحكومة في تنفيذ مشاريع وخدمات ضرورية للمواطنين.

وكشف عضو اللجنة المالية النيابية أحمد حمة رشيد، أن “أكثر من نصف الموازنة المالية للعام المقبل 2019 تذهب إلى الرواتب، بينما تبلغ مخصصات وزارتي الداخلية والدفاع نحو 12 ترليون دينار، إضافة إلى دفع أموال طائلة لشركات النفط الأجنبية ضمن جولات التراخيص وللديون الداخلية والخارجية”.   

وأشار إلى إن موازنة العام المقبل اعتمدت على النفط كمصدر وحيد للإيرادات إضافة إلى تضمن الموازنة مجموعة من الضرائب الجديدة، مبينا ان اللجنة المالية النيابية وضعت العديد من الملاحظات على قانون موازنة 2019 ومنها ذهاب 67 في المئة من ايرادات الموازنة إلى الرواتب، وتخصيصات وزارتي الدفاع والداخلية التي تقدر بـ 12 ترليون دينا عراقي إضافة إلى الملاحظات على تخصيص أموال طائلة لشركات النفط الأجنبية ضمن التزامات جولات التراخيص مقارنة بالإيرادات النفطية المتحققة للعراق.

وفي سياق النقاش الحالي لبنود مشروع ميزانية 2019 من قبل الحكومة والبرلمان تكرر طرح مشكلة التضخم الهائل لرواتب الموظفين والمتقاعدين الذين يقدر عددهم بنحو سبعة ملايين شخص بينهم نحو مليون وربع المليون في إقليم كردستان، وهو عدد أكبر بكثير من الحاجة الفعلية لدوائر الدولة ويشكل عبئا ثقيلا على الميزانية ويستنزف مواردها بشكل بعيد جدا عن التخطيط السليم لليد العاملة وحاجات البلاد، كما يعرقل تخصيص مبالغ كافية للجانب الاستثماري ولتقديم الخدمات الأساسية الكافية كالكهرباء والماء والتعليم والصحة وغيرها عدا عن تكاليف إعادة إعمار المدن المدمرة والنازحين.

وتشير مسودة الموازنة المالية لعام 2019 إلى ان حجم النفقات تقدر بـ (108 مليارات دولار) وبعجز نحو (19 مليار دولار) مع الاعتماد على واردات النفط المصدر بنحو 90 في المئة من الميزانية.

وتأتي هذه التطورات في الوقت الذي يشهد الشارع العراقي تظاهرات عارمة للعاطلين عن العمل الذين يضغطون على الحكومة المركزية والحكومات المحلية في المحافظات من أجل توفير فرص العمل لهم، مهددين بتعطيل الحياة العامة إذا لم تلب طلباتهم.

وقبل أيام حاصر متظاهرون غاضبون في البصرة جنوب العراق، وزيري المالية والعمل أثناء زيارتهما المحافظة الثائرة، للمطالبة بحل مشكلة البطالة من خلال التعيين في الدولة، بينما قامت مجاميع أخرى بمحاصرة مواقع شركات النفط وقطع الطرق المؤدية إليها بهدف الضغط على الحكومة.

وكانت وزارة التخطيط أعلنت ان نسبة البطالة في العراق وصلت إلى 30 في المئة من الأيدي العاملة وخاصة بين خريجي الكليات الذين تقذف الجامعات بالآلاف منهم سنويا مع غياب فرص العمل.

وما زاد من مشكلة تنامي البطالة محدودية قدرات القطاع الخاص على إقامة مشاريع واسعة لاستيعاب العاطلين، وعزوف الاستثمار الأجنبي عن الزج بأمواله في مشاريع استثمارية في العراق، رغم وجود فرص كبيرة جدا للاستثمار، إلا ان ثمة عوامل عدة تعيق الاستثمار الأجنبي أبرزها غياب البيئة الاستثمارية الآمنة التي لا يوجد فيها فساد أو قرارات إدارية تعيق العمل أو جماعات الابتزاز المسلحة.

ويشير الخبراء الاقتصاديون ان الثقافة السائدة في العراق تركز على سعي المواطنين وخاصة خريجي الجامعات للحصول على وظيفة حكومية في دوائرها، دون الاهتمام فيما إذا كانت هناك حاجة فعلية فيها لمزيد من الموظفين.

ويعتبر المطلعون ان أعداد موظفي الحكومة في العراق، هي أحد افرازات الاحتلال الأمريكي للبلد عام 2003 حيث عمدت إلى حل معظم الدوائر الحكومية ومنها الجيش والشرطة وتسريح موظفيها أو إحالة بعضهم على التقاعد، بحجة كونهم موالين للنظام السابق، وفي المقابل سمحت للأحزاب السياسية التي تعاونت معها في إدارة السلطة ان تفتح أبواب التعيينات دون تخطيط أو ضوابط في دوائر الدولة لملايين من أتباعها وجمهورها، وهي العملية التي أدت إلى تضخم هائل في أعداد الموظفين بعد انسحاب قوات الاحتلال، حيث زاد عدد الموظفين والمتقاعدين من نحو مليونين إلى سبعة ملايين، مع زيادة كبيرة في مستويات الأجور والرواتب والنفقات الحكومية.

وقامت حكومات ما بعد 2003 بتخصيص وظائف ورواتب ومكافآت وامتيازات مالية هائلة للذين عملوا في المعارضة ضد النظام السابق وخاصة الذين تعرضوا للسجن أو الاغتراب، ولعائلات الذين تم اعدامهم، عدا الرواتب التي تم تخصيصها لضحايا العمليات الإرهابية والعسكرية التي انتشرت في العراق، بل وصلت الأمور إلى منح مئات الآلاف من السياسيين وعائلات ضحايا الإرهاب والسجناء السياسيين أكثر من راتب إضافة إلى منح مالية مجزية ما شكل هدرا لموارد الدولة.

حلول ترقيعية

 

ونتيجة سوء التخطيط لإدارة الموارد البشرية والمالية للبلاد والفساد المستشري والحرب ضد تنظيم “داعش” وانخفاض أسعار النفط عالميا وغيرها من العوامل، فقد شهدت الميزانية الاتحادية عجزا كبيرا ولعدة سنوات، وصل إلى ربع مجمل مبلغ الميزانية أحيانا، ولذا عمدت الحكومات في السنوات الأخيرة إلى اتباع سياسة تقليص النفقات عبر إجراءات تقشفية منها تخفيض رواتب القيادات السياسية العليا وخفض النفقات الحكومية وايقاف المئات من المشاريع الخدمية، كما قرر مجلس الوزراء منح الموظفين في دوائر الدولة إجازة لخمس سنوات براتب اسمي.

وإضافة إلى هذه الإجراءات، فقد لجأت الحكومات إلى القروض المحلية والأجنبية لسد العجز في الميزانية، حيث وصلت الديون الحكومية إلى أرقام لم يشهدها العراق قبلا. إذ أعلنت عضو اللجنة المالية البرلمانية ماجدة التميمي، العام الماضي ارتفاع ديون البلاد الداخلية والخارجية إلى 119 مليار دولار من بينها 80 مليار دولار ديون خارجية، معربة عن “تخوفها من أن تذهب القروض الأخيرة التي اقترضها العراق هذا العام لإعمار البنى التحتية في المناطق المحررة، لجيوب الفاسدين”.

وكان رئيس بعثة صندوق النقد الدولي للعراق كرستيان جوز أكد، أن نسبة ديون العراق ارتفعت من 32 في المئة إلى 64 في المئة خلال الفترة 2014 – 2016 مشيرا إلى الحاجة لمزيد من الإصلاحات لخلق حيّز مالي للنموّ الشامل، وتعزيز بيئة الأعمال، والحدّ من الفساد، وإصلاح القطاع المصرفي لدعم النموّ الذي يقوده القطاع الخاص، والتنويع في الاقتصاد، حالما تنطلق عملية إعادة الإعمار في مرحلة ما بعد تنظيم “داعش”.

وقد دفعت الأزمات الاقتصادية المزمنة في البلاد، رئيس مجلس الوزراء السابق حيدر العبادي، إلى طلب مساعدة البنك الدولي، حول كيفية التعامل مع التحديات التي يواجهها الاقتصاد العراقي وإعادة هيكلته وتأهيله، والاستعانة بدعم القطاع الخاص بمساعدة البنك الدولي.

ولا يبدو معظم العراقيين متفائلين كثيرا بإمكانية إصلاح الأوضاع الاقتصادية في بلدهم في المدى القريب، وخاصة ما يتعلق بإيجاد حلول لتضخم رواتب الموظفين وسبل مواجهة البطالة المقنعة في دوائر الدولة، ومعالجة البطالة المتصاعدة وذلك كنتيجة طبيعية لسنوات من سوء الإدارة والفساد المستشري وغياب التخطيط السليم وعدم استقرار أسعار النفط، إضافة إلى تزايد الديون وفوائدها.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية